PDA

View Full Version : محمد المنسي قنديل .... الساحر


Sir Mohammad Yousry
02-11-2010, 09:11 PM
محمد المنسى قنديل



http://photo.goodreads.com/authors/1261376760p5/2499187.jpg


مقدمه بسيطه لابد منها :



اندهشت بشده عندما قرات روايته الاثيره لي انكسار الروح

و هو يقول في بدايتها يا فاطمه يا غرامي الحزين شعرت انني مقبل علي عمل فني لم يخيب ظني فيه في كل جمله في تلك الروايه الشجيه الجميله

و حين انتهيت منها لم املك نفسي و اخدتهم في جنابي و دخلت نمت بدون صوت
عموما انا لست ماهر في كتابة المقدمات او التعريف باحد لكن مع المنسي قنديل مقدرتش الا ان اتسال بدهشه
كيف لم اسمه اسمه من قبل ؟؟
و عندما قرأت كتبة الممتع و الحزين و الجميل و الراقي تفاصيل الشجن في وقائع الزمن وقعت في غرام قلمه الي الابد
في مجموعته القصصيه الاولي ستجد انك امام كاتب شديد الخصوصيه و الحميميه مع التفاصيل و اللغه
تشعر انك امام رسام مبدع اكثر من كونك امام روائي عظيم لم ياخد حظه من الشهره الاعلاميه مقارنه ببراعته الادبيه

الا ان هذا كله في كفه و روايته الاخيره يوم غائم في البر الغربي في كفه اخري
روايه صادمه حزينه للغايه و يكفي فصل بني خلف و ما فيه من تفاصيل و براعه لن تشعر بها الا و انت تقرا الروايه



من ويكيبيديا :



ولد محمد المنسي قنديل بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية بمصر في عام 1949م، وقد كان من زملائه في هذه المدينة الأفليمية الدكتور جابر عصفور الذي أصبح واحدا من أكبر النقاد العرب والدكتور نصر أبو زيد المفكر الأسلامي المجدد والقصاص المعروف سعيد الكفراوي وجار النبي الحلو والشاعرين محمد فريد أبو سعدة ومحمد صالح وغيرهم.

تخرج المنسي من كلية طب المنصورة عام 1975م وعمل بعد تخرجه في ريف محافظة المنيا لمدة عام ونصف العام وهي الفترة التي استقى منها معظم خبراته عن القرية المصرية، وإنشغل في هذه الفترة بإعادة كتابة التراث وكان دافعه إلى ذلك هو الهزيمة المريرة التي تلاقاها العرب في علم 67 والتي لم تغادر ذاكرته الروائية حتى الآن، ثم أنتقل إلى التأمين الصحي في القاهرة قبل أن يعتزل الطب ويتفرغ للكتابة.

فاز وهو مازال طالبا في عام 1970م بالجائزة الأولى في نادي القصة عن قصة "أغنية المشرحة الخالية" التي جسدت مشاعر طالب طب فقير، وقد نشرت هذه القصة في العديد من الدوريات قبل أن يضمها في كتابه "من قتل مريم الصافي" الذي فاز بجائزة الدولة التشجيعية في عام 1988م، كما فاز وهو طالب أيضا بجائزة الثقافة الجماهيرية عن قصة "سعفان مات" التي تحكي مأساة عمال التراحيل.

وقد عكف المنسي على البحث في جذور الشخصية العربية، وهل هي شخصية قابلة للتقدم والنماء أم انها محكومة بمصير الهزيمة، وقد اثمرت رحلته في التراث عن ثلاث كتب متنوعة هي شخصيات حية من الاغاني ووقائع عربية وتفاصيل الشجن في وقائع الزمن، بعد ذلك كتب روايته الطويلة الأولى "إنكسار الروح" وهي قصيدة حب طويلة وشجية عن الجيل الذي عاش مع ثورة يوليو محملا بالانتصارات عاشقا للحب والحياة، وإنتهي به الأمر منكسر الروح وضائعا بعد هزيمة يوليو 1967.

كتب بعد ذلك عدة مجموعات قصصية، واشتغل كبيرا للمحررين بمجلة العربي التي تصدر من دولة الكويت، وقد هيأت له المجلة فرصة الرحيل حول العالم، وكانت ثمرة ذلك روايتين، نشر أحدهما وهي "قمر على سمرقند" والأخرى ضاعت منه وهي مخطوطة، ولا زال يحاول استرجاعها في ذاكرته، وقد فازت رواية "قمر على سمرقند" بجائزة نجيب ساويرس للاعمال الادبية، وقامت الجامعة الأمريكية بالقاهرة بترجمتها إلى الأنجليزية ونشرها، انتهى من كتابة رواية جديدة بعنوان "يوم غائم في البر الغربي" وقد نشرتها دار الشروق بالقاهرة والرواية مرشحة الآن لجائزة البوكر العربية وقد وصلت إلى القائمة القصيرة



أعماله



مجموعات قصصية



* من قتل مريم الصافي

* احتضار قط عجوز

* بيع نفس بشرية

* آدم من طين

* عشاء برفقة عائشة



روايات



* الوداعة والرعب (حولت الي فيلم سينمائي بعنوان "فتاة من إسرائيل")

* انكسار الروح

* قمر على سمرقند

* يوم غائم في البر الغربي



كتب



* شخصيات حية من الاغاني

* وقائع عربية

* عظماء في طفولتهم

* تفاصيل الشجن في وقائع الزمن



سيناريو



* فيلم أيس كريم في جليم

* العديد من كتابات الأطفال، حوالي 12كتابامنها

* يهودي في بلاط النعمان

* حكايات صغيرة لريم

* رجل من قلبلة النساء

* رحلة غلى أرض الافكار

* سندباد في جزيرة القرنفل.. وغيرها




صفحة الكاتب علي الفيس بوك من انشاء الصديق العزيز احمد الجارحي و له اتقدم بالشكر لانه اللي عرفني علي المبدع محمد المنسي قنديل




محمد المنسي قنديل (http://www.facebook.com/pages/mmd-lmnsy-qndyl/152552273030?v=info#%21/pages/mmd-lmnsy-qndyl/152552273030?v=wall)


صفحة الكاتب علي ال goodreads

محمد المنسي قنديل (http://www.goodreads.com/author/show/2499187._)

Sir Mohammad Yousry
02-11-2010, 09:12 PM
حيرني هذا البلد !!..فهمنا أنه يمنح خيره دون جهد .. يكفي أن تنثر البذور وتتكفل الأرض الطيبة بالباقي ، ولكن ماذا لو كان هناك من يتربص بالبذر لينبشه والنبت ليقلعه والثمر ليقطفه ؟ .
زمان كان هناك العقاد وأبو زهرة والكواكبي ..ثم جاء من بعدهم محفوظ والغزالي وهيكل ..كان الزمن غير الزمن وكانت مصر بخيرها..واليوم بعد هجمة الفساد المنظمة فسروا لي من فضلكم كيف ومن أين جاء العباقرة الجدد ؟..منهم بالتأكيد هذا الرجل ( محمد المنسي قنديل ) الذي يحمل نصيبا من اسمه ..فهو المنسي وهو القنديل
السبب الحقيقي لكتابة هذا المقال هو التعريف والإشادة بكاتبه ..هذا الرجل يتمتع بلغة عالية - غير مسبوقة- تصل في جمالها إلى حد الزخرفة ..ليست زخرفة التصنع وإنما الأناقة المقصودة لذاتها ..مع محمد المنسي قنديل تشعر أنك أمام لوحة فنية تعتني بالتفاصيل أو مشهد طبيعي طازج الألوان إلى حد مخيف..ومع أناقة الوعاء توجد شجن المحتوى لكاتب من الوزن الثقيل يستحق الإشادة والإعجاب ..
اعتدنا أن ندخر المديح حتى موت مبدعينا حين لا يصبح لمديحنا أي قيمة ، فيما نمارس التجاهل المنظم لهم طيلة حياتهم ..وإذا تذكرنا أن الإبداع الفني بلا مقابل مادي تقريبا فلماذا لا نحذو حذو صلاح جاهين حينما ترنم :
"أنا أحب الشعر في الحلوين
والحلو أقوله يا حلو في عيونه "
....
في كتابه البديع " تفاصيل الشجن في وقائع الزمن " يتوغل في أعماق الزمن العربي ..منذ تلك الزيارة التي قام بها المؤلف لأقدم - وأغرب - المدن اليمنية لم يكف عن الأمل في إمكانية استعادته يوما ..كان الطريق وعرا ومنحدرا وأعي عطل صغير يصيب السيارة يمكن أن يتسبب في سقوطها مهشمة ..وكن الطريق لا يكف عن الامتداد صاعدا إلى قلب السماء ..
المدينة كانت شاهدا حجريا غريبا بعد أن لانت الصخور وتشكلت وأخذت هذا الطابع الإنساني الحميم ..في البداية كانت هناك بوابة حجرية ضخمة منقوش عليها نقوش حميرية غامضة ، وحينما عبر البوابة احتواه عبق المدينة الخاص وعاد قرونا إلى الماضي ، وكأن الصعود الشاق إلى قمة الجبل كان طقوسا لا بد من قطعها للإعداد والتطهر.
تطويع الأحجار لم يتوقف عند حد البناء فهناك هوس غريب بالنقش فوق كل حجر وحول كل باب وفي إطار كل نافذة ..كان الرجال يمضون في صمت وعلى رؤوسهم العمائم الصغيرة وفي خواصرهم الخناجر المقوسة . خناجر عزيزة توارثوها عن الأجداد حتى تحول المقبض من اللون الأسود إلى اللون الكهرماني الأصفر ..الطعام كان بسيطا لبن رائب وعسل وخبز مخبوز لتوه في فرن محفور في قلب الصخر .
المسجد تحفة نادرة تصل النقوش فيها إلى قمة جمالها وغزارتها ..ما أصابه بالذهول هو مشهد الأطفال الجالسين وهم يقرءون في مصاحف كبيرة الحجم مكتوبة بخط اليد على ورق قديم مزينة بماء الذهب ومعطرة بماء الزعفران الذي لم تخف رائحته ..كل مصحف هو مخطوط نادر يحلم أي متحف باقتنائه ..كانوا يقرءون في نفس المصاحف التي توارثوها عن أجدادهم كما يحملون نفس الخناجر ويسكنون نفس البيوت ، وقد تجمد الزمن العربي هناك في وجود نادر
.....................
الزمن يمكن تقسيمه بسهولة على حد رأي الكاتب.. في البدء كان زمان (الفرسان).. فيه القليل من الزاد والكثير من النبل ..بعده بدأ عصر(الملوك) الزاهي والدموي ..أكلوا الأرض وتصارعوا على الفتات ثم جاء زمن (الجلبان) ..عصر المماليك الذين أذلوا الرقاب واستغلوا مناصبهم حتى لم يعد يستنكف السلطان الغوري أن يجلس في السوق لمحاسبة تجار القوافل حتى آخر مليم .
بعدها جاء زمن ( الخصيان) المستمر حتى الآن..خيم علينا ليل طويل قاس فيما كان علماء الغرب يتنافسون في ترويض الطبيعة من أجل الإنسانية ..
.......
يتنقل الكتاب بين الأزمنة..حينما كان الفرسان لا يكفون عن النبل ، والعشاق لا يكفون عن الحب ..مرورا بزمن الحلم الأندلسي وصولا إلى حواري القاهرة المملوكية . اخترت لكم هذه الأسطورة من زمن الفرسان .. فارس اسمه لقمان بن عاد سأل الأقدار الخلود ولكن الإجابة جاءت مخيبة : الخلود محال ولكن يمتد عمرك بقدر ما تعيش سبعة نسور ، كلما هلك نسر أعقبه نسر.
عمره الأول يبدأ مع فرخ وليد فوق القمة الشاهقة ..كان لقمان صلدا كالجبال وعرا كالصخور ..واحدا من القلائل الذين نجوا من قوم عاد ، دانت له اليمن بالطاعة والخضوع .
لم يكن النسر يفارقه ..كان يطير حول رأسه أو يرتاح على كتفه ولا يأكل إلا من يديه ..وكان ولاء قبيلته من حمير كاملا وأعطوه السيادة التي كان يطمح إليها ..نما النسر واستطال ريشه وأصبح يغيب في السموات البعيدة لكنه كان يعود دائما ليأكل من يديه وينام على جدران بيته .
وفي يوم موعود ..اجتمعت قبائل اليمن ليتوجوه ملكا ..وراح هو يقطع اللحم النيئ ليطعم نسره الذي أبتلع قطعتين بدلا من قطعة واحدة ..احتقن وجهه فجأة وطار في الفضاء وهو يهز رأسه بعنف ثم صرخ بصوت متحشرج وهوى مرة واحدة ميتا وقد سكن جسده وتراخت أجنحته .
انسحبت وفود القبائل وحل صمت مطبق وأخذت أصابع لقمان تغوص في الرمال لتحفر قبرا لأول النسور الموتى ..وفي نفس الليلة صعد الجبل ليأخذ فرخ النسر الثاني . عندما بدأ النسر ينمو راح يقص ريشه باستمرار ليمنعه من الطيران ويطيل عمره إلى أقصى حد ..كان وجه لقمان خاليا من التجاعيد وعندما قاد قومه في الغزو كان واثقا من الحياة غير آبه بطعنات السيوف ولا وخرات الرماح ..أصبح رفاق شبابه شيوخا رحل منهم من رحل وأصاب العجز من بقى واحتل مكانهم جيل جديد يشعرون صوبه بالرهبة والإكبار .
وفي إحدى المرات كان الغصن الذي يقف عليه النسر ضعيفا فانكسر وسقط النسر - الذي لم يمارس الطيران قط – فاقد الحياة .
وفي عمق الليل صعد إلى قمة الجبل ليأخذ نسره الثالث ..صمم ألا يعرضه للمخاطرات والمصادفات التعيسة ..صنع له قفصا محكما وخرج إلى الناس به وهو يحمل رمز عمره الجديد ..كانت هذه هي أكثر فترات عمره إحساسا بالأمان ..ماتت زوجته العجوز فتزوج من فتاة شابه تتطلع نحوه بانبهار ..لكن النسر كان يكرهه ..ينظر إلى الجبال بحسرة ويلطم القفص بأجنحته طيلة الليل حتى يدميها ..
في كل معاركه كان ينتصر..وحتى حينما مات آخر أصدقائه كان هذا يعطيه إحساسا غريبا بالتفرد ..وانتشر صيته في قبائل العرب وتحدث الشعراء بمعجزاته ..وحينما جاء موعد سوق عكاظ وحمل قفصه إلى مكة تجمعت حوله الوفود كل يريد أن يرى النسر عن قرب أو يلمسه .. تناقص الهواء واستبد الجنون بالكتلة البشرية فحطموا القفص وانتزعوا ريش النسر تذكارا ، وهو كالمجنون يحاول أن يدفعهم دون جدوى ..ثم هدأت العاصفة بعد أن حدثت الكارثة ولقمان يصيح في حسرة :
- قتلتم نسري ، أضعتم عمري .
.................
وبدأت حياته مع النسر الرابع . قبيلة يهودية استجارت به بعد أن نشرت الكراهية والشقاق والفتنة بين قبائل اليمن الذين صمموا على اجتثاثها ..وكان سلاحهم امرأة جميلة لم ير – بقدر الزمان الذي عاشه – مثل فتنتها ولا شهدت جبال اليمن نجوم تتألق كمثل تلك التي في عينيها ..
تزوجها وصعد بها إلى كهف في قمة الجبل ، وأحبها كما لم يحب امرأة من قبل حتى تمنى أن تقاسمه أعمار النسور .. كانت فجيعته لا توصف حينما شاهدها مع عشيقها فوق فراشه ..راح يضغط بيده – دون وعي - على نسره الرابع ..كان النسر قد سكن في يديه حينما اقتحم المخدع وقتلهما معا ..
عندما نظر إلى صفحة الماء رأى علامات الشيخوخة للمرة الأولى على وجهه ..برغم أنه باق له من النسور ثلاثة فقد كان يعلم أن كل نسر من النسور الماضية أخذ شيئا من هدوء نفسه واستقرار روحه.
للمرة الخامسة يبدأ من جديد ..قاد قومه إلى غزوات جديدة وتزوج امرأة غير جميلة ..غابت وجوه كثيرة وولدت وجوه أكثر ، كلهم عاشوا في ظل أسطورته ..والنسر يكبر دون أن يعكر صفوه حادث ..هذه المرة لم يأخذ أي حيطة من أي نوع ولأول مرة يصل نسره إلى مرحلة الهرم.. وبدأ الزمان يمر ببطء قاتل عليهما وهما يجلسان سويا تحت السماء ساكنين ، يراقبان العصافير والطيور الصغيرة .
حينما تحرك النسر العجوز تصور لقمان أنه سيحاول الطيران ..لكن تبين له أنه يمضي عامدا إلى حافة الجبل ..حاول أن يلحق به ولكن النسر كان أسرع ..ألقى بنفسه من فوق الحافة العالية لتمزق الصخور الحادة جسده.
لم يأت أحد لتعزيته ولم تأبه الأجيال الجديدة لمصابه ..ما جدوى أن يعيش فرد واحد كل هذه السنوات ؟ ..عندما صعد لنسره السادس كان ما زال قادرا على الحركة ولكنه لم يكن يعرف هل تدين اليمن له بالولاء أم لا !! ..وعندما صحبهم في الغزو ظل في المؤخرة ، لم تعد يده تقوى على مسك سيف أو حمل رمح .عاش النسر السادس طويلا ..تساقط ريشه وتغضن بدنه وانزوى في كهف بعيد ، وظل لقمان يبحث عنه حتى وجده ميتا قارب على التعفن ..
تعب كثيرا حتى استطاع الوصول إلى فرخه السابع والأخير.. الناس لا تعرفه ..القبائل غير القبائل ، واليمن غير اليمن ولا امرأة واحدة قبلت الزواج به ..وحينما شاهد شابا يرتدي تاج الذهب الخالص وقالوا أنه الملك ، صاح في استنكار : ولكنني ملك اليمن !!..انفجر الموجودون في الضحك ووضعوا على كتفيه عباءة قديمة وفوق رأسه قشرة بطيخ وأوسعوه سخرية واستهزاء ..فأسرع بمغادرة السوق والصعود إلى الجبل .
ظل وحيدا حتى اليوم التالي ..جاء النسر وربض بجانبه ..أخذا يطلان سويا على المدينة البعيدة والأقوام العديدين ..تحسس ريش النسر الذي يوشك على التساقط ..عليلا متعبا مثله ..كيف تحمل كل هذه السنوات والتجارب .؟ كل تجعيدة هي حفرة من ألم ..ونبش من تجربة ..وعلام يمتد كل هذا العناء بلا فائدة .؟ ..كانت أصابعه تلتف حول عنق النسر ، والنسر مستكين مستسلم ..الشمس تغرب وكأنها تختنق ..لم يصرخ النسر وإنما كان راضيا وهو يواصل الضغط ..
.....................
تنتهي الأسطورة ولا ينتهي الكتاب الذي غاص في ثنايا التاريخ العربي المثقل بلحظات التوهج ولحظات الانكسار محاولا أن يلهمنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يأتي غروب الختام

Sir Mohammad Yousry
02-11-2010, 09:12 PM
محمد المنسي قنديل.. الساحر!






http://boswetol.net/aldiwan/images/244/kasakes_08.jpg




كانت بداية معرفتي به في تحقيق نُشر بمجلة العربي الكويتية.


بُهرت بكمية المعلومات التي تدلّ على اطّلاع غزير، وفي نفس الوقت تُقدم بقلم عاشق، وكأنه شاهد عيان رأى الحدث، وكتبه بقلمه للأجيال القادمة!


أنت الآن أمام كاتب مصري من طراز خاص، من ذات الحديقة التي خرج منها "محمد المخزنجي" و"سعيد الكفراوي"، "جار النبي الحلو" وهو جيل السبعينيات الذي حفر في الصخر من أجل تشكيل الوعي، والرؤية الخاصة المتعلقة بالماضي والحاضر، واستشراف المستقبل، لكن يتبقى لكاتبنا طابعه المتميز، وبصمته التي لا تُمحى، فبالإضافة لكونه قصاصا من الطراز الأول، وروائيا فذا يأخذ الألباب بسلاسة لغته، حتى ليمكن تشبيهه بصائغ الذهب الذي يقوم بتنقية ذلك المعدن النفيس من الشوائب بوضعه على النار حتى يخرج منه الخبث، ويبقى منه الخالص!


إلا أن له -كما أرى- ميزتين كبيرتين، تجعلانه يتصدر أدباء عصره:


الأولى: مشروعه الكبير باستنهاض التراث العربي في كتاباته، ولكن بطريقة قصصية مدهشة، تشبه تيار الوعي من حيث التركيز على الأفكار!


فالحدث هنا له طول وعرض وارتفاع، ويضرب في عمق الزمن، وتكاد تسمع صوته ورنينه بشكل واضح!




http://boswetol.net/aldiwan/images/244/kasakes_04.jpg



وبرغم أن إنتاجه في هذا المجال قليل -لا يتجاوز الثلاث كتب- إلا أنك تلمح كياناً متكاملاً يهتم بالتراث العربي، وينسج خيوطه بشكل بارع، بحيث تدرك هنا أن الحدث لا يُروى لمجرد روايته فحسب، بل له مغزى، وتكون المتعة الكبرى بأن يُنسج الحديث بأحداث أخرى تُضفّر معه لتصنع منظومة مشجية ومؤسية. لابد أنه عانى كثيراً من أجل أن يُحقق هذا، وهو ما فعله بالفعل في العديد من كتبه.



نرى هذا في كتبه: (تفاصيل الشجن في وقائع الزمن)، و(شخصيات حية من الأغاني)، و(وقائع عربية).




الميزة الأخرى: اهتمامه الفائق بالأطفال، وهو هنا يشبه كاتباً عظيماً هو الأستاذ "أحمد بهجت"، وإن اختلفت رؤية كل واحد منهما؛ حيث ينظر أحدهما من زاوية المؤرخ الشاعر، بينما الثاني من نظرة الفيلسوف الصوفي.




http://boswetol.net/aldiwan/images/244/kasakes_07.jpg


لابد أنك قرأت للرجل في مرحلة ما من حياتك وأنت صبي في مجلات علاء الدين وماجد، ولابد أنك مررت على قصص أبي الظرفاء، والنقيب خلفان والمساعد فهمان، وستلمح فيها حرفية كاتب السيناريو القدير، وهو قد تحقق بالفعل له في بعض الأعمال، وإن لم يُرسّخ قدميه فيها كما فعل في مجالات أخرى.



***




http://boswetol.net/aldiwan/images/244/kasakes_05.jpg


وُلد الكاتب "محمد المنسي قنديل" في مدينة المحلة الكبرى سنة 1949، أي قبل الثورة بسنوات قليلة.. ذلك الحدث الذي سيتناوله باستفاضة في روايته "انكسار الروح"، حيث يتحدث عن جيل الثورة وأحلامه الوردية، قبل أن تتحطم على صخرة النكسة عام 1967، وكأنه يعارض بها رواية "توفيق الحكيم" (عودة الروح)!




تخرّج في كلية طب المنصورة، ونال جائزة نادي القصة عام 1970 ثم جائزة الدولة التشجيعية عن مجموعة "من قتل مريم الصافي" عام 1988، وهو نفس العام الذي نال فيه "نجيب محفوظ" جائزة نوبل في الأدب.


أعماله قليلة نسبياً، وهي تتنوع بين المجموعات القصصية، والروايات، وأعماله للأطفال، واهتمامه بالتاريخ.



لا نعرف السر الذي يجعل الأطباء يبرعون في الأدب! هناك نماذج كثيرة متناثرة هنا وهناك عن أطباء تركوا الطب ومزاولته، وخاضوا غمار الكلمة.



ستجد في قصة (أغنية المشرحة الخالية) طالب الطب، حيث الحديث عن الأحلام والانكسارات، والغوص في أعماق النفس البشرية بكل تجلياتها وتناقضاتها. من ضمن مجموعاته القصصية القليلة (من قتل مريم الصافي؟) - (احتضار قط عجوز) – (بيع نفس بشرية). ومن رواياته (قمر على سمرقند) و(انكسار الروح). ناهيك عن عشرات المقالات الأخرى التي تهتم بالكثير من الموضوعات، والتي نُشرت في مجلات متعددة.


***




http://boswetol.net/aldiwan/images/244/kasakes_06.jpg


في رواية "قمر على سمرقند" رحلة لبطل الرواية إلى دولة في آسيا الوسطى بحثاً عن أجوبة لأسئلته الملحّة، وبسبب تعرفه على سائق يُدعى "نور الله" يخوض بنا الروائي في تاريخ تلك الدولة، وتاريخ جيرانها، متنقلاً بسلاسة مدهشة بين الماضي والحاضر، ناسجاً الكثير من التفاصيل والأساطير بشكل يجعلك تنسى نفسك وأنت تسترسل مع الأحداث.




كان من حسن الحظ أن الرحلات التي أتاحتها مجلة العربي الكويتية للدكتور "محمد المنسي قنديل" في ربوع الأرض جعلته يتعرف على تلك الدول المطمورة في تراب النسيان بالنسبة للقارئ العربي، مما يجعله يشمّر عن ساعديه وينقب بدأب وجهد يُحسد عليهما، وكان من ضمن تلك الدول: أوزبكستان.




نلمح في كتابات الرجل اهتمامه الفائق بالطبيعة البشرية، من حيث قبولها لكل المتناقضات. إنه يتعامل مع الإنسان ككتلة واحدة تقبل الخير والشر، وهو يلعب على تيمة الصراع بين الشقين.. هناك من يقبل وجودهما فيريح ويستريح، وهناك من يصارع حتى يستقر على أحدهما، وهو ما يحاول كاتبنا إبرازه بشدة.



في الرواية السابق ذكرها نلمح تاريخاً مرعباً لشخصية السائق، فبرغم أنه طالب علم، إلا أنه يسقط كثيراً في مهاوي الخطيئة، ويعمل كجاسوس على أحبائه لحساب السلطات الروسية، برغم كراهيته لهذا، ومحاولته أن ينقذ ما يمكن إنقاذه. والأمر يتكرر في بقية أعماله من روايات وقصص قصيرة.



***




http://boswetol.net/aldiwan/images/244/kasakes_03.jpg


في كتابه "عظماء في طفولتهم" ينتقل بنا الدكتور "محمد المنسي قنديل" في التاريخ.. يتحدث لنا عن شخصيات نعرفها جيداً، أو حتى سمعنا عنها على الأقل، وكيف كانت طفولتها دلالة لا تقبل الشكّ عن مستقبل مزهر وعبقري.




إنه يتحدث عن "الحسن بن الهيثم" و"العقاد" و"جابر بن حيان" وغيرهم برهافة شديدة، تجعلك تدخل المكتبة، وتنقب عن مؤلفاتهم وأعمالهم.



أحسب أن هذه هي ميزة "محمد المنسي قنديل" الكبرى في كتاباته؛ أنه يندمج مع الشخصية، ويعيش معها، ويستجليها، ويتنفس معها، ويرقبها بعشق الرجل العطوف الذي يدرك جيداً ضعف النفس البشرية وهشاشتها، والأمر يتكرر مع الشخصيات الحقيقية الموجودة بالفعل في كتب التاريخ، ومع الشخصيات الخيالية التي يفرزها من مشاهداته، ومشاعره.. احترامه لكليهما واحد!

Sir Mohammad Yousry
02-11-2010, 09:13 PM
حــوار للدكتور محمد مع ا.عبد الله السمطي


سُرقت روايتان مخطوطتان من مكتبه ويحاول كتابة أحداثهما من جديد


محمد المنسي قنديل:

فوارق كبيرة بيننا وبين جيل الستينيات ونحن جيل الهزائم الكبيرة عبدالمجيد وعبده جبير والورداني وأنا تشكلت تجاربنا بعد نكسة 1967م






* كيف مهد جيل كتّاب الستينيات في الرواية والقصة المصرية لتجربتكم في السبعينيات؟.



تنبع أهمية جيل الستينيات من انه كان يمثل نقلة نوعية في الكتابة المصرية، وهذه نقطة لا يمكن ان ننكرها، حيث كان هناك ظرف عالمي ساعد على هذا الأمر، فالستينيات كانت حقبة حاشدة بالتغيرات في اللغة الأدبية وفي التوجهات السياسية، وفي النظر الى الآخر، والمستويات القديمة والتقاليد السائدة، وبدأت أصوات الشباب تنقد كل ما هو موجود.


في السبعينيات انحصرت "هوجة" الستينيات بعض الشيء، وبدأ البناء العاقل الرزين على التحول الذي أحرزه جيل الستينيات، كما أننا كنا جيلاً حزيناً لأننا كنا خارجين من أعقاب نكسبة 1967م، وهذه النكسة صنعت فينا ما يشبه "الاكتئاب الجماعي".



حدثت تحولات مهمة لدى جيل الستينيات فما هي أبرز الفروق بين جيلك وجيلهم، ولماذا اتجهت الحالة لديهم للكتابة السياسية؟؟.



هذه حالة تصيب الشعوب دائماً بعد الهزائم، وتتجسد خاصة في آدابها، فافتقد أدب الستينيات الكثير جدا من ملامح السخرية التي كنا نراها عند الأجيال السابقة، كما ان تجربته انطبعت بنوع من الانكسار والهزيمة على أثر ما عايشه في تلك الفترة.


وأذكر انني بدأت حياتي في تلك الفترة عندما كنت طالباً في كلية الطب كانت لي تجارب كثيرة غير ناضجة، ولكن قصصي الحقيقية عرفت في بداية دراستي الجامعية عندما تقدمت بقصة قصيرة اسمها "المشرحة الخالية" في مسابقة نادي القصة وفازت بالجائزة الأولى عام 1970م، وفزت بجائزة في العام نفسه من الثقافة الجماهيرية بقصة بعنوان "الموت في بر مصر". من هذه اللحظة بدأ التأسيس لكتابتي الشخصية وأيضا كتابات جيلي بوجه عام، وبدأنا نتعرف على بعضنا البعض، وتتوثق عرانا عبر الكثير من المطبوعات التي كانت تصدر في تلك الفترة، وكان أبرزها ملحق: "الطليعة الأدبية" وكانت مجلة أدبية متقدمة، ولأنهم حاولوا ان يخففوا ضغط الحدة السياسية التي تتضمنها قرروا ان يخصصوا ملحقاً للأدب بشكل عام، وقد أشرف على ذلك الملحق د. غالي شكري أولاً، وبعد رحيله الى باريس تولاه فاروق عبدالقادر، وكان في هذه الفترة حريصاً على أن يلتقط الأصوات الجديدة ويقوم بعمل ملفات عن القصة القصيرة المصرية، وأعتقد من أحد هذه الملفات برزت معظم أسماء جيل السبعينيات فيما بعد أنا وابراهيم عبدالمجيد، وسعيد الكفراوي ويوسف أبو رية ومحمود الورداني وعبده جبير، والعديد من الأسماء التي لا تحضرني الآن.



الفروق بين جيل الستينيات والسبعينيات ليست كثيرة، وليست ضئيلة أيضا، نحن ولدنا من فاجعة كبيرة هزت كياننا وهي نكسة 1967م، ولذلك كثير من الأدوات الحداثية التي استخدموها لم نستخدمها نحن لأن لدينا هدفاً قاسياً ومحدداً، وكانت الكتابة عندنا أشبه بتضميد جرح عميق.



في روايتك .. "انكسار الروح" هناك نوع من الكتابة الأسيانة الشفيفة التي ترصد أزمنة التحول الاجتماعي، لكن مع عدم وجود تفاؤل بالمستقبل هل هي نظرة "الكآبة" تهيمن على كتاباتك؟.



أنا كتبت الرواية عن جيلنا وتطور مرحله، مسيرة جيلنا في الواقع لا توحي بتفاؤل كثير، لأننا نحن جيل الأحلام العظيمة والهزائم الكبيرة، وعشنا عصراً مضطرباً في كل الأحداث، والرواية نفسها تؤرخ لهذا الجيل.


نجيب محفوظ أرّخ لجيل ثورة 1919م، وفي روايتي "انكسار الروح" أؤرخ للفترة من 1952م الى ما بعد 1973م وكثير ممن قرأوا الرواية تأثروا بها لأنها لم تكن مؤلفة بل تروي مسيرة جيل، كيف تخرجنا وحلمنا بالقومية العربية ورأينا في جمال عبدالناصر البطل الذي لا يُهزم، ثم كيف رأينا هذه الأحلام العظيمة تتحول الى هزائم كبرى، ومررنا بالشتات ودخلنا التعليم الجامعي وأرواحنا منكسرة وهذا الانكسار الروحي انعكس على نظرتنا للحياة وعلى حب الآخرين وعلى العشق وكل مراحل الحياة، فالتفاؤل هنا لم يكن له مكان، لأن جيلنا رأى كثيراً من التناقضات من أعلى السحاب الى أسفل الأرض.


في السنوات الأخيرة راجت الرواية الى حد ما، وأصدرت أجيال كثيرة زخمها الروائي، أين المنسي قنديل من هذا الرواج؟



مررت بفترة من فترات الجفاف في حياتي، وهي فترة أتأسف عليها جدا، وآخر كتاب أصدرته سنة 1993م بعنوان "آدم من طين" عن دار سعاد الصباح، وكان يتضمن ثلاث قصص قصيرة، ورواية قصيرة، وهذا هو الشكل الذي أهواه، بعد ذلك مرت فترة طويلة من الصمت، وأصدرت بعدها مجموعة قصصية بعنوان "عشاء برفقة عائشة" واستكملت إصدار الكتب التي كتبتها عن التراث، حيث كتبت العديد من القصص التراثية أنتجت منها ثلاثة كتب حتى الآن تحمل عناوين "وقائع عربية" و"شخصيات حية من الأغاني" و"الشجن في وقائع الزمن".



في هذه الفترة تعرضت لحادثة غريبة جدا، من النادر ان يتعرض لها الروائيون، حيث كتبت روايتين مخطوطتين، ومن شدة حرصي عليهما خفت أن أحتفظ بهما في منزلي، فأخذتهم في مكتبي حيث أعمل في مجلة "العربي" لكن سُرق هذان المخطوطان، ولا أعرف من سرقهما حتى الآن..


وكيف أثرت هذه السرقة عليك وعلى مشروعك الكتابي؟.


كانت كارثة كبيرة جدا بالنسبة لي، لأنني أمضيت فترة كبيرة في كتابتهما، فقررت أن أكتب النسخة الأولى بخط يدي ثم أكتبها على الكومبيوتر، لكن سرقة الروايتين المخطوطتين مثلت لي صدمة عنيفة جدا، ظللت بعدها عاجزاً عن الكتابة لمدة عام تقريباً، لكن أخذت ما تبقى من مسودات وأعدت الكتابة مرة أخرى وهذا الأمر أخذ مني جهداً كبيراً وغيرت الأحداث التي كتبتها قبل ذلك ومن الصعب تأليف رواية مرتين.


وانتهيت من كتابة واحدة من الروايتين، وأقوم الآن بالكتابة النهائية لها، وهي بعنوان "قمر على سمرقند"، وهي من وحي رحلة قمت بها الى جمهوريات وسط آسيا، وشاهدت المدن الإسلامية الكبرى هناك مثل: بخارى وسمرقند وطشقند وغيرها، والرواية تدور في أرض جديدة بالنسبة للرواية العربية.


أجريت عدداً كبيراً من الاستطلاعات التي نشرت بمجلة "العربي".. هل أثرت في أعمالك وكيف استثمرتها؟..



روايتي الضائعة الأخرى كانت بعنوان "أسفار" وهي نوع من التجليات، حيث أذهب لبلدان كثيرة، في كل بلد أنتج قصة عن هذا البلد، والشخصية واحدة تتكرر في كل الحكايات، وتكتسب أبعاداً ثقافية متحولة، وقد نشرت منها فصلين، وأتمنى أن أعيد كتابة ما فقدته منها..



كيف قيّم النقاد تجربتك السردية، لقد قرأنا دراسات كثيرة عنك فترة ثمانينيات القرن العشرين لكنها خفتت مؤخراً؟.



بالطبع خفتت الكتابات النقدية عني بسبب سفري الى الكويت، لكنني أعتقد أنني محظوظ في النقد خاصة في رواية "انكسار الروح" وعاشت الرواية كثيراً، وحتى الآن ترد إليّ أسئلة خاصة برسائل جامعية ممن يكتبون عن التحول الاجتماعي في مصر، فهذه الرواية تؤخذ كأحد الشواهد على هذا التحول.


لكن هناك جانبان مجهولان جدا لم يلتفت لهما النقاد حتى الآن، وهما جانب: كتابة الأطفال، وقد كتبت في هذا المجال كثيراً، وفزت بعدة جوائز، وكتبت كثيراً عن التراث، أنا أحلم أن أنشئ موقعاً على الإنترنت أجمع فيه كل أعمالي ومنها سيناريوهات الأفلام السينمائية التي أعددتها أيضا، حتى تكون هناك رؤية كاملة لمن يريد أن يدرس إنتاجي..



تحولات كثيرة جذرية في مشهد الأدب العربي اليوم .. كيف ترى هذه التحولات؟


هناك حالة مدهشة تحدث في كل أمة، ويبدو ان السلطات القوية عندما تخف عن الناس يبدأون في القول. وكثير من الروائيين يأخذون أقنعة متعددة من الحداثة أو التراث، لكن الصوت الروائي الآن أوضح بخلاف مرحلة الستينيات حيث كانت الرواية "تغلّف" بالعديد من الرموز والأقنعة بسبب قوة الأنظمة وبطشها، وهذا ما حدث في روايات نجيب محفوظ في مراحله الأخيرة.


النقد السياسي في الرواية اليوم أصبح أكثر وضوحاً، والمشكلة ان القارئ لم يعد يدعم الكاتب بشكل أو بآخر لأن هناك وسائط أخرى باعدت بين الكتاب وبين القارئ.

Sir Mohammad Yousry
02-11-2010, 09:13 PM
محمد المنسى قنديل يستعد لإصدار روايته الجديدة: جيلنا تواطأ مع الأنظمة الفاسدة


عاد الكاتب محمد المنسى قنديل بعد سنوات من الغياب عن الساحة الأدبية المصرية برواية «يوم غائم فى البر الغربى» التى تصدر قريبا عن «دار الشروق»، ورسم فيها مصر فى بدايات القرن التاسع عشر.
اختار قنديل هذه الفترة التاريخية بدقة، إذ قال: «نحن كمصريين كنا طوال الوقت مجرد أرقام عبثية، فيقال مثلا إن مائة ألف مصرى ماتوا فى حفر قناة السويس، وأودت الكوليرا بحياة ٣٠٠ ألف مصرى لأننا لم نكن سوى أرقام. لكن فى مطلع القرن التاسع عشر حاول الناس أن يبدوا كذوات متفردة وليسوا مجرد أرقام، وفى هذه الفترة بدأ البحث عن جذور الشخصية المصرية وبدأت الهوية القومية فى الظهور».
تخلقت موهبة القاص والروائى محمد المنسى قنديل (١٩٤٩) فى فترة نهاية الستينيات، وسرعان ما لمعت مبكرا، إذ نالت مجموعته القصصية «أغنية المشرحة الخالية» جائزة القصة عام ١٩٧٠ ومجموعته «سعفان مات» جائزة الثقافة الجماهيرية، وهو لايزال طالبا يدرس الطب بجامعة المنصورة، وما لبث أن اتبع قلمه فتخلى تماما عن الطب فى أوائل الثمانينيات وتفرغ للكتابة الصحفية والأدبية، بعد أن نشر أول أعماله «من قتل مريم الصافى» عام ١٩٨٣.
غادر المنسى قنديل مصر عام ١٩٩٣ ليبدأ أسفاره، التى أنتجت سلسلة من الكتابات عن رحلاته تعد واحدة من أبرز سلاسل أدب الرحلات المعاصر، وتحمل عودة قنديل إلى مصر الكثير من الاعترافات التى ظلت حبيسة بداخله طوال فترة غيابه.
فإلى نص الحوار:

■ قلت إن المصريين طوال الوقت كانوا أرقاما بلا قيمة فكيف تراهم الآن؟
- مع الاسف عدنا أرقاما، فهذه الفترة التى رصدتها فى روايتى كانت قصيرة جدا، وعلى سبيل المثال صرنا أرقاما تموت فى العبارات وانهيارات الصخور، وحوادث الطرق، وبتسمم الأطعمة، لأننا فقدنا الفترة النادرة فى حياتنا التى حاولنا فيها أن نكون ذوات متفردة.
لأن حكامنا أصبحوا يتعاملون معنا باعتبار أننا عالة لا يخفون ضيقهم منها، فنحن المخطئون لأننا نتكاثر ونمرض ونموت..
أشعر أن كل مظاهر الاهمال التى تعم مصر محاولة لتقليص الشعب المصرى والتخلص منه.
■ غيابك لمدة طويلة عن مصر جعلك تشعر بالصدمة حيال ما يحدث الان؟
- أنا ابتعدت عن مصر لكنى لم أنقطع يوما، وهذا البعد جعلنى أتخفف من التفاصيل اليومية، وبالتالى لم أعتد عليها وبذلك كانت المفاجأة قاسية لدى العودة.
من يعيش فى مصر مرغم على التعايش مع المهالك كل يوم، فهو فى حرب دائما، فقد أوصل الحكام الشعب المصرى إلى المكافحة للإبقاء على ذواتهم أحياء لا يهم بأى طريقة ولا ما هو مصيرهم.
أما نحن فى الخارج كالهاربين من الخدمة العسكرية، عدنا فوجدنا الحرب مشتعلة.
■ بالكلام عن الهرب، عادة ما يتهم جيلكم بالتخاذل عن الدفاع عن الحياة الثقافية فى مصر، الأمر الذى أدى إلى تدهور سريع وبلا مقاومة، ما رأيك فى هذه المقولة؟
- من يقول ذلك محقا إلى حد ما، فنحن أبناء المرحلة الناصرية حين جاء الارتداد على الناصرية لم نستطع أن نغفر لها أخطاءها الكبرى، ومنها الهزيمة، وأنها دهست الديمقراطية، وأن معتقلاتها تحولت لأماكن للتعذيب، وحين جاء من انقلبوا على عبدالناصر وهاجموا إنجازاته لم نحسن الدفاع عنه، وتركنا الناصرية فريسة لهم.
كنا نظن أنهم يشاركونا الغضب، لكن الحقيقة أنهم طمعوا فى الميراث والمكاسب التى حققتها الناصرية وصنعها الشعب المصرى، وباعوها لصالحهم.
وكانت لحظة الغضب تلك التى سمحت بتصفية ثورة ٢٣ يوليو، وحين أفقنا من تلك الخطيئة اكتشفنا أن الخسارة باتت فادحة، ومن الصعب التعايش معها، فهرب البعض وزهد البعض، وبشكل أو بآخر شاركنا التواطؤ مع هذه الأنظمة الفاسدة كل بطريقته.
■ سيطرت على كل أعمالك حالة انكسار ألا ترى فى الواقع المصرى بادرة أمل واحدة؟
- لا توجد ثورة فى مصر تكتمل، فعادة لا تسفر الثورات فى مصر عن تغيير ملموس، فتترك الأنظمة حتى تتفسخ وتتحلل وتموت دون وقفة للمراجعة، فنحن لا نصل لما يعرف فى الرواية بنقطة التحول.
نحن أميل لتعايش المتناقضات مع بعضها البعض حتى تتفسخ فى وقت واحد.
■ كيف أثر هذا الغياب الطويل عن مصر على مشروعك الأدبى، بالسلب أم بالإيجاب؟
- بالسلب إلى حد كبير، لأننى أشعر بأنى هارب من التجربة والتحدى اليومى فى مصر، فهنا لابد أن يدافع المرء عن نفسه بالكتابة أو الفعل أو أى شىء، أما السفر فيجعلك مرتاحا من عبء التفاصيل.
لكن فى الوقت نفسه تخسر معظم المثيرات التى تدفعك للكتابة، ومن الصعب أن تكتب اعتمادا على الصورة التى تنقلها لك السينما والتليفزيون والتوك شو.
فإما أن تكتب من وحى تجاربك، أو أن تعود للتاريخ وقد لجأت للحيلتين، وكنت أتمنى أن أمكث فى القاهرة وأن أكتب عنها.
■ قدمت فى «قمر على سمرقند» نموذجا لأدب الرحلات المعاصر، فهل يشغلك مشروعا يخص هذا النوع الأدبى؟
- نجيب محفوظ استنفد معظم مفردات الكتابة المحلية وخرج من بعده جيل يكتب بنفس شروطه والمساحة الجغرافية التى كتب فيها نجيب محفوظ بل اكتسبوا مفرداته التى خلقها لنفسه.
من فترة خرجت كثير من الكتابات تحاول توسيع رقعة الرواية العربية، فخرجت على الزمن المحفوظى، وأذكر منها رواية بهاء طاهر فى «خالتى صفية والدير» وإبراهيم عبدالمجيد فى «لا أحد ينام فى الإسكندرية» وحتى يوسف زيدان وروايته «عزازيل»، ورواية الرحلات إحدى المحاولات لتوسيع رقعة الرواية العربية.
■ أشيع عن طبعة الهلال لرواية «قمر على سمرقند» أنه تم حذف أجزاء منها فهل هذا صحيح؟
- تدخلت الهلال وحذفت كل ما يخص السياسة وهو حوالى ثلث الرواية.
وحين أرادت الجامعة الأمريكية ترجمة النص المنقوص رفضت، ورفضوا ترجمة النسخة الكاملة دون أن تنشر، فنشرتها بدار ميريت، ثم ترجمت.
وقد قررت بعد هذه الحادثة ألا أتعامل مع دار الهلال، فالمسؤولون عن النشر فى الأجهزة الحكومية ضيقو الأفق، ومن قام بالحذف فى روايتى ارتكب جريمة فى حق دار الهلال العريقة، وفى حق الأدب المعاصر لأنه أقام نفسه رقيبا عليه. وهؤلاء للأسف لا يحاسبوا، فهناك الكثير من القراء قرأوا الرواية فى طبعتها المختصرة.
■ الكتابة الأدبية تذهب الآن فى اتجاه اللغة التلغرافية الصارمة لكنك تصر على الكتابة بنفس اللغة الأدبية الكلاسيكية؟
- مثلى الأعلى فى الكتابة طه حسين، فأنا أحب الغنائية فى كتاباته، وقدرته أن يصف الشىء الواحد فى ثلاث جمل.
أنا لا أشعر بأنى أبذل جهدا كبيرا فى اللغة، لكنى يؤسفنى أن أجد كتابا ينحطون باللغة العربية، ويعاملون الأدب كنشرة الأخبار ويحولون العامية إلى الفصحى.
أنا لا أحب اللغة السائدة فى الصحافة العربية، فعلى الأقل لابد أن نحافظ على القوام الأساسى فى الصحف، أما الأدب فيجب أن تكون اللغة فيه بكامل بهائها.
■ رغم ندرة أعمالك الأدبية فإن لديك جمهورا خفيا من الشباب تربوا على كتاباتك للأطفال، فهل كان هذا الجمهور سببا لاختيارك لدار نشر شابة مهتمة بأدب الجيب؟
- هذا الجمهور أتعامل معه منذ ٢٥ عاما حيث بدأت الكتابة لمجلة ماجد والعربى الصغير وعلاء الدين.
هذا الجمهور صامت، لم أكن أعتقد أنهم يهتمون بالمؤلف، لكنى أشعر بأن هذه الكتابة أثمرت فمن بدأت الكتابة لهم فى عام ١٩٨٥ كبروا الآن وأدركونى ويلاحقون باقى أعمالى.
■ لذا اخترت دار نشر شابة - دار ليلى - مهتمة بأدب الجيب والمغامرات لإعادة نشر كتابك «وقائع عربية»؟
- أشعر بأن الشباب أعادوا اكتشافى، وأشعر بأن مبادرة دار ليلى جزء من هذا الاتجاه نحوى، لكنى اخترت الدار لأنها حققت لى رغبة دفينة فى أعماقى، فأنا لدى ثلاث مجموعات قصصية تتخذ من التاريخ مسرحا لها، نشرت بشكل متفرق، وكنت أحلم بطبعها فى سلسلة لها نفس الشكل وكأنها عمل واحد على أجزاء.
■ قبل أيام صرح الكاتب خيرى شلبى بأن غزارة الإنتاج جزء مهم من موهبة الكاتب، ألا يشغلك غزارة الإنتاج؟
- أتفق معه تماما، رغم أنى لم أستطع تحقيق ذلك، فأنا أخون الرواية كثيرا، فأنا كاتب يتبع نزواته، ومن المفترض أن أكون مخلصا لشكل واحد، وهذا أحد أخطائى الجسيمة.
■ هل تشعر بأن التكريم تأخر عنك بسبب غيابك؟
- ما نلت من جوائز وتكريمات كان بمقدار عملى، فلم يتجاهلنى أحد كذلك لم يبالغ فى تقديرى.
■ لكنك عادة ما تذكر ككاتب مهضوم بين أبناء جيلك، فهل يسيطر عليك هذا الشعور؟
- لا أشعر بأنى مهضوم، أنا مقصر فى العمل على مشروعى الروائى.

Sir Mohammad Yousry
02-11-2010, 09:23 PM
اعمال محمد المنسي قنديل و كيفيه الوصول اليها

انكسار الروح موجوده دار هلال و ب 3 جنيه ( روايه )
تفاصيل الشجن في وقائع الزمن برده موجوده دار هلال و بحوالي 5 جنيه ( كتاب )
وقائع عربيه - دار ليلي - 25 جنيه ( كتاب )
عشاء برفقة عائشه - ميريت - 25 جنيه ( مجموعه قصصيه )
يوم غائم في البر الغربي - دار الشروق - 60 جنيه و ب 45 بعد الخصم بمناسبة المعرض ( روايه )
قمر علي سمرقند اللي موجوده في الهلال مش كامله و محذوف منها كتير حسب كلام الدكتور و من المنتظر انها تصدر عن الشروق قريبا

malek el masry
02-11-2010, 10:59 PM
فيلم ايس كريم في جليم ماخوذ عن قصة له

The lion king
02-11-2010, 11:27 PM
انت من كتر كلام عنه يا محمد شوقتنى انى اقرا عنه
بس بصراحه مقلق عشان هو ذوقك:p:p:lol::lol:

syd barrett
02-11-2010, 11:45 PM
:-x:-x:-x

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 01:58 AM
انت من كتر كلام عنه يا محمد شوقتنى انى اقرا عنه
بس بصراحه مقلق عشان هو ذوقك:p:p:lol::lol:
:$:$:$
علي فكره انا بيقولو ان ذوقي في الكتب و الاغاني حلو
بص فكك من حوار الافكار و اني بكره شحاته
بس فعلا مش حتندم عليه
انزل الهلال و اشتري انكسار الروح رخصيه و مش كبيره و مش حتندم عليها

و بعدين انا بشجع الاهلي يبقي ازاي ذوقي وحش:lol::lol:

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 01:59 AM
فيلم ايس كريم في جليم ماخوذ عن قصة له
مش عارف القصه ليه و لا السيناريو
انا شبه مش متذكر الفيلم لاني مش بحب سيمون ولا تمثيل عمرو و مشفتش الفيلم من اواخر التسعينات
و انا في 5 ابتدائي:lol::lol:

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 02:24 AM
محمد المنسي قنديل.. مرآة الأسلاف
محمد رياض (http://dostor.org/taxonomy/term/627)

ليس أصل الحكاية هو ترشح محمد المنسي قنديل في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية.
وليس أصل الحكاية أن الكاتب الذي لم يكن يوماً منسياً أصبح معتمداً لدي القارئ العادي، لا القارئ النخبوي الذي يتجه نحو الانقراض بخطي ثابتة ودأب وإصرار بالغين.
الجميع الآن يسأل عن المنسي قنديل.. يطارد روايته «يوم غائم في البر الغربي».. والرواية تختفي تحت ضغط الشبق الشعبي للقراءة وتنفد لدي باعة الكتب ربما لأول مرة في حياة الأدب المعاصر باستثناءات قليلة جداً.
وليس أصل الحكاية مجدداً أنه صاحب أحد أنصع الأساليب العربية علي الإطلاق، فالمنسي قنديل - سيد الجمل القصيرة الموحية - دون منازع، قامة فنية باذخة من قديم، ولن تضيف إليه «البوكر» سوي المزيد من عشاقه والمفتونين بفنه الرفيع وبساطته الآسرة.
أصل الحكاية يعود إلي سنوات الدهشة الأولي وعتبات البداية.
كنا صغاراً.. وكان المنسي قنديل جزءاً من صبانا الأول وغرامنا الشفيق بعالم الأدب وبواكير المغامرة الإبداعية، كانت كتابات الرجل تنفذ مباشرة إلي أرواحنا الصغيرة، فترتجف من هجوم السحر وجرأة المسير في المتاهات الغامضة.
أتحدث هنا بالأساس عن كتابه الرائع «شخصيات حية من الأغاني».. ولا أعلم حتي الآن هل امتلك روائي واحد غير المنسي قنديل جرأة الخوض بهذه البراعة في متاهات الصحراء العربية المترعة بقصص الجنون والحب والرحيل الذي لا ينتهي أبداً، أتذكر: أحزان الملك الضليل - امرؤ القيس، نائلة.. إنهم يقتلون الإمام، الشراك منصوبة للشعراء.. ديك الجن، من يملك الكون الرحب، عودة ابن الورد، نصيب الشعراء من العالم.. كثير عزة.. إنها بعض فصول الملحمة الرائعة عن عذابات الأسلاف وجنونهم وحكايات العشق والقتل والغياب والموت، كان المنسي قنديل السليل الأوفي لكل هؤلاء الكبار، كان يتحدث بلسانهم ويلبس تجاربهم كاملة ثم يسير بها في أفق العالم، كان المنسي قنديل يقول: إليكم سيرتي، فأنا أحمل كل هؤلاء الموتي في داخلي، وكلهم سافروا في دمائي منذ أزمان بعيدة، هؤلاء جزء من كيانكم أيضا، وبعضهم يرقد بعيداً جداً في متاهات روحكم، هل آن لكم أن تلتفوا إليهم، نظرة واحدة بعمق إلي داخلكم ستجدونهم، لا تبتعدوا عن ذواتكم الحقيقية، وانظروا خلفكم بدهشة.. إنه الماضي كاملاً، فلا تفقدوه، وأسلافكم.. كما كانوا رائعين فلا تتركوهم يرحلون في متاهات التاريخ

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 02:26 AM
(يوم غائم فى البر الغربى) لمحمد المنسي قنديل.. تاريخ نهضة مصر وعذابها


http://www.shorouknews.com/uploadedImages/Sections/Culture/Almansy-Qandel.jpg
ذات يوم غائم طويل سحبت المرأة ابنتها إلى الدير المهجور لتبدلها من عائشة إلى مارى، هناك فى الدير بعدما أقنعت المرأة «الأم الرئيسة» والراهبة النحيفة «مرجريت» بأن تحميا البنت التى أقنعتهما بأنها تنصرت من بطش عائلتها المسلمة، أودعت عائشة فى الحقيقة هربا من بطش عمها وزوج أمها الذى يتربص بجسدها منذ أن كانت فى الخامسة، لتنفتح أمام البنت/ البطلة دنيا أخرى، وليتوازى مسار حياتها مع مصير الأمة المصرية كلها إبان عصر النهضة أى فى مطلع القرن العشرين، والشخصية المصرية تبدأ طريقها للتشكل وانتزاع الخصوصية وقبلهما محاولة الاستقلال على يد زعماء ومفكرين ومبدعين من أمثال مصطفى كامل وعبدالرحمن الرافعى والمثال الشهير محمود مختار صاحب تمثال نهضة مصر ومؤسس مدرسة الفنون الجميلة، والذين تتصارع إرادتهم مع شخصيات مثل المعتمد البريطانى على مصر وسفاح دنشواى اللورد «كرومر» ومعاونيه من المصريين والإنجليز.

وهذه الشخصية المصرية يبدو أنها تمثل ولعا خاصا بالنسبة للكاتب الكبير محمد المنسى قنديل لذا جعلها مركزا وقبلة لروايته البديعة الأحدث «يوم غائم فى البر الغربى» التى تزدحم فيها العديد من الشخصيات والمصائر فى أزمنة وأمكنة متباعدة إلى درجة التطرف، لكنه الحكى. وحكى المنسى قنديل بشكل خاص كان الخيط الوحيد الرابط بين كل ضواحى الحياة وساكنيها على اختلاف تواريخهم وبقاعهم ومصائرهم.

بلا ذنب سوى مرافقتها للراهبة التى وقعت فى الحب فغضبت عليها الكنيسة، طردت عائشة من الدير فلم تجد سوى بيت صديقتها «إيزيس» ابنة أحد أعيان المنيا، وهناك فى بيته التقت شخصين مثلا محطتين غاية فى الأهمية بالنسبة لحياتها الزخمة، أولهما اللورد «كرومر» الذى سيطلبها للعمل كمترجمة فى قصره، والثانى هو الأثرى الشهير «هوارد كارتر» والذى سترافقه فيما بعد للبر الغربى بالأقصر وتساعده على تحقيق أهم أحلامه باكتشاف مقبرة الفرعون الشهير «توت عنخ آمون».

وفى منزل كرومر يتبدل مصير عائشة بعد لقائها بالصحفى الشاب حين ذاك عبدالرحمن الرافعى فى أحد المؤتمرات الصحفية التى عقدها اللورد فى بيته عقب حادثة دنشواى والذى استطاع أن يقنعها بمغادرة بيت اللورد وساعدها على العمل كترجمة فى صحيفة اللواء التى يصدرها الزعيم مصطفى كامل، وهناك تلتقى بمحمود مختار وتنشأ بينهما علاقة عاطفية، يذهب على إثرها لخطبتها من أمها فى بلدهم البعيدة، فيستدل منه زوج أمها على مكان عائشة، ويأتى إلى القاهرة ويستدرجها إلى البلدة بحجة مرض أمها التى ستكتشف عائشة فيما بعد أنها قد ماتت، تاركة إياها للعم النذل الذى هتك عرض ابنة أخيه وأجبرها على الحمل منه سفاحا قبل أن تفترسه الذئاب فتتحرر بذلك عائشة عائدة للقاهرة، لكن بعد أن يكون مختار قد رحل إثر خروجه من المعتقل الذى عذب خلاله بسبب مشاركته فى إحدى المظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزى ودفعه الإحباط للسفر إلى أوروبا.

عائشة التى صارت عارية من أمها ومن حبيبها ومن شرفها المهدر انتقلت للعيش فى أحد بيوت الدعارة فى «وش البركة» بعدما أسقطت حملها، لتلتقى مصادفة بعاشقها القديم «كارتر» ويصطحبها معه فى رحلته التى ستتوج بكشفه الأثرى الهائل والذى سينشغل به عنها ويهملها تماما، فتغرق فى مخاوفها وأوجاعها وإحباطاتها.

لكن ذلك ليس كل شىء رغم كونه نهاية الرواية؛ فهناك القصص الفرعونية الموازية لقصة عائشة فى بحثها الغائر عن الذات وكذا بحث الذات المصرية عبر رموزها عن روحها وخصوصيتها، حيث يتوازى مع ذلك بحث الفرعون المارق المتوحد «أخناتون» عن الله وموقع الذات فى العالم والعكس، وهناك فوق ذلك كله لغة محمد المنسى قنديل الشاعرية الشفيفة الأسيانة، وهناك بناؤه وحبكته الفنية التى طوت ما يقارب الـ600 صفحة المتضمنة لقصص عدة وشخوص وأمكنة وأزمنة وعوالم متباينة دون مط أو ترهل، وهناك الشخصية الإبداعية أو البصمة الأسلوبية لـ«قنديل» الغائر فى حزنه، وإبداعه وخصوصيته، فهل تستطيع الجوائز أن تستوعب كل ذلك؟!

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 02:29 AM
مرشحو جائزة (البوكر العربية) يتحدثون عن تجاربهم ورواياتهم (1)

المنسي قنديل: المصريون يبحثون عن (أل) التعريف


علي المقري
يسترجع الروائي المصري محمد المنسي قنديل برقية تهنئه وتشكره جاءت من الصعيد جنوب مصر بمناسبة حصوله على جائزة الدولة التشجيعية قبل عشرين عاما. هو الآن ينتظر قرار لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة بالبوكر العربية، والتي ستعلن اسم الفائز بالجائزة في مدينة أبوظبي في الثاني من مارس القادم. “يوم غائم في البر الغربي” هو اسم روايته التي صعدت إلى القائمة القصيرة المرشحة لنيل الجائزة، وتضم إلى جانبه خمس روايات لكتاب عرب آخرين.
حول هذه الرواية وتجربته القصصية والسينمائية وكتابته للأطفال كان هذا الحوار الذي خص به “الاتحاد الثقافي”.
روايتك “يوم غائم في البر الغربي” لا تخرج عن هاجس انشغالك الدائم بالتاريخ وإن كان بدا الجانب المتخيّل أكثر هذه المرّة، فهي تعيدنا إلى قبل قرن من الزمن لنقرأ تطلّعات مرحلة من تاريخ مصر، تبدو الآن وكأنها مضت عابرة، أو أنها لم تكن واقعاً سوى في الرواية. هل يمكن القول إنّك قمت باستكشاف جوانب مرحلة بدا لك الملمح الروائي فيها ملفتاً أكثر من الملمح التوثيقي التاريخي؟

http://www.alittihad.ae/styles/images/adverttop.png http://forum.el-ahly.com/ (http://ad.doubleclick.net/click%3Bh=v8/393f/3/0/%2a/g%3B215697705%3B0-0%3B0%3B33838136%3B4307-300/250%3B31871018/31888894/1%3B%3B%7Esscs%3D%3fhttp://www.majid.ae/talents) http://www.alittihad.ae/styles/images/advertbottom.png
بدأت كتابة الرواية بفكرة بسيطة ومتواضعة، وهي أن أقدم قصة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون من وجهة نظر مصرية، وقد فتنني هذا الحدث منذ أن كنت صغيرا، ولكن هذا الاكتشاف الذي هز العالم منذ 86 عاما لم يظهر في الأدبيات المصرية، رغم انه قد لفت الأنظار بشدة إلى مصر في هذا الوقت، بل ولفت أنظار المصريين إلى أنفسهم أيضا، بدأت عملية الكتابة والقراءة معا، أصبح عندي رف كامل من الكتب عن أحوال مصر والعالم في هذه الفترة من التاريخ، وببطء بدأت تتفتح أمامي مسارب جديدة لم أكن أتوقعها، وأخذت أسئلة الهوية تطرح نفسها علي بشدة، فقبل هذه الفترة كان المصريون كما مهملا، بشر بلا أسماء، ولا وجوه أو ملامح، يموت الآلاف منهم في حفر قناة السويس وفي حروب السودان وكوهية والبلقان والمكسيك وحتى في جزيرة العرب، وتحصد الأوبئة والمجاعات آلافا أخرى، مجرد أرقام تسقط من ذاكرة التاريخ دون أثر، ولكن في هذه الفترة بالذات، وكرد فعل للاحتلال البريطاني، استيقظ المصريون من سبات القرون الطويلة، بدأوا يفطنون إلى أهمية البحث عن “ال” التعريف التي تخصهم، عن أسماء وسمات وملامح تخصهم كأفراد، وكان من الطبيعي أن يخرج مصطفى كامل هاتفا: “لو لم أكن مصريا” قول عاطفي وفيه الكثير من المبالغة، ولكنه كان ضروريا، وكذلك الأمر مع مختار الذي حاول أن يلملم أطراف التاريخ في تمثال لفلاحة مصرية معاصرة تضع يدها على رأس أبو الهول، من المؤسف أن هذه الفترة الخصبة من تاريخنا كانت قصيرة العمر، وعاد المصريون كما كانوا، مجرد أرقام تموت بالآلاف في حوادث العبارات وحرائق القطارات وانهيارات الصخور، وحتى عندما كنت أكتب فصول الرواية كانت الحرائق تتوالى، قصور وأثار ومصانع ومؤسسات، كأننا ننسحب مهزومين من هويتنا المؤقتة ولا نترك خلفنا إلا رماد الأرض المحروقة.أسئلة أخرى كثيرة كانت تطرح نفسها علي كلما تقدمت في مراحل الكتابة، خاصة الفترة التي كنت أتأمل فيها الكم المهوش الذي كتبته دون أدري كيف أنظم سياقه، فالنسخة الأولى عندي تكون أشبه بالكابوس، يهمني أن استيقظ منه أولا قبل أن أطرح على نفسي أي أسئلة، والأصعب عندي هو تقسيم الرواية إلى فصول محددة، أكتب عادة دون الاعتراف بحواجز، ثم تأتي مرحلة البتر والشظف وطرح الأسئلة، وخلال ذلك لا يكف ما يحدث في الخارج عن التأثير فيك، حتى لو كانت الكتابة عن فترة تاريخية عمرها قرن كما هو الحال في روايتي، بل وتجعلها تحول مسارها رغما عنك، وأعتقد أن هذا ما حدث مع شخصيتي الرئيسية “عائشة”، فقد تسربت كل الإحباطات المعاصرة التي تعيشها مصر هذه الأيام إليها، وحددت مصيرها الفاجع، بينما استطاعت الشخصية الأخرى، هوارد كارتر، أن تحقق انتصارها الخاص، وفي الحقيقة فهما أبناء حضارتين مختلفين، فلا شيء يكتمل عندنا بينما يصرون هم على الوصول إلى نقطة النهاية.
الألم يوحد الجميع
يحضر الحب في هذه الرواية كفعل محرّك للأحداث والشخصيات من خلال الفتاة التي تغادر ريف الصعيد، وإن بدا في تشكل قلق، فيما بدا الحب في رواية “انكسار الرّوح” وكأنّه في غربة اجتماعية لا حد لها. هل ما من الممكن أن يبقى للحب حضوره اللافت كموضوع للسرد الروائي في ظل تحوّلاته الصاخبة، كما أن الحكاية في كتاباتك السردية تبدو مرتكزاً للسرد وبنائه. ألا تشكّل بنية الحكاية عائقاً لظهور إمكانات سردية مختلفة، خصوصاً في شكلها الوصفي والمجازي المتكئ على إرث بلاغي عربي يحدد تركيب الجملة وشكل كتابتها وقولها؟
“انكسار الروح” كانت روايتي الأولى بعد العديد من الكتابات في مجال القصة القصيرة، والقصة القصيرة الطويلة، وهي أشكال بطبيعتها تجريبية، تطمح لاقتناص اللحظة، والبحث عن لغة مستحدثة، ولكن الرواية عمل تطبيقي، والرواية الأولى بالذات تقتنص الكثير من سيرة الكاتب الذاتية، خاصة عندما يكتبها في لحظة متوترة من حياته كالتي كنت أمر بها في ذلك الوقت، كنت أحاول أن أمسك في يدي قصة حب تتسرب كحبات الرمال، نثار من ذكرى ومن أسى وشجن، وكل الذين قرأوها شعروا بذلك، وبكوا في الكثير من صفحاتها، الألم يوحد الجميع كما تعرف يا صديق، الرواية كما تعلم تعتمد على حركة الشخصية عبر الزمن، والكاتب يحرص على أن يتوحد القارئ مع الشخصية التي اختارها ويتفاعل معها، المجال ضيق هنا لاستخدام ألاعيب اللغة أو الإغراق في التجريب والغموض، هناك الكثير من النصوص التي يمكن أن تطلق عليها “نصوصا مغلقة”، عليك أن تكون لصيقا حميما بالكاتب حتى تفهمها، أنا أؤمن أن للنص وجوده المحايد، ينفتح وحده على القارئ دون حاجة لمعلومات إضافية، هو جسر للتلاقي بينهما، دون حواجز أو عوائق بين القارئ والكاتب، ولا ينفي هذا أن علينا ألا نهمل منجزات التجريب لأنها هي التي تدفع بالكتابة إلى الأمام، وأنا أؤمن بقوة الحب والعاطفة في العمل الروائي، وإذا كان الكاتب الروائي ميلان كونديرا قال إن كل الروايات العظيمة ترتكز على روح السخرية، فإنني أعتقد أنها أيضا يجب أن ترتكز على قوة العاطفة.
حولت روايتك “الوداعة والرعب” إلى فيلم سينمائي بعنوان “فتاة من إسرائيل”، وكتبت سيناريو “آيس كريم في جليم” أحد أفلام الموجة السينمائية الجديدة؛ مع هذا لا يبدو بشكل بارز وجود تداخل في الأشكال الفنّية في كتاباتك السردية والتي كما تبدو لي، يشغلها بناء فني يتطوّر وينمو في إطار الشكل ذاته. إذا ما استثنينا بعض القصص التي تطلّعت فيها إلى فضاءات تجريبية مختلفة، هل يمكن وصف الملمح التجريبي لديك بالصرامة البنائية؟
أنا حريص على تمايز كل شكل على الآخر، وعندما أكتب في أي شكل أكون مخلصاً على أن يكون له تطوره الخاص، ولكن دعني أعترف أن تجربتي مع السينما غاية في الفشل، عندما قابلت النجم عمر الشريف للمرة الوحيدة في حياتي قال لي في أسف: “إن سبب تأخر السينما المصرية أن الذين جاؤوا إلينا كانوا كتابا من الدرجة الثانية، لم يأت إلينا كاتب من الدرجة الأولى إلا نجيب محفوظ”. ولا أدري لماذا دفعني هذا القول رغم قسوته للكتابة مباشرة للسينما، كتبت أكثر من سيناريو.. وقد أثر هذا على عملي في الرواية.. وفي كل مرة كنت أكتب فيلما كان المنتجون يهتفون “هايل.. عظيم” ويوقعون معي عقودا، بل ويعطونني نقودا، ثم يكتشفون في وقت التنفيذ أن الفيلم “مثقف” أكثر مما ينبغي، رغم أنني ـ والله العظيم ـ أكون حريصا وأنا أكتب على أن أكون على البعد عن التفلسف والتحذلق، وأحاول أن أراعي متطلبات السينما التجارية قدر طاقتي، ولكني اكتشفت في النهاية أنها سينما مريضة، أفلام قليلة منها أصيلة، أما البقية فهي تعيش على السرقة والاقتباس، خلافا لما يقوله عمر الشريف هي التي تطرد المبدعين وتبقيهم بعيدا.
دعنا نتحدث إذن عن الرواية، ودعني أختلف معك في تعبير الصرامة البنائية، فالعمل الروائي في نظري أشبه بالغابة، فيه قدر كبير من الأحراش العشوائية والمسارب المظلمة وطرقات التوهان، والمفاجآت التي تغير مسار تفكيرك، ولكن هناك إيقاع يحكمها من بدايتها لنهايتها، في السينما الحكاية لها المقام الأول، أما في الرواية فإن الشخصيات هي التي تقودك، تفرض وجودها عليك، وأحيانا تؤلف نفسها، لا أحد يستطيع أن يكون صارما مع كيان حي لا يكف عن النمو.
فقد “جواز سفر”
عملك في الريف المصري كطبيب بعد تخرّجك من كلية طب المنصورة عام 1975 لوحظ أثره على خبرتك المكانية المبثوثة في عدد من مجموعاتك القصصية، كما أن رواية “قمر على سمرقند” جاءت بعد رحلات صحفية كثيرة تطلّبها عملك في مجلة “العربي” الكويتية. كيف تنظر إلى المكان كمؤثر على الكاتب، وإلى أي حد يمكن أن يكون محفزاً ومحرّضاً على الدخول إلى عوالم جديدة في الكتابة، كما هو الحال في تداخلك مع أدب الرحلات في “قمر على سمرقند”؟
دعني أعترف بفضل مجلة “العربي” علي في تأليف “قمر على سمرقند”، فهذه المجلة الثقافية العريقة التي توالى على رئاسة تحريرها نخبة من المثقفين العرب المتفتحي العقول بدءا من أحمد زكي بك حتى الدكتور سليمان العسكري، وهو الذي عملت معه لسنوات طويلة، هي التي أتاحت لي ولزملائي تجربة الخوض في كل بلاد العالم، وكتابة ما يحلو لنا دون ضغط أو توجيه، لقد تعلمت من خلال عملي في المجلة، الذي تركته منذ عدة أشهر، كيفية الإحساس بروح المكان، وكان الدكتور العسكري يقول لنا دوما، لا يوجد مكان محايد، ولكن لكل مكان قضية علينا أن نبحث عنها، وقد جسدت هذا الأمر ليس فقط في رواية “قمر على سمرقند”، ولكن في رواية أخرى اسمها “جواز سفر”، كنت أحكي فيها عن قصة كل ختم على جواز سفري، كانت رواية جريئة، مليئة بألوان متعددة من الثقافات، أقول كانت لأن مخطوط الرواية فقد مني ـ أي والله ـ وقد جننت بسبب ذلك وبحثت لاهثا في كل مكان، وأصابني الاكتئاب، ولم أستطع أن أعيد كتابة المخطوط مرة أخرى، رغم محاولتي ذلك، ولا زلت حزينا على هذه الرواية حتى الآن، وأنا أتوسل من خلال هذا المنبر إلى من يجدها أن يعيدها إلي، فأنا متأكد من أنه لن يستفيد منها شيئا لأنه لن يستطيع قراءة خطي المنمنم الشبيه بنبش الفراخ ولا يستطيع أحد قراءته سواي.
في ذكر رواية “قمر على سمرقند” كيف تقرأ جرأة الرقيب على “سلسة رواية الهلال” في قيامه بحذف ثلثها، ونشرها دون الرجوع إليك؟
إنها جريمة لا تحتمل جعلتني أقاطع دار الهلال التي كنت أعشق النشر فيها، ففي بعض مؤسسات النشر الحكومية تكون سطوة الموظف متسلطة على رقبة المبدع، اعتقد أن هذا الموظف قد أساء إلى سمعة دار الهلال، تلك المؤسسة الثقافية العريقة التي تربينا على سلاسلها الشهرية، وقد نشرت فيها خمسة أو ستة من كتبي، وكنت سعيدا بالسعر المعقول الذي تطرح به كتبها وتجعله يصل للقارئ العادي، ولكني حرّمت ولن أذهب إليهم بعد ذلك.
ما يلحظه القارئ أن قيامك بإعادة تقديم شخصيات ووقائع من التاريخ من خلال كتبك: “شخصيات حيّة من الأغاني”، “وقائع عربية” و”تفاصيل الشجن في وقائع الزمن” جاء من هاجس التطلّع إلى المستقبل عبر الماضي، وليس هاجس الحنين إلى الزمن أو إلى الحال نفسه. إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى الماضي؛ ألا نستطيع المضي بدون إرثه، خصوصاً أن المستقبل صار يحمل لنا إرثاً لم نبلغه؟
بدأ اهتمامي بالعودة إلى التاريخ بعد هزيمة يونيو المروعة، فعلى إثر هذه الهزيمة فقدت ثقتي في الشخصية العربية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص، وتخيلت أننا أمّة تعيش على تاريخ من الأكاذيب، لا توجد فيه أي انتصارات أو إنجازات حقيقة، الشيء المؤكد هو تاريخ القمع المتواصل الذي أدى بنا إلى هذا الوضع المزري، لقد حاولت أن افهم لماذا حدث ما حدث، ولماذا كانت الهزيمة بهذه القسوة، فهي لم تلن تقتل فينا كل الأحلام الجميلة وحسب، ولكنها أيضا عن واقع شديد القسوة لا يمكن احتماله، كان التاريخ مهربا، ووسيلة للبحث عن أجوبة، ودرعا نحمي خلفه ذواتنا العارية، ولم يتغير الأمر كثيرا منذ ذلك الحين، فالواقع المصري ما زال بالغ القسوة، وإن كان لي الحق في أن أحور قول ديستوفسكي الشهير عن روسيا فإنني أقول “من المستحيل الحياة داخل مصر، ومن المستحيل الحياة خارج مصر” وأعتقد أن هذا القول ينطبق على معظم بلادنا العربية.
أفضل أشكال التعبير
في سبعينات القرن الماضي، التي برزت فيها، وقبلها، كان للقصة القصيرة مكانة مميّزة في الحياة الثقافية، على مستوى النشر والتداول والاحتفاء بكتّابها. ما يلاحظ حالياً أن الرواية أزاحت الكثير من مكانة القصّة القصيرة، والشعر أيضاً. بما أنّك كتبت خمس مجموعات قصصية قصيرة، توصف بالمهمّة في تاريخ السرد العربي، وكتبت خمس روايات أيضاً؛ ما هو هاجسك الخاص حول محفّزات نمو الرواية وانتشارها وتراجع الأشكال الأخرى؟
القصة القصيرة هي خطوة البداية دائما، إنها دفقة أشبه بولادة القصيدة، شهادة ميلاد للكاتب، وشهادة الميلاد في العادة لا تتعدى الصفحة الواحدة، ولكن المضي في رحلة الحياة يحتاج لمزيد من الصفحات، وهنا تأتي خبرة الرواية، لا يمكن لنا في البداية أن نكون كتابا للرواية ونحن في مقتبل العمر، الشاعر يولد شاعرا، ولكن الروائي يحتاج للتزود بالكثير من الأدوات ليدخل هذه التجربة، وإلى كم كبير من المعرفة، وقد أصبحت الرواية على استيعاب أحدث منجزات العلم، وآخر شطحات الفكر، وكل تعقيدات السياسة ومحرمات الجنس، كل الرغبات والأهواء، وفي عالم معقد كعالمنا، هي أفضل الأشكال للتعبير عنه، وعندما كنت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب منذ عدة سنوات وجدت إحصائية عالمية تقول إن 82% من القراء يقرأون الرواية بينما 12% فقط يقرأون بقية صنوف المعرفة الأخرى، هل تتصور ذلك؟
لك تجربة تمتد منذ 25 سنة في الكتابة للأطفال، في مجلتي “ماجد” و”العربي الصغير”، وصدرت لك في هذا المجال حوالي ستة كتب. ألم تزح وسائل الاتصال الحديثة، من انترنت وكتاب الكتروني وتلفزيون، كتب الأطفال وصحافته الورقية من مكانتهما العريقة كمصدر ثقافي للطفل؟
لم يحدث أن أزاحت وسيلة للمعرفة وسيلة أخرى، الكتاب يعيش بجوار الراديو، والراديو بجانب السينما، والفيديو بجانب الكومبيوتر، ومهما تعددت وسائل الاتصال فهناك حاجة دائمة لوجود المؤلف، والكاتب الذي جرب الكتابة للطفل يظل في حاجة دائما لمواصلة هذا النوع من الكتابة، فهي تحدث في داخله نوعا من التوازن، أذكر أنني كنت وما زلت معجبا بكاتبة الأطفال الإنجليزية جوان أيكن، بقدرتها على الخيال، وغنائية اللغة التي تستخدمها، وذلك السمو والتعاطف الذي تصور بها شخصياتها، ثم وقع في يدي واحدا من مؤلفاتها لعالم الكبار، وقد أفزعني بحق كل ما فيه من عنف وقسوة، وأدهشتني فكرة أن تحتوي كاتبة واحدة هذين العالمين المتناقضين، قيل إنها محاولة للتطهر، لتفريغ كل ما في داخلها من قسوة وظلمة حتى تصل إلى فكرة التوازن الذي يحتاج إليه الكاتب ليواصل حياته.
سبق وأن فزت بعدد من الجوائز، التشجيعية والتقديرية، والآن أنت مرشح لجائزة البوكر العربية، في ظل لغط واسع صاحب اختيار القائمتين الطويلة والقصيرة، وشمل الأعمال والمحكّمين والإدارة. هل الجوائز الأدبية صارت همّاً للكاتب العربي استدعته التحولات المعيشية والثقافية، بعد أن كان الكثيرون يعتبرون أنفسهم خلال عقود ماضية حاملي “رسالة” أو “قضيّة” لا تنتظر المكافأة من أحد؟
الجوائز الأدبية في غاية الأهمية بالنسبة للكاتب، فهو يمارس عملية الكتابة وحيدا في غرفة مغلقة، لا يوجد لديه مقياس ليعرف إن كان ما يكتبه جيدا أو رديئا، أو إن كان الناس يشعرون بوجوده أم لا، ولكن عندما تأتي مناسبة نادرة كالفوز بالجوائز فجأة، يدرك الكاتب فجأة، أنه ما زال موجودا، وأن هناك من يراه رغم عزلته، إنها لا تخلق كاتبا ولكنها تلفت الأنظار إلى وجوده، فهي مقياس مهم لعمل لا قياس له، ما زلت أحتفظ في أوراقي الشخصية ببرقية تلقيتها في عام 1988 عندما فزت بجائزة الدولة التشجيعية للآداب، كان فيها كلمتين “أشكرك وأهنئك” كانت قادمة من أقاصي صعيد مصر، من شخص لا أعرفه، وجد أن عليه أن يتحمل مشاق الذهاب لمكتب التلغراف ويدفع ثمن برقية لشخص لم يره، ولن يقابله، ولم أكن قد فعلت ما يستحق هذه المشقة.
ماذا عنك شخصياً، كيف ستستقبل البوكر العربية، إذا فزت بها، وماذا ستعمل؟
أنا سعيد بوصولي إلى مرحلة متقدمة في هذه الجائزة المهمة والتي صنعت مكانة مميزة للرواية العربية وساهمت في ترويجها، وأتمنى أن تكون وسيلة للفت أنظار المهتمين بالأدب العربي في داخل الوطن العربي وخارجه إلى كتاباتي.
الطبيب المعتزل
محمد المنسي قنديل قاص وروائي مصري ولد عام 1949 في مدينة المحلة الكبرى بغرب الدلتا في مصر.
تخرج من كلية الطب في المنصورة عام 1975 إلاّ أنه بعد أن عمل في مجال الطب لمدة عام ونصف العام في الريف المصري (المنيا)، وفترة أخرى في التأمين الصحي في القاهرة قرّر اعتزال الطب والتفرّغ للكتابة. فكتب القصة القصيرة، والقصة المخصصة للأطفال، والسيناريو للسينما، إلى جانب الاستطلاعات المصورة العالمية التي كان ينشرها في مجلة “العربي” الكويتية الشهيرة، أثناء عمله فيها.
فاز وهو مازال طالبا في عام 1970 بالجائزة الأولى في نادي القصة عن قصة “أغنية المشرحة الخالية” التي ضمها كتابه الأول: “من قتل مريم الصافي” الحائز جائزة الدولة التشجيعية في مصر عام 1988. كما فاز بجائزة نجيب ساويرس للأعمال الأدبية عن رواية “قمر على سمرقند”، وقامت الجامعة الأميركية في القاهرة بترجمة الرواية إلى الانجليزية ونشرها.
من كتبه الأخرى، مجموعات قصصية: “احتضار قط عجوز”، “بيع نفس بشرية”، “آدم من طين”، و”عشاء برفقة عائشة”، وروايات: “الوداعة والرعب”، و”انكسار الروح”. للمنسي أربعة كتب، سرد فيها جوانب قصصية من التاريخ العربي برؤية جديدة. وله، أيضاً، أكثر من سبعة كتب قصصية للأطفال.
جاء في قرار لجنة تحكيم جائزة البوكر العربية التي صعدت بموجبه روايته “يوم غائم في البر الغربي”، دار الشروق بالقاهرة 2009، إلى القائمتين الطويلة والقصيرة للجائزة:
“يحيي الروائي المصري محمد المنسي قنديل فترة الاكتشافات الأثرية والنضال الوطني في مصر، ويضمنها ملحمة فتاة تهرب بها والدتها من زوجها المغتصب، وتودعها ديرا في أسيوط بعد أن تغير اسمها وتدق على ذراعها الصغيرة صليبا. ثم يتداخل مصير الفتاة وقد أضحت مترجمة، مع مسيرة شخصيات تاريخية مثل هوارد كارتر واللورد كرومر وعبد الرحمن الرفاعي. ويتداخل القص الشيق مع التوثيق الدقيق في وصف الأمكنة والأزمنة”.

The lion king
02-12-2010, 02:31 AM
انت من كتر كلام عنه يا محمد شوقتنى انى اقرا عنه
بس بصراحه مقلق عشان هو ذوقك:p:p:lol::lol:
:$:$:$
علي فكره انا بيقولو ان ذوقي في الكتب و الاغاني حلو
بص فكك من حوار الافكار و اني بكره شحاته
بس فعلا مش حتندم عليه
انزل الهلال و اشتري انكسار الروح رخصيه و مش كبيره و مش حتندم عليها

و بعدين انا بشجع الاهلي يبقي ازاي ذوقي وحش:lol::lol:
لا ابدا يا ريس
بس فعلا انت من كتر كلامك عنه عايز اقار له
انا بصراحه ما كنتش اعرفه اصلا
بس هو شكله اديب كبير لان بدا يتكتب عنه فى الصحافه وروايه له فى البوكر

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 02:35 AM
انت من كتر كلام عنه يا محمد شوقتنى انى اقرا عنه
بس بصراحه مقلق عشان هو ذوقك:p:p:lol::lol:
:$:$:$
علي فكره انا بيقولو ان ذوقي في الكتب و الاغاني حلو
بص فكك من حوار الافكار و اني بكره شحاته
بس فعلا مش حتندم عليه
انزل الهلال و اشتري انكسار الروح رخصيه و مش كبيره و مش حتندم عليها

و بعدين انا بشجع الاهلي يبقي ازاي ذوقي وحش:lol::lol:
لا ابدا يا ريس
بس فعلا انت من كتر كلامك عنه عايز اقار له
انا بصراحه ما كنتش اعرفه اصلا
بس هو شكله اديب كبير لان بدا يتكتب عنه فى الصحافه وروايه له فى البوكر
:c010::c010::c010:
فعلا من الناس اللي مش واخده حقها
مش ببالغ لو قلت انه لو بغزارة اعمال ابراهيم عبد المجيد كان خد نوبل
بس الصراحه الراجل ده شديد جدا
حتدعيلي :ff:

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 05:40 AM
عن القناديل (http://www.20at.com/masr/egyptian-blogs/6361.html)

محمد فتحى ـ مدونة لا تكن متفوق فى عالم منحطأول قنديل عرفته كان قنديل البحر..كان شئ مرعب بالنسبة لي..كائن رخو يخبط في سعادتك ويلسعك اللسعة التمام وأنت لا تملك سوى الألم أو الصراخ أو الصبر..لم يلسعني قنديل لكني لا أزال أخافه و أخاف شكله حتى الآن


حمدي قنديل:قابلته مرة وانا لسة ف ثانوية عامة متأثراً بما كان يكتبه عنه ابراهيم سعده في أخبار اليوم.ساعتها لم أكن أعلم كم أن هذا الرجل عظيم لأن لا كان عندنا دش ولا يحزنون.في هذه الفترة كان الدش بالنسبة لي هو الدش بضم الدال وما عداه خيال علمي لايوجد إلا في ملف المستقبل ،أما الوصلة فلم يكن الذكاء البشري قد وصل إليها بعد.صافحته (حمدي قنديل لا الدش) في أسانسير عمارة حديقة الأسماك وقت أن قابلته بالصدفة وأنا أنهي بعض الأعمال في مقر المجلس العربي للطفولة والتنمية،والحق يقال أن الرجل كان ودوداً ومتواضعاً ولا يزال،ثم جربت أن أهاتفه تليفونياً العام الماضي واستمعت إلى صوته عبر الهاتف فقلت له :أنا بحبك أوي على فكرة ولولا انك قد والدي ما كنتش قلتلك الكلمة دي .ضحك وعرفته بنفسي فطلع عارفني..محمد فتحي يا أستاذ من الدستور.آاااه..إزيك يا ابو حميد..لأ حضرتك محمد فتحي بتاع الدستور مش ابو حميد .يرد: عارفك طبعاً..انت بتعمل كمان كاريكاتورات دمها خفيف جداً..شكرته وتمنيت له التوفيق وأغلقت الخط قبل أن أساله عن حوار أجريه معه، ولم أتصل به من وقتها لشعور غريب بالخجل داهمني ولم أعرف له سبب.حمدي قنديل من الشرفاء بحق وفصيلة دمه هي محبة هذا الوطن الذي أهانه إعلامه أكثر من مرة لتعرف دبي قيمته وتتنصل منه وسائل الإعلام المصرية معتبرة إياه معارض و المعارضة عند النظام رجس من عمل الشيطان.حقاً أتمنى مقابلته قريباً


محمد المنسي قنديل: يااااااه على هذا الرجل و جماله و إبداعه و تواضعه و جدعنته..عرفته لأول مرة حين نصحني الصديق الأعز محمد علاء الدين بقراءة مجموعته بيع نفس بشرية.استعرتها من مكتبة مبارك بلا حماس و أنهيتها في ساعة وأنا على وشك البكاء.شجن و ألم لا يحتمله شخص مثلي وشخصيات من لحم ودم و حزن تحبه فور أن تشعر به وتبحث عنه إذا ما غاب عنك.كتابة تصل لدرجة المزيكا ووصف يصل لمرتبة الشعر وتجارب غزيرة تستشعرها بين السطور وهروب كبير من جرح قديم لا يزال غائراً في روحه تشمه عبر كل قصصه.فيما بعد عرفت أنه كاتب قصة آيس كريم في جليم وأن تحفته الوداعة و الرعب شوهها رفيق الصبان و إيهاب راضي في فيلم ماسخ اسمه فتاة من إسرائيل.بحثت عن كل أعماله فوقعت في هوى روايته الأثيرة انكسار الروح ولم أنس حتى الآن جملة (يا فاطمة..يا غرامي الحزين)، ولم أجرؤ يوماً على أن يمر شهر دون أن أقرأ في مجموعته الساحرة (من قتل مريم الصافي ) باكياً مع ( أغنية المشرحة الخالية).بعدها قرأت آدم من طين واختصني عم حمدي عبد الرحيم بنسخته من (احتضار قط عجوز) وكنت ممن زنوا على محمد هاشم لكي يسرع في إصدار (قمر على سمرقند) التحفة التي فازت بجائزة ساويرس للرواية.وسط كل هذا كنت أبحث عن محمد المنسي قنديل بملقاط.وأطارد أعماله في كل مكان.في مجلة ماجد وفي العربي الصغير وفي كتبه التراثية التي يعيد فيها سرد الألم العربي (تفاصيل الشجن في وقائع الزمن ) أو (شخصيات حية من الأغاني)،اتابعه بينما هو سندباد يتنقل بين بلد وأخرى بحثاً عن حلم لا أعلمه.هو الآن يعمل في مجلة العربي بالكويت ونشرنا له في الدستور قصته البديعة ليدي هوم ووعدني بقصة أخرى في انتظارها منه. لابد إذن أن أشكر أستاذي المبدع د.محمد المخزنجي الذي أعطاني بريده الإلكتروني كما أنني لابد أن أشكر المنسي قنديل شخصياً لنه شرفني برقم هاتفه الخاص حيث حدثته لأول مرة بعد استلامه الجائزة كطفل صغير وجد فرحته الضائعة.د.محمد المنسي قنديل..شكراً لأنك أنت


محمد قنديل: لم أكن أحبه في البداية لأن التليفزيون زهقني ف صباح الخير يا مصر الذي كنت أشاهده في فترة طفولتي المشردة من أغنية يا حلو صبح يا حلو طل،وبما أنني لست من هواة ماجدة التي غنى لها قنديل الأغنية فقد كنت أردد دائماً عن أهله ما صبح وعن أهله ما طل،لكن علاقتي بقنديل تغيرت بعد 3 سلامات التي غنيتها لزوجتي في حفل خطوبتنا بمصاحبة عمر وعوده الجميل وكل الأصحاب الذين جاؤوني في هذه الليلة الجميلة..كان ذلك يوم 19 سبتمبر 2002 (يا رب يكون التاريخ صح يا إما هتقتل) ..يمكنك حتماً الاستماع للأغنية بصوت مدحت صالح، لكنك ستحبها أكثر من قنديل الذي أنصحك أيضاً بسماع رائعته (سحب رمشه) وصباح الجمال في الكلام المبدع(سحب رمشه ورد الباب كحيل الاهداب...نسيت اعمل لقلبي حجاب، وقلبي داب..دااااب)..آخر أعمال قنديل قبل وفاته كانت تترات مسلسل الأصدقاء من تلحين العبقري ياسر عبد الرحمن

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 05:47 AM
على الأقل كنت أمتلك الحروف ...شذرات النجوم الغريبة التي رأيتها في عينيك ذات مرة فأضاءت روحي.كنت أحاول أن أفجر من خلال السطور ضوءا فيه نفس هذا الألق.بدأت أحفر على الورق كل دروبي بحثا عنك .كل ضياعي و توهاني .ذهني كان محتشدا بكل الكلمات .كلمات تشبهك و لكنها ليست أنت .كنت أريد كلمات تخصك لا أن تشبهك فقط.كنت أبحث عن ثقب ما في عقلي الخفي .مكمن ذكرياتي .حزن افتقادك .تعثر بحثي .احساسي بلمسة .رؤيتي لمعجزة .ظفري بابتسامة .بعثي بقبلة .كلمات هي أنت ...هي السحب التي تهبط طائعة اليك ،والعصافير التي تقف على كتفك .والقطط التي تنام امنة بين ذراعيك و الشجرة التي حفر عليها اسمك ، أواصل الكتابة و أنا لا أكف عن استحضارك ...استحضرك كما أنت و كما ستكونين حين ألقاك .أنبش عن كلماتك في روحي .فأنزف قليلا و أذكر كثيرا .وأحس أن الكلمات لم تكتسب قدرها الكافي من الحياة ،فأعاود النيش و النزيف فتنهضين أمامي.من لحظات الغياب و من تفاصيل غرفتي التي رأيتها ذات يوم و وضعت زهرة من الورق في ظرف قنبلة الدخان .تنهضين مع برودة الفجر و تدخلين في دمي جوعا و سلاما .فأسمع عصافير لم أسمعها من قبل .وأشم عبير كل الأشجار التي قبلتك تحتها ،و تتشكل الكلمات كما لو أنها ملامحك.وأكتب القصيدة لعلها تحررني قليلا من سطوتك داخلي.



من رواية (انكسار الروح)- محمد المنسي قنديل

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 05:48 AM
انكسار الروح
تقرأ الكثير أو القليل .. تجذبك شخوص و تنفرك شخوص .. يشحذون فكرك أو يهيجون عاطفتك أو يثيرون حنقك .. ليظل بعضهم – فقط بعضهم - هو الأقرب لك و كأنه توأم روح. تقرأ الكثير أو القليل .. تروقك كتب و تنأى عن كتب .. لتظل القدرة المدهشة على إدفاء روحك من نصيب كتاب واحد أو كتابين أو ثلاثة - فقط هذا العدد المحدود. تتوحد معه وجدانا و فكرا حتى تفنى فيه .. و كأنه يتحدث عنك أنت.

منذ ما يقارب العشر سنين كان "عصفور من الشرق" أكثرها إثارة لدفء القلب. كنتُ أدمن – أيامها – على تعاطي توفيق الحكيم، حتى كدتُ آتي على كل ما أنتج: مسرحا، و قصصا، و فكرا. ما زلتُ أذكر شغفي الصبياني (ربما لم يكن صبيانيا) بـ "شمس النهار" رغم قناعتي أنها ليست الأفضل أو الأعظم بين كل ما كتب، لكنني أحببتها على أي حال. داومتُ على قراءة عصفوره، و صادفتْ آراء إيفان الروسي و اقتباساته هوى في النفس. كيف لا، و قد كان يحمل على الحضارة كما كنتُ أحمل عليها في تلك الأيام التي اتخذتُ فيها من "باطل الأباطيل باطل" شعارا لي؟!

تعرفتُ بعد الحكيم إلى بهاء طاهر فلم يدع مجالا لغيره. بدأتْ بيننا علاقة لا زالتْ آثارها في القلب – ندوبا و حزنا شفيفا - حتى اليوم، غير أنني سعيد بهذه العلاقة أيما سعادة. اعتبرتُه كنزا حين اكتشفتُه و خضتُ عوالمه، و بدأتُ الدعاية له بين من أعرف و أقدر. تعددت القراءات شرقا و غربا و شمالا و جنوبا، لكنني لم أستطع فكاكا من هذه الربقة. هكذا يتم الأمر، تصطفي من الكُتَّاب من تشاء، و تسميهم – باستعارة اصطلاح صلاح عبد الصبور - "آباءك الفنيين".

ثم انقضت الأعوام و آن لي أن أشرك مع بهاء غيره، و كان ذلك حين أهدتني "انكسار الروح" لمحمد المنسي قنديل.

بديعة و بسيطة و فريدة و عذبة و صافية. لا يتسامق تعقد بنائها إلى الحد الذي تبلغه "قمر على سمرقند"، لكنها – على ذلك - تظل كالبنت الصغرى .. الأكثر دلالا و رقة .. و الأقرب إلى القلب. كتبها المنسي قنديل بدمه فلم يدع لك خيارا سوى أن تقرأها بدمك. أغلب الظن – عندي – أن الرجل قد عايش مرارات حب خائب، و أنه ما زال يجد طعم ذلك في فمه حتى الآن.

"انكسار الروح" – كما تم توصيفها – أنشودة حزينة تغني الحب و الحلم و الفقر و الألم و الروح إذ تتكسر. تفرغ من قراءتها فتبكي، لا عن رومانتيكية بل عن إدراك .. إدراكٍ للحالة الإنسانية المحاصرة بالألم الداخل في نسيج الوجود. (الفرح قصير العمر و استثناء). تتعرض الرواية لفاطمة و عليّ، و لأحلامِهما التي تولد فتتكسر، أو لو شئتم الدقة: أحلامِهما التي تولد لتتكسر. تتعرض للغنى الفاحش و للفقر الأشد فحشا .. و لأبناء الوطن الذين يدفعون الثمن غاليا كدمع العين. تتعرض للتحولات التي شهدها العصر الناصري بما اختلج به من أحلام عريضات و آمال متطاولات على الصعيدين الشخصي و الوطني ثم الآخر الساداتي و ما صاحبه من تحكم السِفْلة في بني الأكرمين. غريبٌ أمرُ عبد الناصر، كان – و لا يزال – جدلية ممضة داخل النفس. نعرف شناعة أخطائه لكننا نُعجب به، و لا أبالغ لو زعمتُ أن الأمر قد يتطاول إلى مرتبة الحب. تشبه حكايته معنا حكاية الوطن، إذ ينطبق على كليهما قول جاهين: و اكرهها و العن ابوها بعشق زي الداء. أزعم أنه – رغم كل ما فعل – قد أحب هذا الوطن، و أشتاق – رغم كل ما فعل - رجولتَه (و إن لم تخلُ من طيش)، و زعامتَه (و إن لم تخلُ من تسلط)، و أبوتَه (و إن لم تخلُ من قسوة). و اقرءوا – إن شئتم – "انكسار الروح".

تبدأ القصة بكرا بكارة الطفولة ذات صباح شتوي. يهبط الدرج كما يهبطه كل صباح دون أن يخطر بباله أنه على موعد مع الشخص الأكثر أهمية في تشكل حياته القادمة و مصيره ... فاطمة ... غرامه الحزين. يكون اللقاء و يكون التغير، إذ لا يعود إلى رؤية العالم بعينيه .. بل بفاطمة. يرى بها الأشياء و يراها في الأشياء. ينسرب الزمن في نعومة فيفجؤك مرور السنوات. فجأة يصبح الصغار كبارا، فيسافرون من حزن الصبا إلى حزن الرجولة ... و كل العمر أسفارُ.

لفاطمة قدرة مدهشة على صنع المعجزات الصغيرة .. هكذا يعتقد عليّ. يؤمن بأثر لمساتها السحرية على الأشياء، و على قلبه. تغيب و تمعن – إذ تغيب – في الغياب. دأبها الغياب. تأتي بلا مقدمات، و تروح – في أغلب الأحيان - بلا مقدمات، تاركة لعليّ مرارةَ البحث، و لوعةَ الانتظار، و حرقةَ الاشتياق. تقسو الحياة و لكن قلب عليّ لا يقسو. يجوب القرى و المدن و الشوارع الواطئة بحثا – كإيزيس الأسطورية – عن الخير الغائب. يخيب سعيه فيعود بلا أعضاء تتوق إلى نفخ الروح.

يلتقيان فيعرفان المتع الصغيرة، و يفترقان فيعرفان العذابات الكبيرة. تتفتح رجولته على بساتين أنوثتها صبية و شابة. جسدها كله - كما تقول - صالح للقبل. يتداخلان في يأس و رغبة و محاولة مستحيلة للامتزاج، لكن شبح الفراق لا يكف عن الإطلال برأسه رغم حميمية العرق و الأنفاس.

تفقد فاطمة بضعا من روحها المتوقدة بأثر سنوات الفقر، غير أن شيئا لا يفلح في إضعاف تشبثها بالحلم .. لا شيء يفلح سوى عليّ ذاته:

"كان كل شيء في طريقه إلى التوتر، و الحرب المستحيلة تدق الأبواب. عملوا في مواسم الحصاد. و محالج القطن. و المصانع الصغيرة القريبة من المدينة. انفرط عقد الأفواه الجائعة و تحولت إلى أبدان متعبة لا تكف عن اللهاث طوال النهار. كان هناك نوع من الحرص الغريب على العيش في حياة لا تستحق أن تعاش. جمعت فاطمة لطع القطن. و وقفت خلف دواليب الغزل. و حملت فوارغ المواسير في المصانع. و في كل مساء مجهد كانت تعود و تنزوي في ركن البيت أمام مصباح معتم و تفتح كتبها القديمة التي تمزقت و ضاعت صفحاتها. ثمة شيء في داخلها كان يدفعها للمقاومة. يرفض أن يحول حياتها إلى كدح يومي و وقوف مستمر على حافة اليأس و الموت. كل هذه الليالي نامتها بلا أحلام. و زاد هذا من قسوتها. ثم جاء مدرس القرية الإلزامي يريدها، هللت أمها من الفرح. كان يريدها هي فقط بما عليها من ثياب. قال هذا مؤكدا و هو يفحصها بعين خبير جائعة. كان يجيد اختيار صفقته. و لكنها رفضت. نفس الشيء الذي في داخلها واصل المقاومة. دون أي أمل رفضته، و عادت تعمل و تذاكر و تمارس الجوع. تحلم بأنه ذات لحظة ما .. سترفع رأسها و تدخل الامتحان و تنجح و تدخل الجامعة .. كانت في حاجة حقيقية إلى معجزة لم تستطع أن تحققها لنفسها."

كان ثمن المعجزة - كما تقول - فادحا، إذ دُفع من دم الأخ الذي ذهب إلى الحرب. صرفوا المكافأة المالية بعد موته فاستطاعت أن تجمع الكتب و أن تدخل الامتحان و أن تطأ قدماها عتبة الجامعة.

لم يكن كل ذلك ليثنيها عن المقاومة و الحلم، لكن الشيء الوحيد الذي لم تكن لتستطيعه هو التردد الذي أبداه عليّ حين اتهمها أحد مأفوني السياسة بالعمل مع المباحث. و لتسقط إذن يا قيصر:

- لقد ترددت ..
- ماذا؟ ..
قالت من بين أسنانها:
- عندما وجه إليّ الاتهام ترددت. لم ترد عليه على الفور، جزء منك كان يصدق .. جزء من عقلك كان يفكر.
- كذب يا فاطمة .. لم أشك فيك أبدا .. لقد قاطعتهم و جئت خلفك ..
- بعد أن فكرت .. كان يجب ألا تفكر .. يجب أن تكون ثقتك فيّ مطلقة .. لا تخضع لأي أهواء أو كلمات .. لقد ترددت يا علي .. و هذا فراق بيني و بينك.

قدرهما استنزاف اللقاء حد الفرقة، و استنزاف الفراق حد اللقيا. تروح أيام و تقبل أيام، و تموت أشياء و تولد أشياء، غير أنهما - في الحب - على موعد، فهُما - حتما - بالغاه.

في الفيلم الأمريكي Cold Mountain يذهب Jude Law إلى الحرب تاركا خلفه المحبوبة Nicole Kidman أسيرة الانتظار، و حين يعود بعد سنواتِ شغف تستقبله - أول الأمر - ببندقية .. هكذا تتم اللقاءات في زمن الحرب. و لأننا نعيش في زمنٍ مشابه .. زمنٍ - بتعبير بريخت - أسود .. فلا عجب أن يلتقي عليّ و فاطمة - للمرة الأخيرة في الرواية - في دار بغاء.

"تمت الدورة .. و انقضى كل شيء يا فاطمة .. يا غرامي الحزين"

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 05:52 AM
للتحميل

من قتل مريم الصافي (http://www.liillas.com/up2//uploads/files/liilasup2_3e0d5a4d84.rar)
لتمني لو حد قدر يلاقي المجموعه دي مطبوعه يقوللي و انا انزل اجيبها

احتضار قط عجوز (http://www.liillas.com/florist/pdf/me/ehtedar.pdf)

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 05:56 AM
يوم غائم في البر الغربي
الفصل الاول
ظهرت حافة النهر أخيرا، متعرجة ومليئة بأعواد البوص والأشواك الجارحة، أصبح الهواء باردا ورطبا، وأخذت أسراب من الطيور البيضاء تهيم فى دوائر متصلة، لكزت الأم الحمار الذى تركبه لتوقفه عن السير، تأملت موجات النهر الرمادية الداكنة، قالت:
لا أحد هنا، لقد أرشدنا إلى المكان الخطأ.

تقدمت عائشة بحمارها قليلا، لمحت القارب المربوط إلى جذع شجرة وهو يعلو وينخفض مع الموج، لم تقل شيئا، قطعت رحلة طويلة دون أن تعرف سببها، ظل الحمار يخب ويتعثر فى أحجار الطريق حتى آلمتها مؤخرتها، شاهدت بضع حمائم مستكينة من البرد فى جوف إحدى الأشجار، تمنت لو أنها تجد مثلها مخبأ بعيدا عن وجه أمها الجامد.

هبطت الأم من على الحمار، انحدرت مع ضفة النهر، اختفت خلف أعواد البوص، سمعت «عائشة» صوت لهاث، أحست بالخوف، هل يمكن أن تتبعها الذئاب من نجعها البعيد إلى هذا المكان؟ لم تستطع أن تألفها رغم كثرة ما رأتها وهى تحوم حولها، أو حتى وهى تتسكع طوال الليل تحت نافذتها، كانت أشبه بكلاب ضخمة، غبراء اللون، ألسنتها متدلية ولا تكف عن اللهاث، كيف يمكن أن تألف رؤية مخلوقات بهذا الشكل؟

ظهرت الأم من بين الغاب، أشارت إليها أن تهبط، ربطت عائشة الحمارين معا إلى إحدى الأشجار وسارت خلفها، دائما تسير خلفها، تنحدر فى ممر ضيق بمحاذاة الماء وهى تحاذر أن تجرحها الأشواك، ظهرت «العشة» المبنية من القش والطين، سمعت عائشة صوت «كركرة الجوزة» وشمت رائحة دخان «المعسل» صاحت الأم:
يا مراكبى.

لم يرد عليها أحد، تقدمت بثبات حتى وقفت أمام فتحة العشة، كان داخلها رجل نحيل داكن الجلد، يجلس مسترخيا و«الجوزة» فى يده وأمامه جذوات مشتعلة من الحطب، كان واضحا أنه لم يجب عليهما متعمدا، لم يكن يريد من يعكر عليه مزاجه أو يخرجه من مخبئه فى هذا الجو البارد، توقف عن شفط الدخان، نظر إليهما فى صمت، قالت الأم:
ــ نريد أن نعبر النهر.

نظر إليهما مستغربا، أطال النظر قليلا إلى وجه عائشة، هاله اتساع عينيها، والبريق الأخاذ الذى يشع منهما، قال:
من الجنون أن نحاول ركوب النهر وهو بهذا الغضب، عواد فى الغد.

قالت الأم فى إصرار:
لابد أن نعبر اليوم، لقد جئنا من سفر بعيد.
النهر غدار يا ست، وفى جو مثل هذا تستيقظ كل أرواح الغرقى وتخرج من شقوق القاع، لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يحدث؟
ارتعدت عائشة، تخيلت هذه الأرواح وهى تخرج باردة وشاحبة وحزينة وتحيط بهما، قالت الأم:
لو كنت بارعا كما يقولون فلن تأبه بهذه المخاوف، لن تعطيك هذه «الجوزة» سوى الدخان، ولكنى سأعطيك ريالا سلطانيا.

ولكن «المراكبى» كان يفكر بشكل مختلف، لو أنهما انصرفتا الآن فستختفى هذه الصبية من أمامه سريعا، ولن يتأمل هاتين العينين كما ينبغى، ولن يستمتع برؤية هذا الوجه على راحته، أمسكت المرأة بكم العباءة التى كانت تغطى جسدها، فكت عقدة فى طرفها وأخرجت من طياتها ريالا من الفضة، نظيفا ولامعا من الصعب أن تعثر على مثيل له وسط هذه النجوع المنعزلة، كانت معظم العملات يغطيها الصدأ والأوساخ، لا يعرف أحد إن كانت قد ضربت فى عهد سلطان هذه الأيام أو فى عصر محمد على الكبير، مد «المراكبى» أنامله مسحورا بالضوء الذى يشع منه، لم ير من قبل سوى القطع النحاسية الصغيرة، وفى أغلب الأحيان لم يكن يراها، لم يتعد أجره بضع حبات من الطماطم أو الخيار، أو بيضة واحدة، وضع «الجوزة» جانبا، وزاد من الحطب حتى تبقى النار مشتعلة، ونهض واقفا، بدا طويلا، عريض الكتفين رغم نحافته، سار نحو الشجرة وجذب الحبل، أصبح القارب أكثر قربا وثباتا إلى الشاطئ، التفتت الأم إلى عائشة وقالت لها فى حزم:
ــ اصعدى!

انكمشت عائشة وهى ترتعد من الهواء البارد، انتهز «المراكبى» الفرصة ومد يده وقبض على يدها، كانت باردة وصغيرة ويده خشنة وطويلة الأصابع، رفعت قدميها وخطت إلى القارب المتأرجح، التفت ناحية الأم ولكنها لم تمد يدها نحوه، أمسك بحافة القارب حتى استطاعت أن تصعد هى أيضا، فك الحبل، دفع القارب قليلا ثم قفز فوقه والماء يقطر من سرواله الواسع، أخذ القارب يعلو ويهبط، وزاد هذا من فزع عائشة، مالت على حافة القارب وهى توشك على التقيؤ، نظر إليها «المراكبى» وفى إشفاق وهو يقول:
لا تنظرى إلى الماء، انظرى للشاطئ الآخر، سيشعرك هذا بالأمان. رفعت عائشة رأسها، الشاطئ الآخر مازال بعيدا، تظهر عليه قمة الجبل الغربى، وقد أخفى الضباب كثيرا من تضاريسه القاسية، استدارت عائشة نحو «المراكبى» وعلى وجهها ابتسامة حزينة وممتنة، فكر فى نفسه: يا ربى، كيف خلقت هذا الجمال، من بطن هذه المرأة المتجهمة؟ ترى ما عمرها؟ اثنا عشر.. ثلاثة عشر.. أقل أم أكثر؟ كان جسدها يستعد لاستقبال سنوات النضج والتفتح، ونتوءا صدرها بدآ فى الظهور، تمنى «المراكبى» فى نفسه أن تسقط الأم فى الماء وأن يظل هو يجدف مع هذه الصبية حتى منبع النهر.

ومن بعيد تناهى صوت عواء غريب، قادم من الضفة الأخرى، كان هو الذئب نفسه الذى تبعها عبر هذه المسافة يقف على ضفة النهر، قال المراكبى مستغربا:
ــ لا ذئاب فى هذه الناحية، وهى لا تظهر فى النهار هكذا، من حظنا أن النهر بينه وبيننا.
اهتز القارب فجأة، وبدأت الموجات فى دفعه للدوران حول نفسه، تشبث «المراكبى» بالمجداف، وظهر على سطح الماء دوامات متتابعة، قال «المراكبى»:
ــ تشبثا بحافة القارب، كان يجب تجنب النهر فى لحظات غضبه.. لقد حذرتكما!

أصبح القارب خفيفا تلعب به الأمواج، والتقت عينا عائشة بعينى الذئب، رأت فمه المفتوح ولسانه المتدلى، وظل «المراكبى» يضرب الأمواج، يحاول أن يبعد القارب عن مسار الدوامات، صاحت الأم مرعوبة:
سوف تقتلنا.
ودفع المجداف مرة أخرى، كأنه يحاول أن يبعد الأرواح التى تدور مع الموجات، وحافظ القارب على توازنه وفق معجزة ما، دفعته موجة مفاجئة إلى مخاضة من نباتات ورد النيل، تشابكت حوله الجذور وحدت من حركته، غرس «المراكبى» مجدافه فيها وهو يلهث، قال لهما:
يمكنكما النزول هنا.
قالت الأم فى استنكار: تريد أن تغرقنا؟!
الأرض أقرب لكما مما تتصوران، لو بقينا فى القارب فسوف تتسع الدوامة وتبتلعنا جميعا.

نهضت عائشة، كانت خائفة من النهر ومن تجهم أمها، قفزت للماء بحركة مفاجئة، وجدت نفسها تقف على أرض رخوة وزلقة، أزاحت الأوراق المفلطحة وبدأت تشق طريقها للشاطئ سمعت صوت أمها وهى تقفز خلفها، ظلت تنزع قدميها من الطين لتضعها فيه مرة أخرى، قبضت على بعض الأغصان المتدلية لشجرة صفصاف عتيقة، نصفها فى الماء والآخر فى اليابسة، هى التى قادتها إلى الشاطئ، وتبعتها الأم، وظل «المراكبى» واقفا خائفا ممسكا بالمجداف، هتفت الأم فيه بصوت عال:
ستبقى هنا بانتظار عودتنا.

قال «المراكبى»: وإلى أين أذهب؟ فى النهر والدوامات وعلى الشاطئ الآخر الذئاب.
التفتت الأم إلى عائشة، كانت ترتجف، قالت لها بنفس الحزم:
ــ فلنواصل السير، وسيقوم الهواء بتجفيف ثيابنا.
كان الجبل قريبا من الشاطئ، سارتا وسط درب صخرى موحش، استطالت الرحلة حتى لم تعد تفضى إلى مكان، اصطكت أسنان عائشة، وحين ضمت ذراعيها حول نفسها اكتشفت أن البروز الذى فى صدرها يؤلمها أيضا، سبقتها الأم وأخذت تحت السير أمامها، وتعجبت عائشة: من أين جاءت بكل هذه القوة؟! وصلا إلى ساحة المقابر المقامة فى حضن الجبل، خليط من شواهد القبور والصلبان والأعمدة المهشمة التيجان، فتحات غائزة تؤدى إلى سراديب خفية داخل الجبل، كانت الريح تمرق من شق الجبل، وتحدث صوتا كالعويل، طافت الأم بعينيها تبحث عن شىء ضائع،

وظهرت عدة بيوت ضيقة محفورة فى الصخر، توقفت أخيرا أمام بيت صغير عليه قبة باهتة الطلاء، دقت على الباب الخشبى بكف قوية، كأنها توقظ أحد الموتى، بعد فترة طويلة فتح الباب، ظهر رجل عجوز محنى القامة، يرفع رأسه بصعوبة كأنه غير قادر على مواجهة ضوء النهار، كان السناج الأسود عالقا بلحيته وثيابه، قال مستغربا:
الجو بارد من أجل زيارة كهذه!.. ادخلا..

ترددت عائشة، أحست كأنها ستدخل إلى جوف مقبرة، ولكن الأم دفعتها من جديد، دخلت وسط عتمة خانقة، وسط عبق أدخنة الحطب والروث المحترق، جلستا تحت القبة التى كان يتسلل منها شعاع ضئيل من الضوء، نظر الرجل إلى ثيابهما المبللة، والتراب العالق بهما، قال:
أنتما قادمتان من سفر بعيد، هل الأمر يستحق؟..
قالت الأم وهى تشير إلى عائشة:
أريدك أن ترسم وشما على ذراعها.

قال الرجل: ما دام الأمر كذلك، دعينى أشعل بعض الضوء.
نهض ببطء، أمسك بعلبة من الصفيح يطل من قمتها طرف ذبالة محترقة، أشعلها بواسطة عود من الحطب، لم تضىء المكان كثيرا ولكنها بعثت فيه الحياة، قال:
لماذا تجيئان إلى باطن الجبل من أجل وشم صغير كان يمكن دقه ببساطة فى سوق الثلاثاء؟!
قالت الأم فى اقتضاب:
قالوا لنا إنك الأفضل، وعليك أن تثبت ذلك، ارفعى ذراعك يا..
وعضت على شفتيها قبل أن تنطق اسمها، وظلت عائشة ترتجف، ولكنها أزاحت الشال من على رأسها وكشفت عن ذراعها، كانت بيضاء بضة، لم تدمغها الشمس، قال الرجل:
وماذا تريدين أن تضعى على هذا الذراع الصغير؟

قالت الأم: ضع علامة الصليب المقدس، واكتب تحتها الاسم «مارى».
شهقت عائشة ونظرت لها بعينين واسعتين مليئتين بالذعر، لم تبال الأم بها، واصلت إعطاء تعليماتها للوشام:
أريده كبيرا وواضحا، ولكنه باهت، كأنه كان مرسوما على جلدها منذ سنوات، حقيقيا كأنها قد ولدت به..
هذا يتطلب كثيرا من الدقة، ولكنك جئت للرجل المناسب، من أين أنتما؟
قالت الأم فى سرعة: من «البياضة»!

كانت تكذب، ولابد أن الرجل قد أدرك ذلك، ظل يفحص ذراع عائشة، ليبحث عن أنسب موضع للوشم وهو يهمهم:
أنا أعرف أهل «البياضة» جميعا، أنا الذى رسمت كل صلبان التعميد على جلودهم، وأعرف أيضا أهل «البدارى» و«دير الجبراوى» وحتى «شطب»، من ملامحكما أستطيع القول إنكما من «بنى عدى» أو «بنى خلف» أليس كذلك؟!

حدقت عائشة فى عينى الرجل فوجدتهما تشبهان عينى الذئب المترصد على الشاطئ، تحاول اختراق العباءة التى تغطى جسدها، قالت الأم:
ــ أنت تكثر من الأسئلة أيها الوشام، ابدأ عملك وها هو ذا أجرك.

مرة أخرى أخرجت له قطعة الفضة السحرية، وتعجبت عائشة: من أين أحضرت أمها كل هذه القطع البراقة؟! عض عليها الرجل بأسنانه ليتأكد أنها ليست مزيفة، وضعها فى جيبه بعناية، أحضر لفافة فيها أدواته من أحد الأركان، قطع من المعدن يغلب عليها السواد، أطرافها المسنونة هى فقط التى تبرق، فتح علبة صغيرة فيها مادة داكنة نفاذة الرائحة، خليط من التوتياء ومساحيق مستخرجة من معادن الجبل، كان وحده يعرف سر خلطتها، أمسك ذراع عائشة فى إحكام، التفتت إلى أمها بعينين ممتلئتين بالدموع، وهتفت للمرة الأولى منذ الصباح:
يا أمى...!!

ولكن الأم نظرت إليها بوجه جامد، أحست عائشة بسن الإبرة وهو يخز جلدها، لم تصح ولم تبك، ولكنها كانت ترجو أن تخفف قبضته من عليها قليلا، قال الرجل:
حاولى الاسترخاء، كلما استرخيت قل إحساسك بالألم.

حولت عائشة وجهها بعيدا عن رائحة أنفاسه العطنة، تأملت الجدران المكونة من عروق الصخر، والسناج الذى يغطيها، زاد الألم فحاولت أن تنزع ذراعها، ولكن أصابعه ظلت قابضة عليها، اشتعلت نيران الألم فى جسدها كله فأخذت تبكى فى صوت خافت، ولم يتوقف الوشام، ظل يواصل قتل الخلايا بطرف مخرزه ويضع بدلا منها مزيج التوتياء ومعادن الجبل، احمر ذراعها، وبدأ اللون الأزرق يتسلل وسط تلافيف الخلايا، تذكرت عائشة فجأة لحظة الألم التى شعرت بها وأبوها يحدق فيها بعينيه الجامدتين، شهقت وتجمدت فى مكانها، فطن الرجال متأخرين إلى وجودها فى غرفة «الغسل» قبل أن يجروها بعيدا، كان سن الوشام المدبب قد أيقظ كل مكامن الألم فى داخلها، رحيل الأب، افتقاد حضن الأم، دخول رجل آخر إلى فراشها، سرى نوع من الشلل فى ذراعها وكتفها وجانبها الأيسر كله.

أخيرا ترك الوشام ذراعها، ولكن الألم ظل متواصلا، قال للأم:
ــ تأملى بنفسك، صليب رائع، فى أطرافه ثلاثة صلبان أخرى، سيتورم قليلا، ولكن بعد أن يزول الورم سيبقى الصليب مدى الحياة.

قالت الأم فى إيجاز: حان وقت الانصراف
نهضت عائشة خائرة القوى، أوشكت أن تسقط على الأرض، استندت إلى الحائط، نظر إليها الرجل فى إشفاق قال:
إنها فى حاجة إلى قليل من الراحة.
لا وقت لدينا.

عاد الهواء البارد يلفح وجهيهما، سارتا ببطء، كانت الأم تسندها فى صلابة. لم يكن هناك وقت للسقوط، ولا فرصة للراحة، عبرتا الصخور والفتحات الغائرة، بدت المياه الرمادية مرة أخرى، ولم تشعر عائشة بأى شىء وهى تسقط على الأرض.

هرع «المراكبى» نحوها، كان قد نجح فى جر القارب وربطه فى شجرة صفصاف، كانت الأم تلطم خدها بجوار الجسد المسجى، انحنى «المراكبى» دون استئذان رفع الجسد الهش بين ذراعيه، واتجه للقارب:
هذا يوم قاس، قاس علينا جميعا.

تأمل وجهها الشاحب، كأنها على حافة الموت، حملها باعتزاز، كانت الظروف قد أتاحت له فرصة أكثر مما كان يحلم، خاض الماء، وصعد القارب، ووضع جسدها المسجى، والتفت إلى الأم بنظرة لائمة، وجد الدموع تغطى وجهها، أخذ يجدف فى سرعة، من حسن الحظ أن الذئب كان قد انصرف، وخفت دوامات الماء، ظل يجدف فى حماسة، كان يدرك أن إنقاذها يعتمد على الوصول السريع إلى حمى العشة الدافئة التى يقيم فيها هبط المراكبى وحمل عائشة مرة أخرى وخاص فى الماء حتى وصل إلى باب العشة، وكان الحماران ينتظران فى صبر، ولم يكن حولهما ما يؤكل إلا الأشواك والعشب البرى، راقبته الأم فى صمت دون أن تجرؤ على الاعتراض، راقبته وهو يسجيها بجانب النار، زاد من إشعال الحطب، وحرص على دفع الدخان بعيدا، وعندما رأى انعكاس لهب النار على وجنتيها الشاحبتين، ابتسم فى رضا، وخرج من العشة وهو يقول للأم:
لن تستطيعا الذهاب بعيدا يا سيدتى وهى فى هذه الحالة.
قالت الأم: كنت أود أن تكمل طريقنا إلى أسيوط..
قال «المراكبى»: أين نحن من أسيوط؟ لقد أخطأت التقدير، محطة القطار بعيدة عن هنا، والحمير لن تتحمل هذه الرحلة

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 05:56 AM
تابع

توقفا عن الكلام لبرهة وبدأت الأم تعيد حساباتها، تركها الرجل وأخذ يدور حول الشاطئ يبحث عن بعض الأغصان الجافة، وبعض العشب الصالح لإطعام الحمارين، تحرك فى صمت متجنبا نظرات الأم التى تحدق فى الفراغ، كانت «العشة» تحمل رائحة رجل وحيد، كومة من الثياب المتسخة، ووعاء فخارى فيه بقايا قطع من الخبز، وفراش من القش كانت عائشة تنام عليه، وضع المزيد من الحطب، التفت للأم قائلا:
هناك قطار القصب.

أفاقت الأم فى شرودها وانتبهت له: أى قطار؟
موقفه قريب من هنا، إنه يسير وسط حقول القصب حتى «الحوامدية»، وهو يتوقف فى كل فترة ليجمع المزيد من عيدان القصب، المشكلة أنه قطار بطىء وحمولته خشنة وجارحة، وغير مسموح بالركوب فيه.

وكيف أستطيع الركوب فيه إذن؟
أنت سيدة الإقناع، يمكنك التفاهم مع الخفراء، ومع السائق، المهم أن تتحملا مشقة الرحلة.
نظرت الأم إلى جسد عائشة المسجى، كانت ماتزال مغمضة العينين، ولكن الزرقة انسحبت من خدها وحل بدلا منها حمرة باهتة، كانت الحياة تدب فيها بسكون، قال «المراكبى»:
لن يأتى القطار قبل الصباح، تأخر الوقت وأصبح الجو سيئا، يمكنكما البقاء داخل العشة، وسأبيت فى الخارج.

نظرت إليه الأم فى استغراب، لم تتوقع تلك الإيماءة من الكرم المفاجئ، نظرت نحوه بمكر فلاحى:
ليس معى المزيد من الفضة.

لم يرد عليها، مد يده تحت الفراش الذى تنام عليه عائشة وأخرج قرطاسا صغيرا من الشاى وآخر من السكر، كأنه يخرج كنزا ثمينا، وبدأ يدس «كوز الصفيح» المسود فى النار وهو يقول لها:
ــ ما أخذته منك يا سيدتى يكفى ويزيد، أنتما الآن ضيفتاى.

تأوهت عائشة وفتحت عينيها لبرهة، حدقت فيهما باستغراب، ثم عاودت إغلاق عينيها مرة أخرى، ولكنها كانت لمحة مبشرة، أعادت الطمأنينة إلى قلب الأم، دق قلب «المراكبى» وهو يرى هذا المس من السحر، ناول الأم كوبا من الشاى الثقيل، وأعد لنفسه آخر، وحاولت الأم أن تهز عائشة لتشاركهما ولكنها أدارت ظهرها لها، أخذ الاثنان يرشفان الشاى فى صمت، ثم قال «المراكبى» وهو يحاول أن يسلك صوته:
من الواضح أنكما من كرام الناس، ما سبب هذه الرحلة الشاقة؟
لا أعتقد أنكما هاربتان من شىء.

قالت الأم وهى تتنهد: الأمر معقد، أكثر من أن أشرحه لغريب عابر.
ربما كان من الأفضل أن تخففى عن صدرك مع غريب عابر، ولا يوجد أفضل من «المراكبى» الذى يعيش دائما بين شاطئين، لا أرض تخصه، ولا أهل يأوى إليهم. الماء هو موطنى، والسمك هو أهلى.

قالت الأم وهى تتنهد:
كل ما أستطيع أن أقوله إننى أبحث عن مكان آمن، حياة جديدة..
لم تقل له عن الترع والرياحات التى عبرتها هى و«عائشة»، ولا النجوع المنسية التى تجنبتاها، ولا شقوق الجبال التى مرقتا منها، لم تذكر له عن حليها التى باعتها لتوفر تكلفة هذه الرحلة، فقط وضعت كوب الشاى الفارغ وأسندت ظهرها لجدار العشة وأغمضت عينيها، ولاحظ «المراكبى» أنه رغم الغضون التى تملأ الوجه والجلد المدبوغ الذى يغطى الجلد فإن الأم والابنة متشابهتان إلى أبعد مدى، نهض فى بطء كما وعد وجلس خارج العشة، وتأمل أضواء بقايا النهار وهى تهبط وتذوب فى مياه النهر.

الليل فى مصر هو الأشد ظلمة من أى مكان آخر، خصوصا عندما يغيب القمر الشاحب، فالظلمة دائمة والضوء طارئ، تراكمت ذراته الداكنة على ضفاف الوادى عبر آلاف السنين، من حرائق أعواد الغاب لإبعاد التماسيح وأفراس النهر الجائعة، ومن قمائن الطوب التى تحرق الطمى، ومن توهج الفخار لصنع آنية الطعام والدفن، وأبخرة الشعير المتصاعدة عند تخمير الجعة، وشذرات الصخور التى يتم تقطيعها لبناء البيوت وسراديب المقابر، من ركام الجير الحى، والصهد المتصاعد منها على مدى الليل والنهار، ومن اشتعال سعف النخل والقش بحثا عن الدفء وطهى الطعام، وحرائق غيطان القصب لتتشرب الأرض ببقايا رماد الخصوبة، وإشعال البخور فى المعبد عند تقديم الأضاحى، وأدخنة المر والعطر واللبان، والمشاعل التى كان بناة الأهرام يشعلونها طوال الليل على مدى عشرين عاما، كل هذا صبغ الأرض بلون السواد، وجعل الليل كثيفا، حتى إن ريح الخماسين لا تقدر على إزاحته.

جلس «المراكبى» ضئيلا أمام رياح النهر الباردة، تأمل السحب الداكنة التى أخفت خلفها القمر والنجوم، استند إلى جذع نخلة، أحس بأليافها الخشنة وهى تغز ظهره، هناك شىء ما قد تغير، أحس فجأة بالوحدة والجوع كما لم يحس بهما من قبل، ضياع أيام العمر، وبؤس«العشة» التى يسكنها، وفقر الطعام الذى يتناوله، كأن وجود هذه الفتاة العديمة الحيلة، مجرد وجودها، قد غير كل شىء من حوله، تحسس القطعة الفضية فى جيبه، كانت هى تميمته، لن ينفقها أبدا لأنها ستذكره دوما بوجهها الصبوح، ومن المدهش أن هذه الخواطر ساعدته على احتمال البرد حتى الصباح.

كانت عائشة أول من استيقظ، رأت الأم النائمة، والنار الخامدة، أحست بالألم فى ذراعها فتذكرت ما حدث بالأمس، نهضت وهى تترنح من الجوع، خرجت من العشة فرأت «المراكبى» وهو مكوم عند جذع النخلة، أحس بوجودها ففتح عينيه، وجدها واقفة تتأمله فى صمت، بدا وجهها شاحبا وجميلا وحزينا، لم تكن تدرى أنه حملها على ذراعيه، وأنه انتهز الفرصة وضمها إلى صدره قليلا، خفية عن عين الأم، قال لها:
هل أنت بخير؟ هل نمت جيدا؟
أومأت برأسها وأعطته ابتسامة صغيرة، خرجت الأم من «العشة» متعجلة وهى تقول له:
فى أى اتجاه يوجد قطار القصب؟ هل هو بعيد؟
أشار «المراكبى» إلى الاتجاه المطلوب وهو يشعر بالخيبة، قال:
إنه ليس بعيدا عن هنا، مسافة بسيطة.

قالت الأم وهى تشير إلى الحمارين:
سأترك هذين الحمارين أمانة عندك، وسأرسل لك مرسالا لاستعادتهما.
على عينى يا ست.
أخذت عائشة من يدها، وسارتا مبتعدتين، ولوح «المراكبى» بيده فى حزن، ظل الهواء يحرك عباءتيهما السوداوين حتى اختفتا عن أنظاره.

لم تكن غيطان القصب بعيدة عن شاطئ النهر، كانت جرداء، تم قطع الأعواد المسكورة، وظلت جذورها متشبثة بالأرض، فى انتظار أن يتم إحراقها لتتحول إلى رماد أسود مشبع بالأملاح، ويشهد الرماد معجزة صغيرة حين تبرز من بين طبقاته رءوس خضراء جديدة، القصب الذى تم جزه كان مربوطا فى حزم متفرقة، كل واحدة مربوطة بأوراق القصب الطويلة الخشنة، كان يتم جدلها قبل أن تجف، جلستا وسط الحزم المتراصة، كان المكان خاليا من الناس، والقضبان الحديدية النحيفة تسير متعرجة عبر الحقل وتختفى عند حافة الأفق، ولم يستيقظ الخفراء بعد، وكانت هناك أشعة ضعيفة من الشمس وبعض من الدفء، قالت عائشة:
ــ أنا جائعة يا أمى، وأحس بالدوار.

شدت الأم أحد أعواد القصب ونزعت الأوراق التى تحيط به فى قوة، وكسرته إلى عقل صغيرة، لم تبال بالجروح الصغيرة التى أحست بها فى يدها، واستخلصت اللب الناصع البياض تقدمه لعائشة التى همست:
ماذا لو رأونا؟!
قالت الأم وهى تنزع اللحاء بأسنانها: سأتصرف معهم.

بدأت «عائشة» تمص القصب، أحست بالعصير المسكر فى حلقها، انتفض جسدها كأن مددا من الحياة ينساب داخل مسامها، بدأت الحركة تدب فى المكان، أمسكت الأم بيدها واختفتا خلف دغل صغير، ظهر بعض من عمال التراحيل وهم يتصايحون بعضهم على بعض، أخذوا يحملون حزم القصب ويضعونها قريبة من القضبان، ظلتا تراقبانهم فى صمت، وأخيرا دوى صوت صفارة حادة، ارتجت الأرض الساكنة، وحمل الهواء رائحة الدخان، ظهر القطار، لم يكن كبيرا كما اعتقدت «عائشة»، تتقدمه قاطرة سوداء اللون تتنفس كمية كبيرة من الدخان تفوق حجمها، ويجر خلفه عددا من العربات محملة كلها بالقصب إلا العربتين الأخيرتين، توقف القطار، وقفز السائل منه وأخذ يتحدث مع العمال فى صوت عال، بدأت عملية التحميل، كانت «عائشة» تتأمل كل هذا وهى مفزعة، هل يمكن أن يكون لها مكان وسط هذه الحزم الجارحة؟

بدأ المكان يخلو تدريجيا من حزم القصب، أنهى السائق حواره الصارخ مع العمال وبدأ يستعد للعودة إلى القاطرة، أطلق صفارة تحذير حتى يبتعد الجميع عن القضبان، بدأت العجلات تزأر فوق القضبان الصدئة، نظرت «عائشة» إلى أمها فى يأس، ولكن الأم كانت على استعدادا لأى نوع من المجازفة، جذبتها من يدها وأخذتا تعدوان معا نحو العربة الأخيرة، نظر إليهما العمال فى دهشة، صاح واحد منهما فى دهشة:
ــ ماذا تفعلان؟! ممنوع ركوب هذا القطار.

وقف بعض الرجال فى طريقهما، فردوا أذرعتهم ليقطعوا عليهم الطريق، فى هذه اللحظة ظهر الذئب، لا يدرى أحد من أين جاء، ولكنه أخذ يعدو بين سيقان الرجال كأنه هو أيضا يريد اللحاق بالقطار، ابتعد الرجال فى فزع، حتى الذين كانوا يسدون الطريق أخذوا يتقافزون مبتعدين، وزادت عائشة وأمها من سرعتهما، أمسكتا بالعربة الأخيرة، قفزت الأم أولا، ثم مدت يدها وانتزعت «عائشة» من الأرض، ضربتهما الأوراق الخشنة وملأت وجهيهما بالخدوش، ترك الذئب الرجال وأخذ يعدو بجانب القطار، ظل يواصل العدو حتى أصبح بجوار السائق، نظر إليه السائق فى فزع، وزاد من سرعة القطار، توقف الذئب وقد أنهى مهمته، وظل واقفا مفتوح الفم، متدلى اللسان، حتى بدت «عائشة» وهى تطل عليه وتلتقى بعينيه الحزينتين.

لم يتوقف السائق، لم تكن هناك حمولات إضافية من القصب، وظلت العربة الأخيرة تقعقع وهى ترتفع وتنخفض بهما، لم تكن الرحلة مريحة، وكان فزعهما يزداد كلما عبر القطار إحدى الترع أو الرياحات، لحظتها كانتا تشعران بأنهما معلقتان بالفراغ، لا توجد أى معالم تحيط بهما، كان فزع عائشة يزداد وهى تراقب المصارف المالحة أسفل القطار، وتتمنى ألا تموت مختنقة فى أى منها.

بعد سير طويل، بدا كأن النيل يتسع والجبل يقترب، وأصبح القطار يسير وسط حيز ضيق من الأرض المزروعة، زادت سرعته وهو ينحدر إلى أسفل، ظهرت البيوت الطينية والمآذن الحجرية من بعيد، وتنفست «عائشة» الصعداء أخيرا.
فى أسيوط يضيق الوادى، ويقترب الجبل ويمتلئ بالمطاريد، وتتشكل الصخور فتصبح أشبه بعمود فقرى، يربط الشمال بالجنوب، لذا فليس غريبا أن تبدأ فى أسيوط أولى محاولات الوحدة بينهما، وتغرس فيها أولى بذور الفتنة، مثلما انطمرت المومياوات، وقطع الفخار، وبقايا القلعة التى بناها الملك مينا.

لم يدخل القطار أسيوط، توقف فى ساحة واسعة خارجها، تتجمع فيها كل حزم القصب القادمة من مختلف مدن الصعيد، وتنتظر لتأتى قاطرة أكثر قوة، تحملها كلها إلى مصنع السكر فى الحوامدية، وسط زحام التدافع والتحميل، استطاعت الأم وعائشة أن تتسللا مبتعدتين، وظل السائق المذعور جالسا فى مكانه خوفا من أن يظهر له الذئب مرة أخرى.

سارت الأم بثقة فى شوارع أسيوط، هذه هى المرة الأولى التى ترى فيها «عائشة» مدينة بهذا الاتساع وكل هذه الحركة، وكانت الأم أكثر خبرة ودراية بالشوارع، تعرف المكان الذى تقصده وتتجه إليه من دون تردد، رغم التعب والإنهاك بدا أنها تسابق الزمن، سارت وهى قابضة على ذراع «عائشة» كأنها تخشى أن تضيع منها وسط زحام المارة والدكاكين والطباب والشحاذين، كانت الشوارع ترابية، غير مرصوفة، ممتلئة بالعربات التى تجرها الحمير والبغال، ويسير فيها الفلاحون والصعايدة والخواجات وجنود الإنجليز بملابسهم الكاكية اللون.

توقفنا أمام مبنى ضخم، من حجر ناصع البياض، يحيط به سور من أعواد الحديد، ويعلوه برج عال داخله جرس نحاسى متألق، كانت كنيسة، ولكنها فخمة ونظيفة وليست مثل الكنائس الطينية الموجودة على أطراف النجع، تنهدت الأم فى ارتياح، وظلت عائشة تحدق فى المكان وهى مبهورة الأنفاس، كانت هناك لافتة مكتوبة بخطوط سوداء، ولكنها لم تكن تعرف القراءة ولا الكتابة، هرعت الأم فى لهفة إلى البوابة الحديدية، كانت مغلقة، تشبثت بها وأخذت تهزها، صرخت تنادى: يا من هنا! ولكنها لم تتلق ردا، وفكرت عائشة هل هذه نهاية رحلتنا؟ هل نعود؟ ولكن الأم لم تكن لتستسلم بسهولة، ظلت تدور، تبحث عن ثغرة تنفذ منها، شاهدت فى الركن من داخل البوابة حبلا متدليا، أدخلت يدها بين الأعواد الحديدية وجذبته بكل قوتها، رن صوت جرس معدنى، أشبه بصرخة استغاثة وسط هذا الصمت، جذبته أكثر من مرة، وظل الجرس يواصل الطنين، توسلت عائشة إليها:
هذا يكفى يا أمى.
قالت الأم: يجب أن يعرفوا أننا هنا، وأننا نحتاج إليهم.
وأخيرا ظهر من آخر الفناء شخص قادم، شاب طويل القامة، له شارب كث، ويضع على رأسه عمامة صغيرة، بدت على وجهه علامات الانزعاج.

ماذا تريدان؟
قالت الأم: أتوسل إليك، لقد جئنا من سفر بعيد، وكل ما نريده هو أن نقابل الأم الرئيسة.
إنها مشغولة، ومن المستحيل أن أزعجها، ثم إنها لا تقابل أحدا من دون ميعاد.
وقبل أن تقول الأم أى كلمة إضافية استدار ووضع حبل الجرس بعيدا عن متناول يدها وانصرف مبتعدا، تقافزت الأم، وأخذت تنادى عليه، لم يلتفت خلفه حتى اختفى عن أنظارهما، صاحت الأم فى حنق وضربت الباب بقبضتها، قالت عائشة فى خوف:
هل سننصرف؟
قالت الأم من بين أسنانها:
من الذى تحدث عن الانصراف؟ سننام أمام البوابة.

جلستا على الأرض وظهرهما إلى القضبان الحديدية، وتأملها بعض المارة بنظرات عابرة، ظلت «عائشة» تنظر إلى وجه أمها، تنتظر منها تفسيرا لهذه الرحلة الشاقة، صعدت الشمس عاليا، ثم بدأت فى الهبوط، أحست عائشة بالجوع والعطش ولكنها لم تجرؤ على الشكوى، وكان المبنى صامتا، لا يصدر منه حس ولا حركة

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 05:57 AM
تابع
سمعتا صوت أحد الأبواب وهو يفتح، نهضتا معا، لم يكن الصعيدى هو القادم هذه المرة، كان شخصا ضئيل الحجم، يرتدى عباءة سوداء، ويسير بطريقة غريبة، كانت امرأة، ثوبها الواسع منسدل على جسمها ويحف بالأرض، تضع ذراعيها أمام صدرها وقد أدخلت يدها فى كم اليد الأخرى، توقفت أمامهما ورفعت وجهها، تأملتها عائشة فى دهشة، كانت «خواجاية» ترتدى زى الراهبات، وجهها مستدير، مشرب بحمرة خجولة، وعينان زرقاوان واسعتان، نظرت إليهما من بين القضبان فى امتعاض، ولابد أنها حسبت أنهما شحاذتان قالت بهلجة عربية متكسرة:
ماذا تريدان؟.. لا يوجد ما نقدمه!
أمسكت الأم بالقضبان وهى تهتف فى توسل:
نحن فى عرضكم، جئنا من سفر بعيد ولا نستطيع العودة، سدت من خلفنا كل الطرق، ولابد أن إقبال السيدة الرئيسة.
ــ نحن لا نستقبل عابرى السبيل.
تراجعت الأمن قليلا، ثم أشارت لعائشة وهى تقول:
لا أفعل هذا من أجلى، ولكن من أجل هذه الصغيرة.

أدارت «الخواجاية» رأسها وتأملت عائشة، رأت علامات التعب والجوع وخيبة الأمن بادية بوضوح على وجهها، واصلت الأم القول:
إنها مهددة بالموت، ولو رددتنا من أمام هذا الباب فسوف تموت حتما.

بدا الفزع على وجهها وهتفت: صدقا؟..
ــ أقسم بالمسيح على ذلك
ترددت «الخواجاية» قليلا، أدخلت يدها فى فتحة ثوبها وجذبت خيطا مربوطا فيه مفتاح كبير، لا يمكن تصوره معلقا فى رقبة أحد، أدارته فى الباب، وساعدتها الأم بدفع البوابة من الخارج، وقفزت قبل أن يدعوها أحد للدخول. سارت «الخواجاية» فى المقدمة، وجذبت الأم عائشة حتى تلحقا بها، اتجهتا إلى المبنى الضخم الذى يعلوه البرج، دخلتا من الباب إلى قاعة رطبة معتمة، بدأت عائشة ترتجف، أشارت «الخواجاية» إلى مقعد خشبى مستطيل وهى تقول:
انتظرا هنا.

استندت عائشة إلى ظهر المقعد، كانت الجدران عالية، لا توجد فيها إلا نافذة قوية من السقف عليها زجاج ملون، هى مصدر الضوء الوحيد، مرسوم على الجدران صور غريبة، أشخاص، وبلدان وسفن ضخمة، كل شىء كان يترقبها فى جمود وصمت، أمسكت الأم بكتفيها حتى تتوقف عن الارتجاف، قالت بصوت بارد:
تماسكى يا بنت، وصلنا إلى نهاية رحلتنا، فلا تفسدى كل شىء.

أوشكت عائشة أن تبكى، قالت فى صوت مرتعد:
لا أدرى ماذا تنوين أن تفعلى بى؟
سأقول لك بعد أن ينتهى كل شىء.
توقفت عن الكلام عندما سمعت صوت خطوات قادمة، ظهرت «الخواجاية» وأشارت إليهما أن يتبعاها، سارا فوق أرض خشبية، نظيفة ولامعة كالمرآة، كانت الجدران أيضا مكسوة بخشب لامع، وكانت عائشة ترى انعكاس ظلها وهى تسير، توقفت أمام باب آخر مغلق، وطرقت الباب بلطف، ثم دخلت وهما خلفها، كان فى الغرفة أيضا نافذة وحيدة، وصلب ضخم معلق وصورة لامرأة تحمل طفلا، ومكتب ضخم يتوسط الغرفة، تجلس خلفه امرأة عجوز ترتدى هى أيضا زى الراهبات.

فوجئت عائشة بأمها تترك يدها وتنبطح بكامل جسمها على الأرض، ظنت «عائشة» أن جسد أمها قد خانها أخيرا، وأن تماسكها المؤقت قد انتهى، ولكن الأم فردت ذراعيها وضمت ساقيها ونكست رأسها حتى أصبحت على هيئة صليب، أصيبت الراهبة الموجودة خلف المكتب بالفزغ، نهضت، بدا جسدها أكثر ضخامة، قالت بلغة عربية تشوبها لكنة غريبة:
ــ هذا لا يليق.. ارفعى رأسك وانهضى.

قالت الأم ووجهها مازال منكفئا
لا أستطيع يا سيدتى، ليس قبل أن تستجيبى لطلبى وتنقذى ابنتى.
نحن لا نفعل ذلك إلا أمام المذبح، لا أحد يسجد للبشر، انهضى وأخبرينى ماذا تريدين.
نهضت الأم ولكنها ظلت جالسة على الأرض، كانت الدموع الغزيرة تغطى وجهها، لا تدرى عائشة من أين أحضرتها، أشارت الأم إليها وهى تقول:

أريد أن تنقذى حياة ابنتى، الموت متربص بها.

نظرت المرأة إلى عائشة بوجهها الذى يشبه الوجوه المرسومة على جدران المقابر، قالت:
أى موت؟
نحن من أسرة مسلمة عريقة، ولكننا تنصرنا، اخترنا طريق المسيح..
شهقت الراهبتان، الكبرى والصغرى، فلم تسمعا شهقة عائشة، الأم وحدها هى التى ظلت متماسكة وهى تواصل الحديث:
كانت لحظة من نور يا سيدتى، جاءت سيدتنا العذراء ما بين الحلم واليقظة، وتجلت لى، ولم يكن أمامى إلا أن أتبع طريقها.

بدا القلق على وجه الراهبة العجوز، كانت القصة مبتذلة إلى درجة لا يمكن تصديقها، وشعرت الأم بذلك فالتفتت إلى عائشة وهى تقول فى حزم:
اكشفى عن ذراعك.
كان صوتها قد استعاد بعضا من نبرته المسيطرة، شمرت عائشة الثوب فبدا ذراعها المتورم، وبدت نقاط الصليب مغروسة فى الجلد، كانت بشعة ومؤلمة خصوصا بالنسبة لهذه الذراع الصغيرة.
ولأول مرة تدخلت الراهبة الصغيرة، قربت وجهها من الذراع الملتهب وهى تهتف:
ــ ما كل هذا التورم والاحتقان؟!
قالت الأم: لقد حاول أهلنا سلخ الصليب من على جلدها، ولو لم نهرب لكانوا قد قطعوا الذراع كلها.
تراجعت الراهبة الصغيرة فى رعب وهى ترسم علامة الصليب على صدرها، ضمت يدها لصدرها وأخذت تبتهل فى صمت، وعيناها الواسعتان تلمعان فى شدة، قالت الراهبة الرئيسة:
أنتم فعلتم هذا الوشم بطريقة وحشية أيضا.. احفظنا يا رب..

وعلى الرغم من أن عائشة قد غطت ذراعها إلا أن تأثير المنظر ظل باقيا، لمست الأم ركبة الرئيسة بلمسة خفيفة وقالت بصوت خافت: أنقذيها يا سيدتى، ضميها إلى مدرستك، أعطيها الفرص لتتعلم وتنقذ حياتها فى الوقت نفسه.

قالت الرئيسة فى ضيق: ليست هذه مهمتنا، إننا مجرد مدرسة أمريكية فى أرض غريبة لا يجب أن نقحم أنفسنا فى المشاكل الداخلية، لا يوجد هنا إلا بنات الأسر القبطية، لا مكان عندنا لهاربات.

نظرت الراهبة الصغيرة إلى عائشة فى وقفتها الذليلة المنكسرة، لم تكن تعلم أن الأم قد أضنتها جوعا وسيرا حتى تبدو على هذه الهيئة، تقدمت الراهبة الصغيرة من الأم الرئيسة، تحدثت معها بلغة غير مفهومة، نظرت إليها الأم فى استنكار، خفضت وجهها فى خجل بالغ وعادت إلى ركن الغرفة، ولكن الأم أحست أن شيئا ما قد تغير، تنهدت الرئيسة وأشارت إلى عائشة وهى تقول:
ما اسمها؟
قالت الأمن فى سرعة: أطلقى عليها أى اسم، لم يعد اسمها القديم لائقا.
ألا يوجد معكما أى أوراق؟
فى نجعنا النائى لا توجد أى أوراق، نحن نولد ونموت دون أن يدرى أحد بوجودنا.
نظرت الرئيسة حولها فى حيرة:
أليس معكما أى حقائب أو ملابس؟
نحن هاربتنان يا سيدتى، لم نستطع أن نحمل أى شىء حتى لا نلفت الأنظار إلينا.

سكتت الأم الرئيسة، تأملت وجه الراهبة، والصليب المعلق، وأيقونة العذراء، ثم قالت:
لا أدرى ما أفعل (أشارت إلى الراهبة الصغيرة التى كانت تعض على شفتيها فى خجل) الأخت مرجريت تقول إننا يجب أن نساعد الأرواح الهائمة، ولكننا جئنا هنا لنساعد المسيحيين، ولا نريد أن نكون طرفا فى أى نزاع أو فتنة، وليس لنا شأن بالمتحولين ولا الهاربين، لا نريد أيضا أن نثير المسلمين ضدنا، هذه الابنة المسكينة قنبلة يمكن أن تقوض مهمتنا هنا.
قالت الأم:
جئت لأنقذ ابنتى، وليس لإثارة الشقاق، وجودها هنا سر.. سوف أحمله معى إلى القبر.

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 06:00 AM
من جريدة المصريين
قمر على سمرقند ـ د.أيمن محمد الجندي

د.أيمن محمد الجندي : بتاريخ 21 - 10 - 2008 الدنيا حظوظ !! أراهن أن تسعين في المائة من القراء لم يسمعوا باسم المنسي قنديل من قبل ، أو سمعوا عنه ولم يعرفوه بالدرجة الكافية ..يبدو أن قدر الرجل أن يحمل نصيبا من اسمه فهو المنسي وهو القنديل !! .. أو يحتاج الأمر إلى أن يموت لنعرف قدره ، ونقول بعدها : سبحان الله !!، كان لدينا كاتب بحجم العمالقة لكنه جاء في الوقت الخطأ ، حينما أصبحت العلاقات العامة – لا الموهبة - هي كل شيء ..لو ظهرت أم كلثوم في هذا العصر لباعت المناديل الورقية في إشارات المرور !.
حينما أقارن بين المجد الذي ناله علاء الأسواني من روايتين مثيرتين للجدل ، وبين انطفاء المنسي قنديل إعلاميا يصيبني الدوار، ويملؤني اليقين أن الموهبة لا تقاس بالشهرة ..لا يعني هذا قدحا في موهبة علاء الأسواني الأصيلة والحقيقية ، لكنه ذكي !! اتجهت بوصلته إلى الغرب بعد أن فهم خلطة النجاح وأتقنها ( دين – سياسة – جنس ) فيما عكف قنديل المسكين على العمل الدؤوب في بطء وصمت ..مع ( الأشتغال ) على اللغة غير المعقولة ذات الطعم واللون والرائحة ..تنقل لك الحدث وكأنك تعيشه ..في داخله بالضبط ..
رواية ترى وتشم وتتذوق !! ، هل هذا معقول ؟ ، هذا – ببساطة – ما استطاع أن يحققه في رواية " قمر على سمرقند " .
......................
لم تكن مجرد مسافة تقدر بالكيلومترات قطعها " المنسي قنديل " من طشقند إلى سمرقند ، بل رحلة - عبر الزمان والمكان - إلى قطعة من تاريخنا العزيز الذي أهملناه طويلا جدا ..
"على " و "نور الدين " ، الأول مصري والثاني سمرقندي .. رفيقا تلك الرحلة المدهشة ..جمعتهما المصادفة في سيارة تاكسي يقودها نور الدين إلى سمرقند حيث يبحث " علي " عن "رشيدوف " صديق أبيه القديم .
يصف لنا نور الدين بدقة ، وكأننا نراه : صوته العميق وملامحه المملوكية ، لحيته الحمراء وعينيه الزرقاوتين ، ملامحه الغريبة وكأنها رسم خيالي لصور الأسلاف !!..يهيمن بقوة غير محدودة على رفيقه المصري وعلى السيارة المتهالكة التي تعود إلى عصر الشيوعية ..
رجل يشتمل على كل تناقضات التاريخ : القدسية والغواية ، التدين والمجون ..وعربية ناصعة محكمة تراعي مخارج الحروف ، ووعي مستفيض بتاريخ تلك البقعة الأسطورية التي حكمت العالم الإسلامي قرونا طويلة ..على خلفية من خضرة زاهية منبسطة وحقول قطن متوهجة تبدأ رحلتنا الخيالية إلى سمرقند .
............
أيام غريبة – وكأنها حلم - سنقضيها في صحبة نور الدين دليلنا إلى عالم ما وراء النهرين الذي يختبئ فيه التاريخ خلف كل قطعة حجر ..سنأكل معه الأرز البخاري الأصفر كالكهرمان مع أطباق المرق واللحم ، ونشرب أقداحا من لبن الخيل ، ونشاهد خليط الدماء الأسيوي : التتار والكزاخ والطاجيك ، ونقع في غرام نهر "آموداريا " الذي من أجله – مع أخيه "جحيون " سميت بلاده ب" ما وراء النهرين " .. نتأمل التاريخ المهيمن عبر موجات النهر المتدفقة ، ونشاهد رحلة النخاسين بالمماليك الصغار - مشدودي الوثاق - عبر وديان أسيا الوسطى تراودهم أحلام مكبوتة بتيجان مملوكية تعوض لحظة المهانة التي شهدها هذا النهر . سنستمع إلى صهيل جياد التتار وهم يتجمعون للسيطرة على العالم ، ونشاهد قوافل الحرير التاريخية في طريقها الطويل إلى بغداد ..ونخترق الزمان لنشاهد أصل الأسطورة : " عائشة بيبي " الغجرية الحسناء التي وقعت في غرام فارس مغولي جريح راحت تضمد جراحه قبل أن تكتشف أنه الخان الأعظم الذي قبض على أطراف العالم .. تبعته دون أن تعرف هل أتخذها زوجة أم سبية ..لكنها حين ماتت أقسم الخان ألا يمسن امرأة ، وشيد لها تحفة معمارية في صورة قبر يشهد على حبه العظيم .
................................
سنشاهد البوابات الحجرية والتاريخ المبعثر ..وضريح الإمام بخاري عند صف من أشجار البلوط وروائح السفرجل ..بابه مكسو بالرخام ومزين بالنقوش الدينية .. لم يكن مجرد قبر أو مدرسة أو حتى تكية ، بل هو "ميرعرب" أكبر مؤسسة دينية في وسط آسيا ، قضى فيها نور الدين أيام البراءة الأولى أثناء دراسته قبل أن يغلقها الشيوعيون بعنفوان القوة وغواية السلاح .
كان القرار الذي تلقاه شيخ ميرعرب الأكبر صارما ولا رجعة فيه : " يمنع استخدام اللغة العربية منعا باتا في تدريس العلوم الدينية والدنيوية والمراسلات ، ويستبدل بالحروف السيرليكية المعتمدة في عموم جمهوريات السوفيت " .على الشيخ الأكبر وقع عبء المواجهة ، لكنه لم يتردد ، صاح بأعلى صوت : " هذا اعتداء على الإسلام ، لا دين بغير لغة ، ولا قرأن بغير العربية ..اللعنة على البلاشفة الملحدين " .
وتردد الهتاف المتحدي وسط جدران لم تسمع - طيلة وجودها الطويل- سوى ذكر الله . فتح الطلاب المصاحف وراحوا يقرءون القرآن بصوت عال عله يزيل ما في آذن القومسير السوفيتي من صمم ..هيمن الصوت البشري على عالم الأحجار ، وحتى المطر توقف من الدهشة ..انفرجت وجوه الباعة عن ابتسامة مستغربة ، واستكملت المدينة القديمة يقظتها ، وانطلق الاحتجاج كسحب الشتاء الداكنة .
رغم السنوات الطوال لم يستطع نور الدين أن يمحو هذا المشهد من ذاكرته : شاحنة الجنود بخوذاتهم المعدنية وبنادقهم سريعة الطلقات تحاصر المؤسسة العريقة .. الأيام تمر والمؤن تنفذ والطلبة يتسللون فرادى وقد هزمهم الجوع والتعب.. نور الدين يتطوح متحاملا على نفسه صاعدا إلى الشيخ الأكبر في الطابق العلوي ، ليجده ميتا من الجوع والحزن ..يلمسه فيختل توازن الجسد وتسقط العمامة !!.
سمرقند ، أيتها الشاهدة على مجد قديم ، ما أكثر الغزاة الذين مروا بك وأحرقوا الأخضر واليابس ، سمرقند !! ، ما أشجع شهدائك الذين ماتوا وهم يسدون ثغرة !!.
سمرقند ، ما أقل الحالمين وأقصر أعمارهم ، وأشد ارتفاع الطيور وأوهن أجسادها !!، وأثقل السحب وأشح أمطارها !!.
سمرقند !!.آه يا سمرقند !!.
....................
وكأن في المدينة شيئا غامضا يدفع الحائرين إلى البحث عن ذواتهم الحقيقية ، عن صلح عزيز مع نفوسهم المتخاصمة ..كل الأبطال بلا استثناء يعانون من قلق وجودي عميق ، وجميعهم يستردون ذواتهم الضائعة بين أحضان المدينة ." علي " الذي تعقدت حياته بسبب علاقته المتشابكة مع أبيه الضابط الكبير صاحب النفوذ السياسي السابق..لم يعرف كيف يحلل عواطفه المعقدة نحو أبيه..هل يحبه أم يكرهه ؟ ، يفخر به أم يخجل منه ؟ يهرب من ذكرياته أم يستعيد ذكراه ؟ ، صراع سلطة دفع ثمنه : قتلوه وأشاعوا خبر انتحاره ..لم يعد قادرا على الحياة في سلام دون أن يجلو غموض مصرعه . من أجل ذلك قام برحلته إلى صديق أبيه السمرقندي الذي خدم في الجيش المصري في حقبة الستينيات ..نصحه رشيدوف أن ينسى لحظاته التعسة : " في مثل حالتك يصبح الماضي حملا ثقيلا لا تستطيع مواصلة الحياة وأنت تحمله ..وسواء قتلوا أباك أو أنتحر ، عرفت سرا أو عثرت على وثيقة تجلو مصرعه فالنتيجة واحدة..هل ستلعب دور المنتقم ؟ ومع من وقد تغير الزمن واستبدلت الوجوه ؟ ..كان صراعا للسلطة لم يربح فيه أحد ." .
وفي الوقت نفسه كان رشيدوف يبحث عن طريقة لاستعادة ابنته التي أخذتها سمرقند في لحظة فقدان هوية بعد انهيار الشيوعية وتفشي الفساد..ضلت طريقها ..لم تعد الفتاة القديمة الهادئة ، فرت مع عصابة أوغاد لتدمن المخدرات وتحترف الدعارة ..عهد قطعه " علي " على نفسه أن يعيدها للأب العجوز الذي لا يؤنس وحشته سوى صورتها القديمة ، بابتسامة عذبة ووجه لا ينبأ بالمصير المنتظر ..كلفه ذلك أن يتردد على أوكار الليل مخاطرا بنفسه لكنه كان سعيدا برد الجميل إلى الصديق القديم .
وحتى نور الدين بحيويته العارمة كان يبحث عن ذاته الحقيقية، ولطالما تساءل بينه وبين نفسه من هو نور الدين الحقيقي : هل هو طالب العلم القديم في ميرعرب أم المنصهر الأبدي في أجساد النساء !!؟ ، سائق الطريق أم الإمام المبجل في مقام البخاري ؟ ، بطل محرض على العصيان أم عميل خفي للسوفيت ؟ ، مجموعة متناقضات اجتمعت معا لتصنع غربته وغرابته : روح وجسد ، دين ودنيا ، عز وصعلكة ..شهم ووغد ..إمام وقواد ..لكنه كان حقيقيا في كل أحواله ، باحثا عن ذاته الضائعة مثل سمرقند نفسها ، وكل أسيا الوسطى ، وبلاد ما وراء النهرين التي أستعمرها السوفيت قديما ، ثم تركوها للفراغ فراحت تدور حول نفسها ، تبحث عن ذاتها ، عن هويتها الحقيقية .
...................
ويبقى " محمد قنديل المنسي " بمثابة القمر الحقيقي الذي أضاء ليل سمرقند ليذكرنا بجزء غال من تاريخنا القديم ..وأخوان لنا زرق العيون ، ناصعي البياض ، يتساءلون لماذا نسيهم إخوانهم العرب بعد أن كانوا ملء العين والخاطر ؟

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 06:02 AM
قمر علي سمر قند (http://mk-mk.facebook.com/topic.php?uid=25777528762&topic=7489)

تعرفت على الدكتور محمد المنسي قنديل وأنا على أعتاب المرحلة الثانوية، من خلال قراءتي لرائعته الروائية الأولى (انكسار الروح)، وقد بكيت أثناء قراءتها مرتين أو أكثر، لما حوته من تفاصيل إنسانية عميقة مزجت الواقع بالتاريخ والفانتازيا، من خلال قصة علي وفاطمة اللذين تنكسر روحهما مع انكسار وطن بالكامل عبر أعوام الحلم والنكسة، والرواية حتى الآن محفورة في روحي، وهي الرواية الوحيدة تقريبًا التي أعدت قراءتها أكثر من مرة، وأظنني سأفعل مرة أخرى، فهي أقرب إلى قصيدة روائية لا تمل من تكرار قراءتها أبدًا..



اكتشفت بعدها أنني قرأت الدكتور قنديل منذ زمن طويل دون أن أعرف أو أذكر، فالرجل قد ساهم في تشكيل وجداني كطفل مع آلاف الأطفال العرب من قراء مجلة (ماجد)، عبر سيناريوهات القصص المصورة التي كان يكتبها لشخصيات مثل (أبي الظرفاء) أو (النقيب خلفان والمساعد فهمان) أو قصصه التاريخية الجميلة، كما أنه صاحب المغامرات الأولى لشخصية (علاء الدين) في مجلة الأطفال التي تصدرها الأهرام تحت نفس الاسم، ورحت أطارد أعماله في كل مكان، فقرأت مجموعته القصصية (بيع نفس بشرية) ولا تزال صورة المحب المصري والعاشقة الإسرائيلية اللذين يقتل كل منهما الآخر في لحظة حب ماثلة أمام ذهني بقوة من قصة (الوداعة والرعب)، ثم قرأت (آدم من طين) التي فتنتني القصة الأولى فيها (راوند) بزخمها الإنساني القاسي والحنون، و(عشاء برفقة عائشة) التي حاول فيها ارتياد مناطق جديدة من الخيال العلمي وله فيها قصة رائعة من التاريخ الفرعوني، ثم أهداني الصديق (محمد فتحي) مجموعتيه اللتين نفدتا من الأسواق: (من قتل مريم الصافي؟) التي نال عنها جائزة الدولة التقديرية، وهي تحوي واحدة من أروع قصصه (أغنية المشرحة الخالية) التي يطارد فيها طالب طب فقير أحلام يقظته داخل المشرحة، وأخيرًا قرأت مجموعته القصصية الأولى (احتضار قط عجوز) فعرفت أن الدكتور قنديل موهبة مشتعلة لم تنل ما تستحق من تقدير واهتمام بعد..



دفعتني أعمال الرجل إلى تتبع تاريخه، فعرفت أنه طبيب تخرج في طب المنصورة، وأنه أصلا من المحلة الكبرى، فتنه التاريخ فكتب فيه كثيرًا، وقد أصدرت له دار الهلال كتابًا بعنوان (تفاصيل الشجن في وقائع الزمن) الذي يسرد فيه أكثر من حدث تاريخي بأسلوبه الأدبي المميز والشفاف، محاولا ملء الفراغات التاريخية برؤيته الخاصة وخياله الخصب، وهو من أمتع الكتب التاريخية التي يمكن قراءتها، وله أيضًا كتاب لم أقرؤه بعد يعتمد على سرد قصص من كتاب الأغاني بأسلوبه الخاص، وله عدة كتب للأطفال عن شخصيات هامة، والدكتور قنديل يعمل الآن مستشارًا للتحرير في مجلة العربي الكويتية، ويكتب مغامرات (العربي الصغير) التي يقوم برسمها الأستاذ فواز، وقد أخذت السينما قصة له تم تحويلها إلى فيلم متوسط القيمة هي قصة (الوداعة والرعب) التي تم تحويلها إلى (فتاة من إسرائيل)، كما أنه كتب بنفسه قصة فيلم (آيس كريم في جيلم)، وله عدة تجارب أخرى في السيناريو لم يسع جيلنا الاطلاع علينا، وإن كان يكتب بنفسه الآن سيناريو فيلم جديد ربما رأى النور قريبًا..



مقدمة طالت عن شخصية أزعم أنها تستحق، ورواية الدكتور قنديل الأخيرة الصادرة عن روايات الهلال في ديسمبر 2005 بعنوان (قمر على سمرقند) تأتي تتويجًا لرحلة طويلة من الإبداع، كانت نتيجتها متواضعة على مستوى الكم متفجرة على مستوى الكيف، حتى أنك لا تملك إلا أن تتساءل: هل كان اغتراب الدكتور قنديل في بلد النفط من أجل لقمة العيش والأمان المادي في صالح مشواره أم ضده؟! بمعنى: هل لو كانت الظروف أفضل لكان أمتعنا بالمزيد من الأعمال العظيمة أم العكس؟! سؤال أزعم أن الإجابة عليه ليست في حوزة أحد، ربما هي ليست في حوزة الدكتور نفسه، إنه قدره وقدرنا على أية حال..



(قمر على سمرقند) تحفة أدبية جديدة، رواية تذهب بك بعيدًا وتحلق بك في سماوات الشجن النبيل وتغوص إلى أعماق النفس البشرية السحيقة، والغريب أن المكان الذي تذهب إليه الرواية يتعبر أرضًا بكرًا في تراثنا الروائي قصير العمر، إنها آسيا الوسطى التي تشهد ميلاد وموت ثلاث حكايات من أربع، أولا حكايات السهوب التي تشهد رحلة الراوي في أرض الغجر، ثم حكايات بخارى التي تشهد قصة (نور الله) بطل الرواية، والتي تجعلك تندهش من قدرة المؤلف على نسج خيوط عمل شديد الاتقان والمهارة على أرض لم يعش فيها ولم يخالط أهلها ولم يلتحم بتفاصيلها إلا في زيارة أو اثنتين على الأكثر، ومع هذا يجعلك تشعر بأنه ينتمي إلى هناك، وأن (نور الله) لم يكن إلا انعكاسًا له في أرض غريبة، ثم تأتي حكايات سمرقند والبحث عن الجنرال الروسي الذي كان يعمل في مصر منذ زمن سعيًا لمعرفة الحقيقة الغائبة، بمعاونة الفتاة الجميلة (طيف)، وبامتزاج الزمان بالمكان يولد التاريخ شاهدًا ويظل المستقبل علامة استفهام كبرى، وتنتهى الحكاية الثالثة بظهور (نور الله) وغضبه العارم من علاقة الراوي بـ (طيف) دون سبب محدد، وهنا يأتي موعد الحكاية الرابعة والأخيرة.. حكايتي أنا، أي الراوي..



يتلاشى المكان والزمان، وتعود إلى مصر في حكاية تشويق سياسي من أبرع ما يمكنك قراءته، سيناريو جاهز للتحويل السينمائي لأنك تقرأه مشهدًا تلو مشهد، وحزنًا إثر حزن، ولا تشعر في النهاية إلا بقبضة باردة تعتصر قلبك، حين يعود البطل من رمادية الفلاش باك، ونهايته التي لا تبشر بمستقبل، إلى نهاية روائية أشد إيلامًا وأكثر إثارة للتأمل، عندما توقف السلطات سيارة (نور الله) ويتعرض للضرب والمهانة والقهر، وفي النهاية تساعده النقود على الإفلات بدموعه وانكساره في طريق مظلم غامض لا يعرف أحد إلى أين ينتهي..

أترفع عادة عن طلب توقيع أي أديب على عمله، لأني لا أحب الوقوف في موقف المعجب المتدله، لكن الدكتور محمد المنسي قنديل استطاع أن يكسر في داخلي هذا الترفع، فقد أرسلت له الرواية إلى الكويت خصيصًا لأحظى بتوقيعه عليها، ورغم أنه أخطأ فكتب (إلى الصديق العزيز أحمد سليمان)، بدلا من (محمد سليمان)، إلا أنني لا زلت فخورًا كطفل بتوقيعه على نسخة الرواية، وأعتقد أنه لو كتب رواية أخرى قريبًا، فسأطلب منه توقيعه عليها أيضًا، لعله في هذه المرة لا يخطئ في كتابة اسمي عليها..





د. محمد سليمان عبدالمالك

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 06:04 AM
قمـــر على ســـمرقنــد رواية الأســــئلة والتحــــولات

ذير جعفر تأتي رواية " قمر على سمرقند " للكاتب المصري محمد المنسي قنديل بعد روايتيه : " بيع نفس بشرية " و " انكسار الروح " . وهو يخوض في هذه التجربة مغامرة فنّية على مستوى المضمون والشكل ، فيقارب في المضمون فضاء جغرافياً وبشرياً مغايراً ومشبعاً بعبق التاريخ، يتوزع على أهم حاضرتين إسلاميتين في آسيا الوسطى هما : بخارى وسمرقند ، اللتين يستلهم منهما أحداث روايته ،فيرحل في ماضيهما البعيد والقريب ، ويرصد إيقاع حاضرهما ، عبر شخصيات روائية نابضة بالحياة ، ومكتنزة بالتجارب ، ومتفرّدة بخصوصيتها ومخزونها المعرفي والتراثي . وعلى مستوى الشكل يختار الكاتب ترسيمة الحكاية التي تقوم على راو يسرد الأحداث ومتلق يصغي إليها ، فيقسم روايته إلى أربعة أقسام تحمل العناوين التالية : حكايات السهوب ، حكايات بخارى ، حكايات سمرقند ، حكايتي أنا . وتنتظم الحكايات الأربع في عقد واحد على الرغم من أن لكل حكاية فضاءها المكاني والزماني وشبكة علاقاتها المتعدّدة, ولا يمكن النظر إليها إلاّ عبر تواشجها وتنامي أحداثها وشخصياتها الرئيسة في كلٍّ موحّد . في " حكايات السهوب " ينهض السرد بضمير المتكلّم على لسان الراوي المشارك في صنع الأحداث ( علي ) ، الشاب المصري الذي يشكّل مع شخصية السائق الأوزبكي ( نور الله) عصب المتن الروائي ، والبؤرة المركزية للبرنامج السردي الذي ينطلق منهما ويتمحور حولهما في الوقت نفسه من البداية إلى النهاية . ومنذ السطر الأول يضعنا الراوي ( علي ) في أجواء مدينة طشقند بعد الرحيل المباشر للقوات السوفييتية واجتياح الدولار واجهة التعامل بين الناس ، ونعرف أنه شاب مصري يبحث عن سيارة أجرة تقلّه إلى سمرقند ، وفي موقف السيارات يتعرّف إلى " نور الله " الذي يصرّ على مرافقته له في سيارته المتواضعة ، ولأن الطريق ـ على حد تعبير باختين ـ هو أفضل مكان للقاءات المصادفة ، وينطوي على قيمة استعارية كبرى في لحظات اللقاء والفراق ، والفقدان والاسترداد ، والبحث والعثور ، فقد كان اختيار الروائي للطريق بين طشقند وسمرقند اختياراً مكانياً وفنيّاً مناسباً للانفتاح على الزمن المغامراتي اللامتناهي الذي تحكمه مصادفة اللقاء بين " علي " و " نور الله " . من لحظة المصادفة هذه التي جمعت بين الراوي والسائق ، تبدأ " حكايات السهوب " التي تحدث في الزمن الراهن ، والتي يتم اختراقها بين حين وآخر عبر تقنية " الاسترجاع " بتذكر الماضي لكل من " علي " و " نور الله " وتكشف هذه الحكايات عن الروح " الزورباوية " التي تسكن في جسد " نور الله " ، هذا السائق الغامض ، الذي يتحدّث العربية بطلاقه ، ويفهم في الدين والسياسة ، والتاريخ والجغرافيا ، وتتلون شخصيته بين زاهد متعبد عازف عن متع الحياة، وماجن شبق غارق في ملذاته ، لا يلوي على شيء ! . وهذه المتناقضات الحادة في شخصية تحوله إلى لغز غامض يحاول كل من الراوي ( علي ) والقارئ أيضاً فك طلاسمه ومعرفة سره ، وهذا ما ولّد عنصر التشويق والإثارة على الرغم من الاستطرادات الطويلة بين حين وآخر . في " حكايات بخارى " يتناوب على السرد كل من الراوي " علي " والسائق " نور الله " وفي هذه الحكايات التي يستعيدها نور الله عن ماضيه على لسانه تارة ، ومن خلال أسلبة الراوي لأقواله تارة أخرى ، تتكشف جوانب جديدة في شخصية " نور الله " فنعرف انه كان طالب علوم دينية في مدرسة " مير عرب " التي أسسها أحد الأمراء العرب اليمنيين ، كما نتعرف إلى علاقته بزميله في الدراسة " لطف الله " الذي سيتحول فيما بعد إلى داعية ومعارض يقض مضاجع السلطة السوفييتية ، وإلى " ليليانا " التي يفصل من المدرسة بسبب علاقته بها ، و” ناتاشا " الفتاة الروسية التي يغرر بها فيلقى الويل بسببها . وتنتهي هذه الحكايات بإعدام الشاعر البخاري عبد الله قادري ، وبإلقاء " لطف الله " في الزنزانة المنفردة ، وإغلاق مدرسة "مير عرب " وتحول نور الله من عميل للسلطة إلى متمرد عليها , ما أدى إلى فصله من منصب الإفتاء وتسريحه من عمله بشكل نهائي ، وتحصيله لقمة العيش من وراء هذه السيارة التي يعبر بها سراً بين طشقند وسمرقند ! . أما في " حكايات سمرقند " فتغيب شخصية " نور الله " المحورية قليلاً عن المشهد ، دون أن يغيب ظله ، ويستأثر الراوي " علي " بالأحداث برمّتها ، فنعرف أنه جاء من مصر إلى هنا ليلتقي بالجنرال رشيدوف صديق والده الذي شارك معه في حرب أكتوبر ، ثم عاد إلى سمرقند مرغماً بعدما وقّع السادات اتفاقية الصلح مع إسرائيل وطرد الخبراء السوفييت . وتنفتح علاقة الراوي على فضاءات جديدة ، حيث يتعرف في سمرقند على " طيف " النادلة في مطعم الفندق الذي ينزل فيه ، وإلى " أولجا " الروسية ، كما يتعرف إلى " فلاح " العربي الذي يشرف على مشروع خيري . وتنشأ بينه وبين طيف علاقة حب بعدما وقفت إلى جانبه في البحث عن " ناديا” ابنة الجنرال رشيدوف الهاربة من والديها ، وفي هذه المعمعة من البحث والفقدان واللقاءات يستعيد الراوي ذكرياته الشجية في مصر ، و تحضر هنا علاقته بفايزة التهامي ، وسلمى جوهر ، وما تركته من وشم في الذاكرة لا يمحى . في " حكايتي أنا " وهي الحكاية الأخيرة في هذا النسيج الراوئي يتحدث الراوي " علي " عن ماضيه ويروي إلى " نور الله " سر مجيئه إلى سمرقند ، فنعرف أنه جاء بغرض العثور على وثائق من الجنرال رشيدوف تفسر مقتل أبيه الغامض . وبحكاية الراوي تنتهي الرواية المفعمة بالحب والأسى والشجن , والموشاة بغنائية عذبة قلما نجدها في نثرنا المعاصر , لتبدأ الأسئلة الصعبة في الزمن الصعب : إلى أين تمضي " سمرقند المؤرجحة بين ماض إسلامي عريق وحاضر يحاول اجتثاث تاريخها وثقافتها ؟ وما المصير الذي ينتظر " نور الله " وأمثاله ؟ ومن قتل والد الراوي " علي " ؟ وهل سيلتقي علي من جديد بسلمى جوهر وفايزة التهامي ؟ تلك أسئلة وغيرها كثير لا تطرحها الرواية وإنما تثيرها في ذهن المتلقي ، وربما استدعت الإجابات عنها روايات مقبلة تنفتح على كل الاحتمالات . " قمر على سمرقند " روايات الهلال (العدد672 )

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 06:04 AM
بورتريه للساحر الجميل

محمدالمنسى قنديل

فريد أبوسعدة

محمد المنسى قنديل زهرة كتاب المحلة، وبهجة الزمن الجميل ، التقيت به فى أوائل الستينات (فى سنة ثانية ثانوى) ومن يومها لم نفترق ، هذا الفتى النحيف كان ندِّى ونديمى ، قدمنى إلى صديق صباه الباكر جار النبى الحلو وأصبحنا معا نذاكر فى بيت جار (حيث نور الكهرباء الذى لم يكن دخل بيوتنا بعد) ، كان جار ولايزال مجنونا بالكرة وكنا انا والمنسى مجنونين بالشطرنج ، وقتها كنت أكتب الشعر وكانا يكتبان القصص القصيرة ولم نلبث مع الالتصاق الدائم أن كتبت القصة إلى جانب الشعر وكتبا الشعر إلى جانب القصة واستمرهذا حتى سألنى جار ذات مرة : قل لى بجد هل أستمر فى كتابة الشعر؟ فقلت له بحسم : لا
كنت أنقل لهما ماتعلمته من الأوزان العروضية وكنا على سبيل الدعابة ننادى الجرسون بالنقرعلى طاولة المقهى نقرات تساوى الحركة والسكون فى تفعيلة من تفاعيل الخليل، أنا مثلا -0 -0 - - 0 (مستفعلن) وجار - - 0 – 0(فعولن) وهكذا .
كانت المقهى لوالد صيقنا يحى بستان ، عملنا بها مكتبة صغيرة، ومجلة حائط نكتب فيها أشعارنا وقصصنا، ونلعب الشطرنج ولانكف عن الكلام .
كنا نقرأ الكتب نفسها ونشاهد معا مسرحيات الستينات, كنا نتحاور فى كل شىء، فى ما نكتب وفي ما نقرأ، بل وصرنا نكتب خطابات نسميها (خطابات منتصف الليل) نواصل فيها الحوار، ونقوى حججنا بهدؤ، ونسلمها لبعضنا البعض فى اليوم التالى !! وعندما ضاقت المحلة عن أحلامنا فى استيعاب اللحظة الثقافية ، كنا نذهب إلى القاهرة ، فعلنا ذلك لنرى مسرحية (ليلة مصرع جيفار) ، وأخذنا نتحايل أنا والمنسى للذهاب إلى القاهرة ، مرة بكرنيهات ليست لنا نركب بها القطار، ومرات ب(التسطيح) على القطار لنرى مسرحية (الفتى مهران) و(سليمان الحلبى) ونقضى ما تبقى من الليل مع عم المنسى (المناضل العمالى) فى شقته بشبرا الخيمة .
كان المنسى مولعا بالمسرح وكنت مولعا بالفلسفة وعلم النفس، وكنا- بعد المذاكرة فى بيت جار- نتجول فى شوارع المحلة فى الليل، احدثه عن قراءاتى ويحدثنى عن قراءاته.
كان ولعه بالمسرح مبكرا جدا ، يقول جار النبى (وكان زميله فى مدرسة الأقباط الأعدادية) ان المنسى كان يمسرح القصة المقررة ( زهرة من الجزائر) ويحولها إلى حوار، يقوم هو وجار وبعض التلاميذ بتمثيلها صباح كل يوم- فى الاذاعة المدرسية- قبل دخول طوابير المشاهدين إلى الفصول!
كما أنشأ (مجلتى) مع جار أيضا ونشر فيها القصص التى كانوا يؤلفونها، ونقل إليها (بطريقة الشف) الرسوم و الكاريكاتير من صباح الخير، كما زودها بالأخبار والقصص المصورة(الاستريبس) التى كان يرسمها بنفسه، أما التوزيع فكان مضمونا فالمجلة كشكول يتكون من مجموع صفحات (الدبل باج) المنزوعة من كراريس التلامذة المساهمين فى المجلة !
كان قارئا نهما، وبارعا فى الحصول على الكتب، فبالإضافة إلى تردده على مكتبة البلدية- العامرة وقتها- استطاع هذا الفتى النحيف أن يمتّن علاقاته بباعة الكتب فى المحلة: محمد ابو العلا وطلعت قنديل، وكان مثلى يؤجر الكتب بثمن زهيد إذا التزم بعدم فتح ملازمها، و بثمن اكبر إذا اضطر إلى فتحها!! .

أطلعنى مرة على احد كنوزه، فتح امامى صندوقا هائلا ممتلئا بمجلات روز اليوسف وصباح الخير و"كتابى"، ومنحنى الفرصة لقراءة القصص والروايات المسلسلة لاحسان عبد القدوس ومصطفى محمود و فتحى غانم وصبرى موسى و محمود السعدنى وغيرهم .
لا شك أن مدرسة روزاليوسف كانت المؤثر الأول فى كتابة المنسى قنديل ، الرشاقة، وبساطة التركيب النحوى، والميل إلى الشياكة والشاعرية، وهى السمات التى ظلت تطبع اسلوبه ولغته منذ التقيته فى مقتبل الستينات وحتى الآن .
يكتب بخط انثوى منمنم ، وبجرأة يحسد عليها، بلا شطب أوتعديل إلا فى النادر، وكأنه إنما ينقل ماكتبه سلفا فى رأسه!
كان أكثرنا ولعا بالتجريب، ويطوع فى كتاباته ما يروق له من تقنيات الرواية الجديدة -آن ذاك- عند آلان روب جرييه ونتالى ساروت وفرانسواز ساجان وغيرهم.
كان ليبراليا عندما كنا ميالين لليسار، وهوما جعله بمنأى من غواية الواقعية الاشتراكية المقررة وقتها، والتى حدّت من تحليقنا جميعا وإن بدرجات مختلفة ، ظل وفيا لرؤيته الانسانية، منطلقا من عالمه الفقيرالبائس، راغبا فى نقده وتجاوزه إلى أفق رحب ورحيم، دون الوقوع فى الصراخ أو المباشرة، أوالرضوخ للطقوس الأيديولوجية .
فى عام 1965ذهبنا إلى إلى نادى الأدب بقصرالثقافة، كان يرأسه أحمد عصر و يضم الجيل السابق علينا : رمضان جميل، سعيد الكفراوى، محمد صالح ، أحمد الحوتى ، نصرأبوزيد، جابرعصفور، بكرالحلو، محمد الشطوى، سعد السياجى
كانت نقلة هامة فى حياتنا فقد صارت المناقشات امتحانا حقيقيا للتجربة، مجموعة من الصقور تتعاور النصوص، كانت فرصة للوعى بما ننجزه وما نطمح إليه ، وفّرالنادى امكانية لقاء كتّاب من المنصورة ودمياط، ودعوة كتّاب وشعراء ونقاد من القاهرة، الأمرالذى جعلنا نتماس مع اللحظة الراهنة فى الكتابة خارجنا وخارج المحلة.
خارج النادى نواصل التجمع - كمجموعة من الصقور- فى بيت سعيد الكفراوى ورمضان جميل ونصر ابوزيد ، ومعظم الوقت فى حجرة جار النبى الشهيرة ، التى كنا انا والمنسى شهودا على بنائها فوق السطح.

المنسى طاقة هائلة فى الكتابة، يجرب ويكتب فى كل شىء تاركا عالمه يتنفس تحت سموات مختلفة : القصة ، والرواية، والسيناريو، والتاريخ ، وأدب الطفل، وأدب الرحلات
كتابته للتاريخ تشى بقراءة خاصة، واسعة وعميقة للتراث العربى، كتابة أعادت إلى الوقائع القديمة روحا جديدة، ونبضا هرب من صفرة الأوراق، واتاحت تأويل الشخصيات كسؤال وجودى مؤرق، مشروط بالزمان والمكان، فعل هذا فى كتبه البديعة "شخصيلت حية من الأغانى" و" وقائع عربية" و "تفاصيل الشجن في وقائع الزمن"

والمنسى أول من كتب للأطفال فى المحلة، واتاح الامكانية للجيل التالى لسلوك نفس السبيل، استطيع أن أعدّ أكثرمن عشرة كتّاب فعلوا ذلك (بعضهم فى هذا الملف) حتى لقد أصبحت الكتابة للطفل ظاهرة من ظواهرالابداع فى المحلة ، تقلص أمام انخراط الجميع فيها حجم الابداع للكبار!
الغريب ان ولع المنسى بالمسرح لم يتأدى به إلى كتابة المسرح وإن ظل بتقنياته كامنا تحت كل مايكتبه ، كامنا فى باطن النصوص، يقودها، وينفّضها من الثرثرة، ويعكس عليها من حيويته الدرامية الدافقة .
كان لايزال طالبا عندما حصلت قصته " أغنية المشرحة الخالية" على المركز الأول فى مسابقة نادى القصة عام 1969، فرحنا، وشعرنا بالفخر، وعلقنا صورته وهو يستلم الجائزة فى مقهى "اللوفر" المقهى الذى نجتمع فيه، علقها حمودة صاحب المقهى بنفسه ووزع المشروبات على الجميع مجانا .
وفى العام نفسه فازت مجموعة من كتّاب "نادى الأدب" بقصر ثقافة المحلة فى المسابقة التى نظمتها الثقافة الجماهيرية ، فاز المنسى بالجائزة عن قصته "سعفان مات" وفزت بجائزة شعر الفصحى، وفاز نصر أبو زيد( المفكرالاسلامى الآن) بجائزة شعر العامية !
كان اعتداده بالكتابة هائلا، مؤمنا بمصداقيتها ايمان الشيخ العارف ، فهذا الشاب الفقيرعندما أدخله المجموع كلية المعلمين لم يرض بنصيبه ، كان يعرف أن الخلاص من الفقر مرهون بالتخرج من كليات القمة، وقبل التحدى، أعاد السنة، وبالفعل دخل كلية الطب وصار طبيبا ،اصبح المستقبل واعدا أمام الطبيب الشاب، ولكن ما أن عمل سنتين فى المنيا والقاهرة حتى فاجأ الجميع بترك المهنة والتفرغ للكتابة !!
الكتابة عشقه ومهنته وحياته هكذا كان يؤمن ، وهكذا مضى واثقا فى السبيل الذى انتهجه يوسف ادريس العظيم ، كان قادرا على المقامرة، لم يرض بنجاح مهنى يتطلع إليه الجميع بل غامرونجح 0
علاقات المنسى بالمرأة- وهى قليلة- تنتهى دائما بجروح ، دائما ماتكون مجالا للمنافسة، يخسر فيها أو يخسر الجميع. وهذا ما ترك فى كتابته شجنا رقيقا يقطر شعرا وأسى .
يقول محمد فتحى الكاتب بجريدة الدستور:
شجن وألم لا يحتمله شخص مثلي، وشخصيات من لحم ودم و حزن ، تحبه فور أن تشعر به، وتبحث عنه إذا ما غاب عنك.
كتابة تصل لدرجة المزيكا، ووصف يصل لمرتبة الشعر، وتجارب غزيرة تستشعرها بين السطور، وهروب كبير من جرح قديم لا يزال غائراً في روحه، تشمه عبر كل قصصه، بحثت عن أعماله فوقعت في هوى روايته الأثيرة انكسار الروح، ولم أنس حتى الآن جملة
(يا فاطمة..يا غرامي الحزين).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
مجلة الثقافة الجديدة

shaimaa
02-12-2010, 01:12 PM
انا شوفت رواياته قبل كده في المكتبة
بس ما قريتش ليه حاجة
قريب اوي هبدأت بيوم غائم على البر الغربي علشان بشوفها كتير
بعد كده هقولك رأيي
شكرا على التوبيك يا محمد
و تحياتي

Sir Mohammad Yousry
02-12-2010, 01:33 PM
انا شوفت رواياته قبل كده في المكتبة
بس ما قريتش ليه حاجة
قريب اوي هبدأت بيوم غائم على البر الغربي علشان بشوفها كتير
بعد كده هقولك رأيي
شكرا على التوبيك يا محمد
و تحياتي
:???::???::???:
باذن الله يعجبك يا شيماء و متزهقيش من طول يوم غائم و ان كنت اشك في ده
و عموما اصداراته في دار الهلال لروايه انكسار الروح و كتابه تفاصيل الشجت في وقائع الزمن حتلاقيها رخيصه جدا مقارنه بيوم غائم لان الفرق سواء في الحجم او دار النشر كبيييير

Sir Mohammad Yousry
02-13-2010, 03:29 AM
من مجلة العربي الكويتي كتب
بتاريخ 1/09/1991

لحظات من الزمن العربي: ابن السّلطان الضّالّ



حين ارتفع السلطان المحمودي فوق الأعناق كانت له مواصفات ثلاث يجب أن تجتمع لكل سلطان: قاض يأتمر بأمره، وأثر يخلد ذكره، وابن يرث عرشه. وكان "الصارمي إبراهيم" هو الوريث والمشكلة في ذات الوقت.
وقف أمام أبيه. لم يحضر اجتماعهما إلا القاضي "ابن البارزي". الشخص الوحيد الذي لم يكن يفترق عن السلطان ولم يكن يخفي عليه سراً. قال الصارمي دون أن يأبه بوجود القاضي:
- لقد نويت أن أتزوج يا أبي.. استبشر السلطان خيراً. استعرض في ذهنه بسرعة كل الأمراء الذين لم يكن ينوي خنقهم في المدى القريب وهو يتساءل.. بنت من منهم تصلح لأن تكون زوجة للصارمي. ولكنه واصل القول كأنه يقرر حقيقة لا رجعة فيها:
- سأتزوج "عائشة" بنت تاجر القماش في الموسكي.
وصرخ السلطان على الفور:
- رقبتي دون ذلك.
كان القاضي والسلطان فزعين. وظل الصارمي هادئا. كان السلطان يعرف منذ وقت مبكر أن ولده يهبط إلى حواري القاهرة. يجلس في مقاهي الغورية. ويشاهد "المحبظتية" في بركة الفيل ويلاعب الفتوات والعياق. كان يعتقد أنها نزوة. حالة من الملل يعاني منها من يعيش طويلا وسط أروقة القصور. فالهبوط للحواري لا يليق بأي مملوك فما بالك إذا كان ابن السلطان، قال الصارمي وهو يستعد للانصراف:
- إذا لم أتزوجها فلن أتزوج أبداً.
وانصرف. واستدار السلطان صارخا:
- ماذا أفعل يا قاضي القضاة.هل أضعه في السجن حتى يفيق..
قال القاضي بفصاحة:
- وهل تريده أن يكون أكثر عنداً. قربه من الحكم ورقِّه. اجعله مقدم ألف.
كان المنصب لا يزال أكبر منه. ولكن السلطان كان يريد من العامة أن يخافوا منه. لا أن يألفوا إليه. فطن السلطان فجأة إلى أن الزمان قد استطال وأن الصارمي قد كبر.
أصبح "الصارمي" مقدم ألف. لبس الزرد وتقلد السيف. وظل متباعداً عن أبيه. انشغل بمماليكه وبلعب الكرة مع الرفاق. وأهداه السلطان جاريتين واحدة سوداء وأخرى بيضاء ولكنه أعادهما إلى أبيه دون تعليق.
ثم جاءت أيام الطاعون.
لعنة مختبئة في شقوق أرض مصر من أيام موسى فرعون. تستيقظ فتحول الناس الذين عاشوا طوال عمرهم تحت الشمس إلى حيوانات مرعوبة تختبئ في الظلام تغمر أجسادهم بالقروح السوداء وتجعل شعرهم دائم التساقط وتحول الأظافر إلى ما يشبه المخالب. وفور أن أعلن عن ظهور أولى بوادر الطاعون أصدر السلطان أوامره فهبط جنوده على الأسواق وصادروا كل ما فيها من ثمار "اللارنج" وهو ثمرة لاذعة الطعم تشبه البرتقال. كان الأطباء قد أكدوا للسلطان أن التهامه هو وسيلته الوحيدة للنجاة من مخالب الطاعون. بعد ذلك أغلقت أبواب القلعة وأعلن المؤيد أنه لن يقابل أحداً ولن يلمس أحداً وسوف يقتصر نشاطه فقط على التهام اللارنج.
ولكن إبراهيم الصارمي فعل غير ذلك. أخذ المماليك الذين تحت إمرته وهبط بهم إلى الحواري كدأبه دائما. بدأ يواجه الطاعون. طاعون المرض وطاعون الناس. هاجم مخازن التجار وأخرج المؤن التي كانوا قد أخفوها حتى تباع بأعلى الأسعار. ثم بدأ يخلي البيوت ويحرق الجثث ويطهر أماكن المرض بالجير الحي. لم يكن يهدأ طوال النهار. وكان في الليل ينام على الأرض أو على ظهر جواده. بدأ المماليك الذين خلفه في التساقط ولكنه لم يتراجع. أحرق جثثهم وجثث خيولهم. كان يمرق في المدينة مثل حلم غير آبه بلمسات الموت الأسود الغادرة. يقتحم أشد أحياء المدينة فقراً وتعاسة. يحمل الغذاء للأحياء. والجير الحي للموتى.
وفي ذات ليلة رقد وهو يهذي باسم عائشة. كانت هذه هي لحظات ضعفه الوحيدة. وتجمع الفقراء. أحاطوا بالمسجد الذي كان ينام فوق إحدى حصائره وهم يتساءلون في حسرة: ماذا يحدث بعد أن يدفع الصارمي الثمن؟.. ولكن الصارمي لم يمت. استيقظ مع ضوء الشمس. كانت المدينة هادئة. لم يرتفع فيها عويل جديد. ولم تلق في طرقاتها جثة متفحمة. تراجع الطاعون أمام الصارمي. دفعت المدينة الثمن غاليا. ولكنها نجت كما تعودت أن تنجو ودخل الطاعون شقوق الأرض ونام حتى يأتي الأوان.
فتحت القلعة أبوابها. كان السلطان قد أتى على آخر ثمرة من اللارنج وما زال يرتعد، ظل يرفض مقابلة الصارمي لمدة ثلاثة أيام حتى تأكد تماما أنه خال من المرض. كان شاحبا وهزيلا كأنه مات وبعث في التو. هتف به السلطان غير مصدق:
- كيف فعلت هذا بنفسك. كيف أضعت نضارتك وسط حواري الحرافيش؟..
قال الصارمي: وهل كنت تريد أن تحكم شعبا من الموتى؟
واستدار لينصرف فجأة كعادته. ولكنه توقف ليقول قبل أن يخرج:
- لا تقلق من مسألة زواجي. ذهبت عائشة. أخذها الطاعون فيمن أخذ.
المجد للسلطان. والحزن للصارمي
إن كل شيء يبدأ بالحلم وكل حلم هو ضرب من الخيال. ولكن حلم المؤيد تحول إلى حقيقة مؤكدة. كان مملوكا صغيراً عندما تمرد ووضعه السلطان في سجن "خزانة شمايل" الموجود بجانب باب زويلة. كانت زنزانته مفروشة بهشيم عظام الذين سبقوه. وجدرانها مغطاة بعرقهم وعطنهم. وأقسم المحمودي وهو في قمة يأسه أنه لو أنقذه الله من هذا المكان فسوف يهدمه ويبني بدلا منه مسجداً، ولأن الأيام لا تلد إلا كل غريب فقد تحقق حلم السلطان ووقف يشرف بنفسه على عملية هدم السجن.
الجدران سميكة ومتماسكة. المعاول تهوي فينبعث الشرر وتتصاعد رائحة العفونة ثم تكشف عن جوف السجن المظلم. عن جدران الزنازين السوداء بها عليها من عطن وما في شقوقها من فئران وأوبئة. عن مخلوقات غريبة يبهرها ضوء الشمس. وتنتفض أجسادها حين تشم الهواء النقي.
وعندما اكتملت عمارته لم ينس أن يسرق الباب الرئيسي من مسجد السلطان حسن. والمنبر المنقوش من جامع قوصون. ثم جمع الأعيان والأمراء وهتف في قاضيه المفضل ابن البارزي:
- قد جعلتك خطيبا لهذا المسجد..
وقف القاضي ينادي للصلاة واصطف الجميع انتظاراً لأن يتقدمهم السلطان. ولكنه لم يتحرك من مكانه. بقي مقيداً في جلسته مربد الوجه وآلام المفاصل تعصف به.أعاد القاضي الأذان دون جدوى وزأر السلطان كأنه أسد حبيس ولم يبال به الصارمي. هرع الأمراء. حملوا المقعد الذي كان السلطان يجلس عليه. أشار لهم أن يصعدوا به إلى القلعة. واستقبلته جموع الناس في الخارج وهم يهتفون فيه في شماتة. صاح أحدهم:
- اهبط من على رقابنا يا سلطان..
زام السلطان وشرع الجند السياط ولم يتراجع الرعاع. هتف آخر:
- إعط الصارمي العرش يا سلطان.
وأشرع الجند الرماح ولم تهدأ الصيحات الغاضبة من باب زويلة حتى القلعة. كانت أشد وطأة عليه من آلام المفاصل. كلهم عرفوا بعجزه فاستأسدوا عليه. صعد الأمراء به السلالم الحجرية إلى الحريم فصرخ يأمرهم أن يتجهوا به إلى قاعة العرش. أجلسوه عليه ووقفوا جميعا بين يديه. دبت في نفسه بعض الراحة وخف الألم. كلهم حفروا خلفه حتى القاضي. الوحيد الذي لم يبال بمأساته هو إبراهيم الصارمي. الوحيد الذي كان في حاجة ماسة إلى ولائه في هذه اللحظة. حدق في الأمراء بغضب فارتعشوا.. كانوا يتساءلون على من منهم سوف يلقي السلطان ذنب آلام مفاصله ويقوم بخنقه؟..
لم تنفع دهون التمساح التي جاءت من السودان. ولا زيوت الهند. ولا "لبخة" أعشاب وادي النطرون. صرخ في الأطباء أن ينفضوا من حوله. وتقلب في سريره وحيداً. كل يوم يحملونه من الفراش إلى العرش. ومن العرش إلى الفراش. النهار مؤلم والليل أشد ألما.ولم يأت الصارمي. جاءت قهرمانة القصر بعد أن يئس الجميع. قالت:
- رجل مثلك لا تلزمه دهون. إنما تلزمه امرأة..
ثم جاءت بجارية لم ير السلطان مثلها. نضرة كالفجر ومع ذلك تجيد كل فنون العشق. لمسته فبدأ صدأ السنين الذي تراكم على مفاصله في الذوبان. انبعثت من خلايا نفسه رغبة حارة أنهكتها الطموحات. انسربت حياة جديدة من جسدها الغض إلى جسده الهرم. انبعثت من قطرات العرق الساخن. تلاطمت الدماء في العروق الواهنة فانتفضت وتقلصت. ألما ومتعة. عاد السلطان صغيراً ورقدت المدينة تحت قدميه صغيرة أيضا ومرتجفة. هكذا يستطيع أن يحكمها إلى الأبد..
ولكنه ذات يوم رآها تطل من النافذة التي تشرف على ساحة القلعة. كان مسترخيا فوق سريره عندما أحس فجأة أنها ليست معه. اكتسى وجهها بوهج من نوع خاص وبدا في عينيها بريق نافذ. تتطلع في استغراق إلى الخارج كأن هناك شيئا قد أخذ كل مجامع جسدها إلى الخارج. خيل للسلطان أن خلاياها كلها تتحفز للانطلاق. نهض ونظر إلى حيث تتطلع. كان هناك إبراهيم الصارمي يروض أحد الجياد. عاري الصدر. يمسك عنان الجواد في يد. ويمسك سوطا في اليد الأخرى والجواد يصهل ويرفع قوائمه إلى أعلى فتتحفز كل عضلات الصارمي وهو يشد عليه ويقترب من رأسه فتختلط أنفاسهما معاً وتخرج منهما رائحة نفاذة من العرق الحي. ولم تفطن الجارية أبداً أن السلطان واقف أمامها يتطلع إليها.
قال القاضي ابن البارزي:
- وقع المحظور وتآلفت قلوب العامة من حوله فأرسله بعيداً عن موطن الفتنة.
كان السلطان في حاجة ماسة إلى نصيحة القاضي.
وأعلن في المدينة كلها أن "الصارمي" سوف يخرج على رأس "تجريدة" لقتال أمراء الشام الذين خرجوا على طاعة السلطان. كان الخبر مفاجئا. والأمراء بعيدون وأقوياء بحيث يجب أن يخرج لهم السلطان بنفسه حتى يحدث وجوده الرهبة في نفوسهم. ولكن الصارمي قبل المهمة دون مناقشة وبدأ يختار الذين سوف يرافقونه في التجريدة. اختار المماليك الذين رافقوه أيام الطاعون لأنه أدرك أن الموت أصبح مستعصياً عليهم.
إن للصارمي أموراً غريبة. لقد بدأ العامة يتطوعون لمصاحبته. الرعاع الذين كفوا عن القتال منذ أن خرجوا مع السلطان قطز لمحاربة التتار. استيقظوا فجأة وقرروا أن يشاركوا الصارمي. توافدوا على ساحة القلعة وهم يحملون السيوف الصدئة وقضبان الحديد والسلاسل والعصي. أعداد بلا حصر. معظمهم حفاة لا يركبون شيئاً.
ثم خرجت "التجريدة" وعلى رأسها الصارمي. وظل السلطان يراقبهم بوجه جامد. لم يلتفت الصارمي إليه، ولى جواده إلى قلب المدينة فخرج العامة إليه يحملون سعف النخل والورد والرياحين وظلوا يودعونه حتى أول الصحراء. وفي المساء جلس السلطان. وجلست إليه الجارية وعلى وجهها علامات الانكسار. قال لها السلطان:
- هل عاشرت إبراهيم الصارمي؟..
قالت: كنت محظية من محظياته.
فلم يعد قادراً على الاقتراب منها بعد ذلك. أحس أن الصارمي لم يرحل بعيداً. بقي يلاحقه. في عيون العامة كأنهم يتهمونه. وفي كلمات الأمراء وهم يداهنونه. جميعهم كانوا يعرفون في صمت وتواطؤ أن التجريدة كانت مأساة وأن السلطان قد أرسل ابنه وجزءاً من جيشه في مهمة انتحارية لا عودة منها..
لكن للصارمي أموراً غريبة. فقد استطاع بجيشه الهزيل أن يقتحم أسوار "صفد" وحملت النجابة الرسائل إلى القاهرة فلم يصدقها السلطان. كان متأكدا أن "التمرغا" أمير صفد مقاتل شرس لا يستسلم بسهولة. فما الذي جعله ينهار أمام جيش جله من الهواة. أخفى السلطان الرسائل وحجز الرسل في مكان أمين. ومنع مدافع القلعة من الانطلاق كعادتها عند أي بشارة وعادت آلام المفاصل تلح عليه. ولم تخفف الجواري من آلامه شيئا. كأنهن جميعا كن يعانين من برودة غياب الصارمي.
قال القاضي للسلطان محاولا أن يطمئنه:
- مازالت هناك حمص وحلب ودمشق. سيعود مخذولا وسينفض عنه العامة ولن ينال منك إلا بقايا فتات العرش.
ولكن حمص - عليها اللعنة - سلمت هي أيضا مفاتيح أبوابها.
كان إبراهيم قد تخلق بطلا رغما عنه. وكان يجب أن تسقط حلب ودمشق لأن للصارمي أموراً غريبة.
العشاء الأخير للصارمي
شم الناس رائحة الصارمي قبل أن تعلن أخبار عودته. وسمعوا وقع سنابك جواده قبل أن يظهر قادماً من ناحية الصحراء. خرجوا يستقبلون جيشه الغريب. أكثره من الفلاحين والرعاع وأقله من المماليك. جيش كبير لم يألفه أحد. أصاب كل أمراء الدولة الكبار بالفزع. حملوا محفة السلطان وهبطوا به أسفل القلعة ووقف يستعرض الجيش المنتصر. كان جيشا خشنا بلا أبهة ولا بهرجة. أعلامهم بقايا من مزق الملابس وأسلحتهم متنوعة من كل المواقع التي اقتنصوها منها. كان وجه الصارمي جامداً. أكثر سمرة مما يليق بمملوكي. تباعدت الملامح بينهما ولم يعد أي منهما يشبه الآخر. توقف الصارمي أمامه وحنى رأسه ولم يستطع السلطان النهوض كي يحتضنه ولكن مدافع القلعة أطلقت أخيرا وهلل الرعاع في فرح طاغ وقال السلطان:
- سوف تكون أتابك عسكر الديار المصرية. أما الليلة فسوف أقيم لك مأدبة في القصر الأبلق.
لم يبد على الصارمي أنه تأثر.. هل كان هذا الثمن أقل مما يريد؟. تراجع الصارمي واحتوته جموع الناس. تداخلوا في العسكر. وتداخل العسكر فيهم. وتحولوا إلى كتلة واحدة متشابهة الملامح. أقامت لهم المدينة طقسها الخاص وظل السلطان وحوله الأمراء وخلفهم البيارق يرتعدون في الفراغ الطلق.
قال السلطان للقاضي: أنا خائف.
وقال القاضي للسلطان: الجميع خائفون.
قال السلطان للقاضي: كيف أتصرف؟.
قال القاضي للسلطان: أنت سلطاني وأنا طوع بنانك ولكن ليس للمماليك إلا طريقة واحدة يتصرفون بها في مثل هذه الأمور.
كانت المأدبة حافلة. حضر كل رجال الدولة أولا. ثم نقلوا السلطان على محفته وأجلسوه متصلبا وجلس القاضي بجانبه. وجلس الصارمي بعيداً وفي مواجهتهما تماما. يا لهذا الوجه الجامد المليء بالحزن. كيف تدهورت الأمور إلى هذه الدرجة؟.
أقبل الغلمان يحملون صحاف الطعام. والجواري يحملن أباريق الشراب. ولم يأكل أحد أو يشرب أحد. ثم دخل غلام أسود. يحمل طبقا من البللور عليه فطيرة محشوة باللحم. الطعام الذي يفضله الصارمي والذي تعلم أكله في الحواري التي يهبط إليها. بدأ السلطان يأكل فأكل الجميع. ازدردوا الطعام في صمت وترقب. كان بارداً ماسخاً ما عدا فطيرة الصارمي التي كان البخار يتصاعد منها وهو يغرس فيها أصابعه.
ثم توقف الصارمي عن الأكل. لفظ اللقمة التي كانت في فمه وحدق فيهم جميعا. حدق السلطان في ابنه. فتح فمه كأنه يريد أن يقول شيئا ثم زمه بعنف كأنه يكتم صرخة. حاول أن ينهض. سار مترنحا. حاول أن يهرب منهم جميعا حتى لا يروه ضعيفا منهاراً. ولكنه سقط على الأرض. وصاح السلطان وهو جالس في مكانه:
- خيانة.. مؤامرة..
وانتفض الأمراء. مسحوا أصابعهم في ثيابهم ثم هرعوا يحملون جسد الصارمي الذي كان ينتفض بشدة. صرخ السلطان يأمر بحضور كل الأطباء ولكن الأمراء ساروا بالجسد مبتعدين. اكتشف السلطان أنه أصبح وحيداً فصرخ يأمر الغلمان أن يحملوه وأن يسيروا به إلى حيث يوجد الصارمي.
كان ممدداً على الفراش. تغمر جسده الأصفر الداكن موجات متعاقبة من التشنجات، يختلج وجهه بألم مُمِضٍّ وقاس. كانوا قد خلعوا عنه ثيابه حتى يتنفس بحرية. نظر السلطان إلى جسد الصارمي العاري. لم يكن يعتقد أنه نحيل إلى هذه الدرجة. كأنه طفل صغير. استعار هذه اللحية وهذا الشارب من وجه آخر. عظام الجسد بارزة. وعروقه نافرة وحركة الأمعاء داخل البطن لا تكف عن التقلص. ود السلطان أن يمد يده ويلمسه ولكنه لم يجرؤ.. هل يموت الصارمي حقا؟.. ما أسهل أن يغتال الموت هذا الجسد الصغير. فجأة أجهش السلطان بالبكاء. أمسك يد كبير الأطباء وهو يهتف به متوسلا:
- أنقذوه..
وجاء كبير الأطباء ووقف أمام السلطان وهو يقول في حزن:
- نفذ قضاء الله. فليرحمه وليرحمنا جميعا.
ذابت الشموع على أيدي الناس. ولم يهبط الجثمان إلا في الصباح. وكان خفيفا كأنه لم يعش يوما ولم يهنأ يوما. لا لمسة من العشق. ولا لحظة من الزهو. جاء الذين حاربوا معه وحملوا جثمانه. وجاء الذين صاحبوه والتفوا حوله. وظل السلطان فوق محفته بعيداً وعاجزاً. أخذوه إلى الحواري التي أحبها وتمهلوا في كل الأماكن التي تعود أن يجلس فيها وكبروا عندما تذكروا ضحكاته. وموكب السلطان يتبعهم صاغراً. حوارٍ لم يرها من قبل رغم أنه يحكمها. وأناس لم يشهد مثلهم رغم أنه يملك رقابهم. يرددون التكبيرات في حرقة. تعويذة تدفع عن نفوسهم انكسار الحزن. وعندما وصلوا إلى القرافة الموجودة في باطن المقطم وبدا القبر أمامهم فاغر الفم أخذوا جميعا يصرخون في لوعة: ما أفظع أن تدفن حلما وأن تبقى الشمس ساطعة ويبقى الكون قائم الأركان.
ظل السلطان خافض الوجه. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه أو مصافحته أو تعزيته. كان مهدود الحيل. منكس الرأس. جلس منزويا في المسجد. وصعد القاضي ابن البارزي صديقه وصفيه إلى المنبر كي يخطب خطبة الجمعة وذكر قصة النبي عليه السلام عندما مات ابنه وذكر كلماته الأخيرة:
- إن العين لتدمع. وإن القلب ليحزن. ولا نقول إلا ما يرضي الله.
وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.
ورفع السلطان المؤيد رأسه وحدق في القاضي طويلا ثم هتف من بين أسنانه في صوت ممرور سمعه كل من حوله:
- يغريني على ولدي ثم يندمني عليه. والله لن تفلت بها أيها القاضي.
محمد المنسي قنديل

Us Palermo Lover
02-13-2010, 03:47 AM
انت قريت يوم غائم يا محمد
انا لسا مبدأتش فيها

Sir Mohammad Yousry
02-13-2010, 03:51 AM
انت قريت يوم غائم يا محمد
انا لسا مبدأتش فيها
:???::???:
خلصتها
خلي بالك من فصل بني خلف
الفصل ده مشكله
الروايه جميله قوي و بتبعت كتير و فيها كذا خط موازي لبعض
لو انت تفتكر واحة الغروب لبهاء طاهر
هيا اقرب حاجه لشكلها البنائي ليوم غائم

Us Palermo Lover
02-13-2010, 03:54 AM
انا حبيت واحة الغروب جدا
بشرة خير
هبدأ فيها قريب

Sir Mohammad Yousry
02-13-2010, 03:56 AM
انا حبيت واحة الغروب جدا
بشرة خير
هبدأ فيها قريب
اتمني انها تعجبك باذن الله
رغم الوجع اللي فيها
اللي متاكد منه انك حتندهش بشده من شخصيات الروايه

Sir Mohammad Yousry
02-13-2010, 03:58 AM
يناير 2010

الرحلة الأخيرة للمسعودي

دفع الزنجي عصاه الطويلة في صدر المسعودي وهو يصيح فيه:
توقف.. لن تخطو إلى المدينة قبل أن تدفع المكوس، فقط الزنوج يحق لهم دخول المدينة بالمجان.
أخرج علي بن الحسن المسعودي آخر ما في جيبه من دراهم، قطعا من الفضة غير مضروب عليها أي اسم، كل ما تبقى من رحلته الطويلة، ولكن كان عليه أن يدفع أي شيء ليعود للبصرة، سيدة مدن الحزن، نخيلها المحترق يجعلها متشحة بثوب من الحداد الدائم، والناس في أزقتها منكسرة نفوسهم، يتلمسون طرقهم بين جثث معلقة، وروائح عفنة، وذباب طنان، وزنوج.. زنوج.. زنوج.. يختالون في الطرقات بعباءات من حرير، يضعون على جلودهم أغلى العطور، لعلها تخفي رائحة الفضلات الملتصقة بأجسادهم. يتحرشون بالنساء، يكبسون عليهن في أي وقت ومكان، سواء كن حرائر أو جواري. أصبحت البصرة ليست هي البصرة، فإلى أي مدى تغيرت بغداد؟ حين قرر الرحيل منذ أربعين عاما، كانت البصرة في أوج ازدهارها، والسفن التي تزدحم في مينائها قادمة من كل مكان، من سواحل بلاد الزنج حتى الصين، كانت البصرة هي مدخلهم إلى قلب العالم، إلى بغداد التي لا تهدأ ولاتنام.
لكن المسعودي كان يستعد لمغادرتها بعد أن أحس أن زمنها قد انتهى، وأن عالمها الذي كان راسخا أصبح يميد تحت قدميه، حدث ذلك حين رأى القبة الخضراء وهي تتهاوى أمام عينيه، كانت القبة هي مركز بغداد، تظلل القاعة التي يحكم منها الخليفة عالمه الممتد، كان المسعودي يجلس مثل كل يوم في مدخل حي الوراقين، يكتب فصول كتابه "أخبار الزمان" والقبة شامخة أمامه، راسخة كالقدر المحتوم لبني العباس، تحيط بها الرايات السوداء، كل شيء كامل البهاء، دائم البقاء، كأن العباسيون سيكونون شهودا على قيام الساعة، ولكن القبة أصدرت صوتا بعث الرعب في نفوس الجميع، تشققت وتباعدت أحجارها المحكمة البناء، تفرقت بلاطات القيشاني الخضراء، تفتت النقوش المتداخلة، تحللت الجدران التي تحملها، ثم بدأت تغور إلى الأسفل، ارتطمت بالأرض في صوت هائل، ألقى المسعودي بالريشة والرقعة من يديه وظل جامدا مشدوها من هول الحدث وجسامته، أدرك أن هذه هي لحظة نهاية أخبار الزمان التي يدونها، نهاية دولة بني العباس، حتى بعد أن نجا الخليفة ببدنه، بدا واضحا أنه قد فقد قوته وسلطته ورهبته وديمومة سلطانه تحت الركام، استولى جنوده من الترك المجلوبين على مقاليد الأمور، فقد العالم ثباته، وجد المسعودي أن عليه أن يرحل، لم يستطع أن يبقى في بغداد بعد أن أصبحت مدينة باهتة توشك على الاختفاء.
رحلة الأهوار
على شاطئ نهر ابن الخصيب، واحد من عشرات الأنهار التي تتفرع من الفرات، كان هناك قارب ضخم في انتظارهم، يجلس على مجاديفه زنوج أشداء.
تعجب المسعودي من قدرة الزنوج الذين يقومون بالتجديف، كيف يعرفون وجهتهم بدقة وسط هذه المصيدة من الأنهار؟ اشتدت الريح، أحس بجسده يرتجف رغما عنه، بعد هذه الرحلة الطويلة لا توجد إلا مياه الخليج المالحة، وبدأت العتمة تطغى على كل شيء، وبعد سير حثيث ظهرت لمحة من الضوء في نهاية الأفق، لسان من لهب منعكس على صفحة الماء، ثم بدأت العديد من المشاعل تبزغ من ظلمة الليل، صف طويل منها، كأنها أفق متصل من اللهب، بدأ المسعودي يميز السور الممتد، وهو يشق كتلة الظلام عاليا ومهيبا، هل هذه هي المختارة التي كانوا يحدثونه عنها، تلك المدينة الخفية التي يجلس فيها المتمرد الأكبر؟
صاح ابن آبان يطلب من الحراس أن يفتحوا الأبواب، لا بد أنهم كانوا يحفظون نبرة صوته، فقد أسرعوا رغم الظلام بفتحها، وبدت خلفها وجوه الجنود السود وهم يقبضون على الرماح، كان المتمردون قد اختاروا عاصمتهم بعناية بعيدا عن سطوة الخليفة.
كان المسعودي جائعا ومتعبا، ولكنهم واصلوا السير وهو بينهم، شاهد سلسلة من الأكواخ الخشبية المتتابعة، سكانها سود وعرب وأخلاط من البشر، نسوة وأطفال، أجسادهم ضامرة وعيونهم مليئة بالخوف، لم يكونوا جميعا محاربين، كان بينهم كثير من العجزة، والشيوخ، أجساد منهكة، أكلها الشقاء المتواصل، كانوا يجلسون نفس الجلسات المنكسرة، رءوسهم محنية، وعيونهم خابية النظرات. مازالوا خائفين، كل غريب قادم إليهم يذكرهم بدنيا السادة التي هربوا منها، يدركون أنهم يعيشون فترة مؤقتة من الحرية، كانوا رغما عنهم ينتظرون اللحظة الذي ستصل فيها جيوش بني العباس، جيوش السادة، لتدمر مدينتهم وتعيدهم لعالم العبودية من جديد.
خليفة الزنج
سار به ابن آبان إلى مبنى وسط المدينة، جدرانه الخارجية من جذوع النخل، وغرفه من السعف المجدول، اجتازا ممرات صفراء مائلة للخضرة، تضيئها مشاعل مرتعدة، ويقف فيها حراس من الزنج. وصلوا إلى قاعة صغيرة، وطلب منه ابن آبان أن ينتظر فيها حتى يستأذن له في الدخول إلى "علي بن محمد" خليفة الزنج.
ظل المسعودي منتظرا، بالرغم من تعبه وإنهاكه، لم يكن يستطيع التغلب على فضوله ورغبته في اكتشاف ماهية هذا المتمرد الجديد، ولابد أن الخليفة قد لاحظ إمارات الحيرة التي على وجهه فقال له:
- هل كنت تظن أن كل أتباعي من الزنج والسود، أتباعي هم كل الفقراء والمستضعفين، الزنج الذين كانوا يحملون السبخ وفضلات السادة، والعرب من اقنان الأرض الذين كانوا ينظفونها من الملوحة، ولا يأخذون نصيبهم من ثمارها، والفرس الذين بنوا هذه الدولة ثم انقلب الترك عليهم، كل هؤلاء انضموا إلي لنقيم عالما جديدا تعلو فيه كلمة المستضعفين، هل يمكن أن تكتب هذا في تاريخك، أم أنك فقط مشغول بتاريخ خلفاء بني العباس؟
قال المسعودي بصوت متحشرج: لقد غادرت بغداد منذ زمن بعيد، ولم أعرف إلى أين آلت الأمور.
- تركتها وهي غالبة وعدت إليها وهي مغلوبة، ماذا فعلت في رحلتك الطويلة هذه؟
بلع المسعودي ريقه ولم يدر إلى أين يمكن أن يؤدي هذا الحوار، قال:
- لم أفعل غير أنني طفت في أرض الله ثم سكت المسعودي مجهدا، والرجل يحدق فيه متأملا دون أن يظهر على وجهه أي انفعال، اكتشف المسعودي انه كان يحاول أن يبهره دون جدوى، كان واضحا أن العالم الخارجي لا يؤثر فيه، قال متسائلا:
- فهل رأيت ظلما كالذي رأيته هنا في أرض السواد؟
قال المسعودي: رأيت أن الظلم هو القاعدة والعدل هو الاستثناء.

بذور التمرد
أشار الخليفة فنهض الجميع وانصرفوا دون كلام، حتى ابن آبان وقف مترددا قليلا ثم انصرف وعلى وجهه علامات الحيرة، أشار ابن علي للمسعودي فجلس أمامه،ثم قال ببطء:
ـ عندما كنت أنت تكتب تاريخ ولاية المستنصر، كنت أنا في قبو بأحد سجونه، وكان يمكن أن أتعفن فيه حتى الموت، لولا أن الرعاع والجوعى ثاروا في شوارع بغداد، واقتحموا السجون واخرجوا كل من فيها من سجناء، أقسمت ساعتها ألا أتيح الفرصة لبني العباس حتى يضعوا أيديهم علي مرة أخرى، قبل ذلك كنت شاعرا من شعرائهم، أتزلف إليهم بالقصائد في بلاط سمراء، فلم يجدني ذلك نفعا، كرهت الجميع، وبالأخص نفسي، لأنني استسلمت لهم طويلا، غادرت بغداد وأنا مشحون باليأس والحنق،قررت أن ألعب نفس لعبتهم، اخترعت نسبا شريفا بجلت به نفسي، وأعلنت من البحرين دعوتي لكل المستضعفين حتى يناصروني، أيقظت فيهم حلمهم الأبدي، حلم الإمام العادل، أنا لست خائفا من أن تكتب هذا في تاريخك، ولا أريدك أن تكون تابعا من أتباعي، ولكن أريدك أن تساعدني في المحافظة على هذا الحلم.
قال المسعودي: وكيف ذلك أصلحك الله؟
قال ابن علي: لقد حشد الخليفة المطيع لله كل مالديه من جيوش، سحبهم من الثغور والأمصار وحشدهم تحت قيادة أخيه الموفق للقضاء علي أنا ورفاقي، ولو دخل الروم بغداد اليوم فلن يجدوا من يقاومهم، ولكن الموفق أكثر عندنا من بغل، لن يسمح بوجودنا إلى جانب السادة، ونحن أيضا لا نريد أن نكون بجانبهم، كل مانريده هو وطن صغير نعيش فيه، سأترك لهم البصرة وسأقنع بالمختارة وبقية الأرض جنوبا حتى البحرين، أرض قفر، حرها قائظ، ولكنها خالية من كل أنواع السادة، فليتركوها لي، وليرحلوا، لقد مللنا القتال، كما مللنا الشقاء اليومي، أذهب للموفق وقل له ذلك؟
قال المسعودي: وما أدراك أنه سيقتنع بكلامي؟
- سيفعل ذلك لأنه لا يستطيع الوصول إلي، وهذه الأنهر تحميني من جيوشه، يمكنه أن يعلن للجميع أنه انتصر علي، وحاصرني في تلك البقعة المهجورة، ولن أعارضه في ذلك، سألزم الصمت، يكفيني ما حصلت عليه دون أي نية في التوسع، هل تقوم بذلك من أجل كل هؤلاء المضطهدين؟
حمل المسعودي خرجـــه وخــــرج من المدينة، لــــم يـــتعرض له أحد،تركه الزنـــوج يمر، واصـــل السير على قدميه حتى تباعدت مزارع النخيل، بدت عند حافة الأفق رايات العباسيين السوداء على ضفة الفرات، ظهرت الخيام المتراصة بجانب بعضها البعض كأنها بلانهاية، في وسطها آلاف من السيوف والرماح منتصبة ومتقاربة الأنصال، تبدو كأنها تتهامس حول المعركة القادمة، وفي النهر سفن ضخمة مطوية الأشرعة، ولكنها تبدو متحفزة ومتأهبة، الآن فقط، أدرك المسعودي سبب خوف ابن علي من المعركة القادمة. ذكر المسعودي اسمه لأحد الجنود وطلب منه أن يقوده إلى الموفق، نظر الجندي إلى ملابسه المشعثة في ازدراء، ولكنه قادة إلى خيمة فاخرة في المنتصف، مصنوعة من قماش يقاوم الحريق، لم ير المسعودي مثيلا لها إلا في بلاد الصين العجيبة، كانت الخيمة من الداخل حمراء كالجمر، وكان الموفق بجسده الضخم جالسا وأمامه طبق هائل من فواكه كل المواسم، وقد أخذ من كل نوع فيه قضمة، نظر إليه المسعودي بهدوء يخالطه الازدراء وهو يقول:
- أظنك تحمل رسالة إلي يا مسعودي؟
قال المسعودي مدهوشا: أصلح الله الأمير.. كيف عرفت ذلك؟
- عيوني التي لا تنام داخل البصرة هي التي أبلغتني.. رأتك ترحل مع قائدهم وتعود وحدك، ذكرت لي اسمك ووصفك والخان الذي حللت فيه فجلست هنا أنتظرك ؟
وقف المسعودي حائرا لا يدري ماذا يقول، رفع الموفق أصبعه السمينة وواصل القول:
- لا تنقل إلى شيئا أقل من استسلامهم غير المشروط...وحرق مدينتهم وعودة العبيد إلى أسيادهم. قال المسعودي: أعز الله الأمير، لم تبق لي شيئا، الرجل يطلب وهذه كلماته هو، وليست لي أن تتركه في حاله في تلك البقعة النائية من جنوب العراق، ويعد في مقابل ذلك آلا يتحرش بجند الدولة.. أو يحاول التوسع
أربد وجه الموفق واعتدل في جلسته وهو يصيح:
- أنت يامسعودي.. برجاحة عقلك وكثرة أسفارك.. جئت تحمل لي هذا الكلام الفارغ، أي دولة هذه تلك التي تترك قطعة من أرضها لعبيدها؟! وأي أمير أكون حين أتفاوض مع هؤلاء الزنوج، تحدث فيما يفيد.. أنت الآن وحدك تعرف مكان المدينة المختارة، وأنت الآن عليك أن تجلس وترسم خريطة دقيقة لها حتى لا يضل جنودي الطريق إليها وسط متاهة الأنهار..
بهت المسعودي، اكتشف أن الرجل يريد أن يحوله ببساطة إلى عين من عيونه، يجعله يخون سر الرجال الذين ائتمنوه على مدينتهم، وحملوه رسالتهم، كان الموفق يترقب كلمته في ثقة من لا يرد له أمر، قال المسعودي:
- لا أعرف مكانها حقا، تشابهت علي الأنهر وأحراش الغاب، وهبط الظلام علي فطمس كل معلم.
زمجر الموفق غاضبا: أنت تكذب وتعرف أنك تكذب.. ولكني موقن من أني سأجعلك تتكلم.
فوجئ المسعودي بالحرس يهجمون عليه، طرحوه أرضا في حركة واحدة، انهالوا عليه باللكمات والركلات من كل جانب، غمر الألم جسده، تحطمت ضلوعه، وتساقطت أسنانه، وسمع الموفق وهو يقول:
- أنا لست بقية بني العباس أرعي الكتبة والمتكلمة.. أنا أضعهم على الخازوق حتى تخرج أرواحهم وأخلص العالم من ثرثرتهم.
شهق المسعودي، وحين رأي طرف الخازوق النحاسي اللامع، هتف متوسلا وباكيا:
- أرحموني يرحمكم الله.. سأرسم الخريطة.. وافعل كل ما تريدون، ولله الأمر من قبل ومن بعد.


محمد المنسي قنديل

Sir Mohammad Yousry
02-14-2010, 07:10 AM
بلجراد على أبواب الفراق الصعب
يبدو أن الانقسام هو قدر يوغسلافيا المحتوم. انقسام حاد في يوغسلافيا المحتوم. انقسام حاد في التضاريس بين السهول المنبسطة والجبال الوعرة، وانقسام في الموقع الجغرافي، وضعها في المركز الحرج الذي يتصارع فيه الشرق مع الغرب، وانقسام في القوميات بلغ 20 جماعة أقلية وعرقية، وانقسام في اللغة: حوالي 14 لغة ولهجة، وانقسام في الدين، بل وفي الطبائع البشرية ذاتها.
عاشت يوغسلافيا تجربة الدولة الموحدة منذ 74 عاما، ولكن من الواضح أن هذه الأعوام لم تكن كافية لخلق ذلك التجانس بين أبناء الوطن الواحد، وظلت الدولة - التي تكونت من ست جمهوريات ومقاطعتين - حلما هشا ما إن هبت عليه رياح التغيير العاصفة حتى أزاحت رماد التماسك، وظهرت تحته شقوق العصبيات الغائرة، وتأججت نيران الثأر القديمة التي كان الجميع يحسبون أنها قد خمدت وتحول أبناء الوطن الواحد إلى حالة من العداوة البالغة القسوة.
جواسيس وسط الجبال
كنا- أنا وزميلي المصور - وسط ممرات الجبال الوعرة في منطقة "مونتي نجرو" أو الجبل الأسود، بعيدا مئات الأميال عن أماكن القتال بين الصرب والكروات، وكانت سيارتنا تلهث وهي تواصل الدوران فوق قمة الجبل الذي يبلغ ارتفاعه حوالي 2000 متر فوق سطح البحر، عندما وجدنا سيارة حمراء "فان" تتابعنا في إلحاح، لم نهتم بها ونحن نحاول التركيز مع كلمات الدليل الذي يرافقنا، وهو من أهل المنطقة، لم نفطن إلى أن هناك سيارة أخرى بيضاء قد انضمت إليها واندفعت السيارة الأولى في سرعة وسدت الطريق أمامنا.
استطعنا التوقف بصعوبة بالقرب من الحافة الوعرة، وهبط ثلاثة من الرجال الضخام وهبط مثلهم من السيارة البيضاء التي سدت الطريق من الخلف، أحاطوا بنا في دائرة محكمة وهم يصيحون في غضب ويلوحون بقبضاتهم الضخمة، لم نكن نفهم حرفا من اللغة "الصربوكرواتية" التي يصيحون بها، ولكن إشارات السخط كانت واضحة الدلالة، شعرنا بالخوف، وأخذ الدليل يتحدث إليهم في هدوء مشيرا إلينا وإلى السيارة وإلى الشارة الموجودة على صدره، والتي تؤكد وظيفته الرسمية كدليل سياحي، ولكن كلمات الغضب ظلت محتدمة، كان من الواضح أنهم لم يصدقوا كلماته، التفت إلينا وطلب منا أن نخرج جوازي سفرنا، قدمناهما لهم فأخذوا يقلبون أوراقهما، ثم هدأوا فجأة وأعادوا إلينا الجوازين، ولكنهم لم ينسوا أن يلوحوا بعدة كلمات تحذيرية للدليل قبل أن ينصرفوا.
عدنا إلى السيارة ونحن نحمل في داخلنا مخاوف المطاردة، وسألنا الدليل عن معنى ما حدث فقال في لجهة مقتضبة:
إنهم أناس مجانين.
لم تشبع إجابته فضولنا، رفضنا أن تتحرك السيارة قبل أن نعرف ما حدث، قال أخيرا في ضيق:
لقد كانوا يحسبوننا جواسيس.
صحنا - أنا وزميلي - في دهشة: جواسيس؟!!
قال: أجل، إن لوحات سيارتنا المستأجرة مسجلة في مدينة "لوبيانا" عاصمة جمهورية سلوفانيا التي أعلنت انفصالها، إنها أرقام قديمة، وكان هذا أمرا عاديا عندما كنا دولة واحدة، أما الآن فكل شيء يدعو إلى الشك والريبة.
وكان أمرا مثيرا للسخرية أن يعلن الجواسيس عن هويتهم في لوحات أرقام السيارة، ولكن سوء الظن والاتهامات المتبادلة وحالة الحرب الدائرة جعلت الجميع يعيشون في مناخ من العداء والشك. تحولت أرض الوطن الواحد التي كانت تتداخل فيها المصالح والأنساب إلى مناطق محرمة تفصلها الحواجز والحدود. امتلأت المنطقة بمشاكل الأقليات الخائفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في غير أوطانهم، وتحولت العيون التي تعودت على رؤية الغرباء إلى محاكم تفتيش ترصد أي هفوة. أدركنا أننا - دون أن ندري - نخوض في إحدى نقاط الغليان في العالم، وأن يوغسلافيا القديمة قد ماتت، وأن حقائق جديدة تفرض علينا نفسها.
ولكن.. ألا يمكن أن نبدأ من بداية رحلتنا إلى بلجراد؟
الذاكرة العنيدة
كان الفجر شاحبا، والضباب يخفي معظم المعالم الأساسية للمدينة. كل شيء كان هادئا كأنها لحظة الخلق الأولى، ولكن سائق التاكسي الذي أقلنا إلى الفندق انتهز الفرصة وعرض ثمنا مرتفعا للغاية بلغ ثلاثة أضعاف السعر العادي، ولم يكن أمامنا إلا أن نقبل. على أي حال فهذا دأب كل السائقين في كل مطارات العالم.
ورغم ذلك، ورغم أنه لم يكن يجيد التحدث باللغة الإنجليزية فقد أصر على أن يتحدث في السياسة التي أصبحت تفرض نفسها على الجميع في يوغسلافيا. كانت هناك وساطة أوربية على وشك الفشل، ووقف جديد للنيران يوشك أن ينهار، وبلجراد تقف على أبواب الفراق الصعب وتدخل في متاهة غامضة تلفها مثلما يلفنا ضباب هذا الصباح البارد.
"إنها شعوب عنيدة الذاكرة، ترفض أن تنسى وأن تتسامح وأن تبدأ من جديد.." هكذا قال لي البروفيسور تومسيسفتش أستاذ التاريخ بكلية العلوم والفنون في بلجراد. كان يحاول أن يشخص حالة الجنون التي انتابت تلك الشعوب السلافية التي يعود إليها أصل قوميات يوغسلافيا المختلفة. كان يؤكد أن هذا الانفصال ضد مصلحة الجميع، وأن الجميع يعرفون ذلك، ومع ذلك يمضون في هذا الطريق بكل إصرار.
بلجراد هي العاصمة المركزية لكل يوغسلافيا، وهي عاصمة أكبر جمهورياتها "صربيا" التي كانت نواة الوحدة. الجمهورية التالية لها هي "كرواتيا" وعاصمتها "زغرب" هي الطرف الثاني في الحرب الدائرة الآن منذ يونيو الماضي، ثم سلوفانيا وعاصمتها "لوبيانا"، وقد أعلنت هي أيضا انفصالا هادئا لم تعترف به الحكومة الاتحادية بعد، ولكنه يأخذ شكله الواقعي ويتأكد يوما بعد يوم. ثم جمهورية "البوسنة والهرسك" الإسلامية - أو البوشناق كما كان شيخنا الجبرتي يطلق عليهم - وعاصمتها سراييفو المدينة التي قادت العالم إلى الحرب العالمية الأولى، وهي تقع الآن بين حجري الرحى في الحرب الدائرة بين الصرب والكروات، وجمهورية مقدونيا وعاصمتها أسكوبيا.. مشكلتها هي أيضا معقدة، فالشعب المقدوني- يشبه الأكراد- موزع بين ثلاث دول كبرى هي اليونان وبلغاريا ويوغسلافيا، وإذا استقل القسم اليوغسلافي فسوف تبدأ المشاكل على حدود الدولتين الأخريين، وهو ما يحدث الآن بالفعل. وآخر هذه الجمهوريات وأكثرها هدوءا وفقرا هي "مونتي نجرو" "أو الجبل الأسود" وعاصمتها تيتو جراد. وكل مظاهر الاعتراض التي تبديها حتى الآن أنها تريد أن تغير اسم عاصمتها وتحذف اسم تيتو. بالإضافة إلى ذلك هناك مقاطعتان تتمتعان بالحكم الذاتي في ظل الاتحاد هما فوديفودينا وكوسوفا. هذه خلطة الناس والقوميات التي كانت تكون يوغسلافيا الحديثة، يوغسلافيا التي كانت تعني لنا الاستقلال عن هيمنة القوى العظمى وريادة حركة عدم الانحياز، تدفع الآن ضريبة الحلم الهش الذي لم يعش طويلا.
قبل أن نخوض في شوارع بلجراد المزدحمة بالمشاكل والناس كنا نريد أن نرى المدينة في كتلة واحدة مجتمعة، أن نرى تلك العلاقة بين الكتلة الساكنة وسط السهول والغابات والفراغ الذي يحيط بها. إنها الطريقة المثلى كي تأخذ فكرة عن الشكل العام للمدينة، فحتى بعد أن تخوض في تفاصيلها الصغيرة، وتضيع وسط حواريها الضيقة، يبقى لديك يقين داخلي أنك تعرف الحدود التي تتجول فيها.
صعدنا إلى قمة جبل "أفالا" على حدود بلجراد. كانت طرقه الملتوية تخوض وسط غابات أشجار الصنوبر العملاقة الزاهية الخضرة. كان هذا الجبل هو أعلى قمة في منطقة الصرب كلها. يجعلك سكون الغابة تشعر بالمهابة وأنت تجوس خلالها وتنتهك صمتها. وبدت أمامنا بلجراد غارقة وسط الضباب الأخضر، سقوفها المكسوة بالقرميد الأحمر تتلقى قطرات المطر فتضفي عليها حزنا من نوع خاص. إنها عنوان للمدن القديمة التي تلقت كل أنواع الضربات وجربت كل صنوف الغزاة، منذ أن كانت حصنا بناه الرومان على حافة نهر "السافا" وأطلقوا عليه اسم "سبنجردونوم" وحول هذا الحصن بدأت نواة المدينة.
من المؤكد أنه قد مات
كان وجه ستيب ميسييتش الرئيس الاتحادي ليوغسلافيا يطالعنا من خلال شاشات التليفزيون، حزينا ومليئا بالتجاعيد ولكنه صارم.. "لقد ماتت يوغسلافيا وعلى العالم أن يتعامل مع هذه الحقيقة الجديدة.."
كنا في شارع "مارشالاتيتا" أو المارشال تيتو أكبر شوارع بلجراد وأكثرها ازدحاما بحركة الناس والسيارات عندما رددت هذه الكلمات وأدركت معها أن هذه هي لحظة موت جوزيف بروز تيتو الحقيقية.
وسط الغابة السوداء في المنطقة الجنوبية من المدينة يوجد ضريح تيتو.. نفس المكان الذي بدأ منه ثورته وهو يستعد لمقاومة جحافل النازي. نفس المكان التقليدي الذي بدأت منه كل ثورات الصرب. ولكن تيتو لم يكن من الصرب، كان من كرواتيا، وهذا أحد أسرار عظمته، فقد جعل من نفسه رمزا لكل الدولة وليس لقومية بعينها.
كان القبر الرخامي ممددا عاجزا محفورا عليه بأحرف مذهبة تاريخي الميلاد والموت (1892- 1980) وما بينهما كانت حياة طويلة حافلة مليئة بالانتصارات والهزائم المرة يقف أربعة من الحرس يرتدون الأزرق والأبيض والأحمر- نفس ألوان العلم - صامتين، جامدي الوجوه، لا يتحركون إلا كل ربع ساعة عندما يأتي غيرهم من الحرس كي يأخذوا نوبتهم في الحراسة. وعلى امتداد الغابة تتناثر التماثيل الحجرية والطواويس وقطيع من الغزلان والسناجب، تتقافز كلها في هدوء احتراما لجسد الزعيم المسجى.
بجوار القبر يوجد البيت الذي تعود أن يلجأ إليه طلبا للهدوء وسط الغابات. من الواضح أنه كان صيادا ماهرا، أكد لي أحد المسئولين في خبث أنه كان يهوى صيد الحيوانات والنساء على السواء. ولكني شاهدت آثار صيده للعديد من الحيوانات، رءوسا لوعول معلقة على الحائط، وجلود دببة منشورة، والعديد من قرون الأيائل. وفي جانب من البيت في حجرة صغيرة لا تزال هناك ماكينة حياكة الأحذية التي كان يعمل عليها قبل أن يتركها ويحترف السياسة. ووسط المقتنيات الكثيرة - التي كانت تهدي إليه من جميع دول العالم - يوجد تمثال مصري قديم يمثل أوزوريس. تمثال أكسبه الزمن خضرة داكنة، من الواضح أنه كان رمزا للصداقة الوطيدة التي قامت ذات يوم بينه وبين الرئيس جمال عبد الناصر..
كان تيتو عندما بدأ أولى الخطوات من أجل بناء يوغسلافيا الحديثة يدرك أنه يحمل على كتفيه تاريخا طويلا موغلا في العداوات والخلافات بين القوميات المختلفة، كانت يوغسلافيا هي الخط الفاصل بين الإمبراطورية الرومانية الغربية التي تتحدث اللاتينية وتدين بالكاثوليكية، والإمبراطورية الرومانية الشرقية التي تتحدث الإغريقية وتدين بالأرثوذكسية وظل هذا الخلاف يمثل قاسما مشتركا بين الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك.
لا أحد يعرف من أين جاءت الشعوب السلافية التي استوطنت هذه المنطقة. ولا لماذا هاجرت من موطنها الأصلي. ولكن أغلب المؤرخين يعتقدون أنها جاءت من أحراج روسيا الباردة، هربا من الجوع وبحثا عن أرض خصبة، وليس هناك أفضل من ضفاف نهر "السافا". حاول الرومان إزاحة هذه الشعوب المهاجرة دون جدوى. فقد استقروا هم ورحل الرومان، وتمايز السلافيون إلى العديد من القوميات التي مازالت باقية حتى الآن.
كونت مملكة الصرب أول دولة مستقلة في منطقة البلقان، ولكنها كانت مملكة قصيرة العمر، فقد اجتاحتها الجيوش التركية التي غزت أوربا حتى وصلت إلى أسوار "فيينا" واختفت الشعوب السلافية الجنوبية من التاريخ لمدة ثلاثة قرون ونصف.
الخلاص من الحكم التركي كان طويلا وشاقا. وأقصى ما فعلته هذه الشعوب السلافية خلال هذا التاريخ الطويل أنها استبدلت سيدا بآخر. فبدلا من أن كانت الإمبراطورية العثمانية تحكمها كلها، أصبحت كرواتيا وسلافونيا تحت حكم الإمبراطورية النمساوية.
كان الحكم التركي- الذي أمسك الصرب بقبضة من حديد- قاسيا. أطلق اليد لجنود الانكشارية كي يعيثوا فسادا في بلجراد وما يحيط بها من مدن. وفي عام 1690 - وسط أتون الحرب بين تركيا والنمسا - هاجر حوالي 40 ألف صربي هربا من نظام الحكم التركي إلى أراضي كرواتيا، وأرسلوا إلى إمبراطور النمسا يسألونه السماح لهم بالإقامة، ووافق الإمبراطور سعيدا، فقد كان يريد أن يصنع منهم سدا في وجه أي غزو تركي للبلاد. من هذه النواة الصربية في أرض كرواتيا بدأت المشكلة التي تعاني منها يوغسلافيا الآن بعد حوالي 300 عام.
كانت الصرب هي أول من استقل، وهي أول من زرع حلم الوحدة بين المثقفين والشعراء السلاف، وقد استعمل تعبير "يوغسلافيا" للمرة الأولى عام 1839 بواسطة الصحفي الصربي تيودور بافلوفيتش. ولكن إمبراطور النمسا العجوز فرانز جوزيف لم يكن يرتاح كثيرا لوجود مثل هذه الدولة التي تزرع روح التمرد بين صفوف رعاياه. وعندما كان ابن أخيه وولي عهده الأرشيدوق فرانز فرديناند في جولة في مدينة سراييفو أطلق عليه شاب صربي متحمس النار. وانتهزت النمسا الفرصة وأعلنت الحرب على صربيا رغم كل الاعتذارات التي قدمتها، ولم تسكت بقية دول أوربا، فاندفعت هي الأخرى، ولم تنته هذه الحرب العالمية الأولى إلا وقد تقوضت اثنتان من أكبر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، واجتمعت الدول المنتصرة كي تلملم أشتات دول البلقان الممزقة وتصنع منها يوغسلافيا.
رغم الوحدة ظل التناقض موجودا. وظل مخفيا تحت وطأة ظروف ما بعد الحرب وحاجة القوميات الضعيفة إلى كيان أكبر يضمها. ولكن هذا التناقض برز بصورته المأساوية في أثناء الحرب العالمية الثانية، لقد رفض الصرب ألمانيا النازية منذ اللحظة الأولى، بينما كون الكروات حكومة موالية لهم، ومن بين المليونين إلا ربعا الذين قتلوا في المعارك نجد أن أكثر من 600 ألف قد قتلوا بأيدي إخوانهم. لقد كان الصرب الذين أقاموا داخل حدود كرواتيا منذ أيام الحكم النمساوي هم ضحايا النزعات الفاشستية التي نهضت بين الكروات. هذا الثأر لم ينس حتى الآن. وتلك المخاوف استيقظت بشدة لدى الصرب عندما أعلنت كرواتيا عن عزمها على الاستقلال في 25 يونيو الماضي. لقد رد الصرب وتحولت البلاد إلى مذبحة يتقاتل فيها الجميع، وبدا كأن إله الحرب قد اختار هذا الشعب التعس كي يطرح نفوسه عارية وصريحة في مواجهة المحنة.
كانت معجزة تيتو الحقيقية أنه استطاع أن يرتفع فوق هذه النزعات التعصبية، وأن يحول كل مشاعر الكراهية المضطربة نحو تحرير البلاد من الألمان، بل إنه لم يحارب الألمان وحدهم، ولكنه حارب فلول الجيش الملكي اليوغسلافي، وحارب المتعصبين الكروات والمتعصبين الصرب، وصنع من "البارتيزان" - أو الأنصار- أسطورة جديدة من أساطير الكفاح الوطني، خرج بيوغسلافيا من الحرب وقد حسب الجميع أنه قد صنع منها دولة حقيقية. ولكن يبدو أن المشاكل ظلت مستعرة تحت الرماد، بعد كل هذه السنوات تعتقد كل جمهورية أنها قد ظلمت وتم التجني عليها.

Sir Mohammad Yousry
02-14-2010, 07:11 AM
إنها جزء من ريح الديمقراطية التي عصفت بأوربا الشرقية كلها. كل قومية تعبر عن نفسها وعن مصالحها الاقتصادية الآنية. لا أحد يسأل نفسه ماذا سيحدث في المستقبل.. ماذا استفاد من الوحدة وما هو ثمن الانفصال؟ هل ستعلن القوميات نفسها دولا مبعثرة مستقلة، أم أنها سوف تبحث عن صيغة أخرى للوحدة في عالم لا يعترف إلا بالكيانات الكبيرة؟ مأساة يوغسلافيا أنها تواجه أسئلة ضخمة لا تعرف إجابات عنها.
من المؤكد إذن أن تيتو قد مات. لا لأنه يرقد في هذا القبر الرخامي، بل لأن القوة المركزية والتي كانت تجذب في فلكها كل هذه القوميات المتناحرة قد اختفت، وسقط النظام الشمولي، واختلطت أحاسيس التوق إلى الحرية بالمشاكل الاقتصادية بمحاولة التعبير عن الذات واستنشاق رياح الحرية. وهكذا تبقى كل أسئلة المستقبل بلا إجابة، ولعل القوميات التي تطالب بالانفصال الآن لم تسألها لأنفسها حتى الآن.
ثلاثة شوارع
حتى الآن لم نكن قد بدأنا جولتنا الحقيقية في شوارع بلجراد كي نشاهد إيقاع الحياة اليومية في المدينة. جذبتنا الحرب إلى الماضي البعيد.
كان هذا أوان الخريف، والأشجار المتناثرة أخذت لونها الذهبي وأخذت تتعرى ببطء من أوراقها القديمة، كان الجو مليئا بأنفاس الموت والميلاد الجديد، والمطر يهطل بطيئا أحيانا فيزيد من إيقاع الحزن الذي يخيم على كل شيء. في الحدائق يجلس العجائز في وهن فوق المقاعد المتناثرة بينما يلعب أحفادهم وسط أكوام الورق المتساقط. إنه خريف غريب مليء بالنذر، يلقي بظلاله على المدينة فيحول وهج الألوان إلى اصفرار الأفول.
شارع مارشالا تيتا مزدحم بالسيارات وبالبضائع الأوربية التي تفوق قدرة المواطن العادي. قالت لي محامية متزوجة من مهندس يعيشان معا في بلجراد: إن الأسعار تتسابق بمعدل غير عادي، وقد جاءت الحرب التي كنا نخاف منها.. فماذا يحدث في الأسعار؟.. الحرب تركت بصماتها على هذا الشارع.. صفوف السيارات الطويلة بلا نهاية أمام محطات الوقود. يقول البعض إن الدبابات الذاهبة للحرب لم تبق شيئا لأهل المدينة. وتؤكد الأخبار أن خط الأنابيب الذي يزود يوغسلافيا كلها بالبترول ويمر من خلال أرض كرواتيا قد تم إغلاقه، مارشالا تيتا لا يمثل روح المدينة بقدر ما يمثل حركتها التجارية ونشاطها السكاني وطراز العمارة فيها الذي يعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.
ولكن التلخيص الخفي لروح المدينة يكمن في شارع آخر هو "كنيز ميخالوفا" ، كأن شوارع المدينة التي تشبه بحرا متقلب الأمواج تستكين كلها أمام مدخل هذا الشارع. إنه موهوب للمشاة فقط لا تدخله السيارات من أي نوع، ويشق قلب المدينة القديم كأنه نهر بشري بالغ الحيوية والتدفق "كنيز ميخالوفا" أو الأمير ميخائيل يقف تمثاله في أول الشارع. ومهما تجولنا فلابد أن نعود إليه. إن البيوت المغطاة بالجص والمزينة بتماثيل القديسين والنوافذ التي تزحف على أفاريزها أغصان الزهر تهب نفسها للشمس وريح السهول. في هذا الشارع يعلو صوت البشر وتظهر لمساتهم الإنسانية. يسير الحمام متهاديا وسط أقدام المارة ويلتقط الفتات الذي ينزلق من بين أصابع الأطفال، وتميل البنات الجميلات على نوافير المياه المتناثرة فيبللن شفاههن وتتوهج خدودهن من فرط برودة الارتواء. ويقف المغنون الفقراء أمام واجهات العرض الزجاجية التي تعرض أغلى أنواع البضائع كي يعزفوا ألحانهم البدائية. مغنون من الغجر، حط بهم الترحال على أطراف المدينة، وأعطاهم الفن والبؤس مسحة من الرقة والدعة، فامتلأت أغانيهم بالشجن وكل تأوهات التجوال، لا يقطعها سوى التفاتة عيونهم وهي تتابع قطع العملة المعدنية حين تلقى إليهم. هناك إيقاع مجهول يسود الشارع كله، يتألف من هذه الألحان ومن وقع أقدام المارة ووجيب قلوبهم ومن تجوال الفتيات الذي لا ينتهي، مهرجان من الجمال الخالص بالغ الرهافة والتنوع. في عيونهم جميعا تلك النظرة الناعسة، وعلى وجوههن ذلك الشحوب الآسر الذي يغلف سحر المرأة بالغموض. ينسبن عبر الشارع يتأملن واجهات العرض ويتلقين نظرة الإعجاب، مكافأة خالصة. ويتسكعن أمام رسامي الرصيف، لعل نظرة شاردة تدفع بالإلهام إلى ريشته. إيقاع متداخل من الحزن والبهجة. فأنت ترى كل شيء . . وأنت تدرك أنك لن تحصل على شيء.
ثم نعود إلى تمثال الأمير المعدني الذي أعطي اسمه للشارع. يقف فوق جواده مشيرا إلى فراغ بعيد. كان أبوه هو الملك إسكندر الذي حكم يوغسلافيا في فترة قصيرة العمر قبل الحرب العالمية الأولى. عندما كان يزور فرنسا لقي مصرعه على يد شاب بلغاري متهور، وقيل إن المخابرات النازية هي التي حرضته على ذلك، ولفظ الملك أنفاسه تحت إحدى أشجار البلوط، وقامت زوجته الملكة بقطع كل أشجار البلوط الموجودة في قصره حتى لا يثير مرآها أحزانها.
في مارس الماضي عندما عمت بلجراد انتفاضة عارمة ضد حكم الشيوعيين القدامى، وتصدى رجال الشرطة للمتظاهرين، وقتلوا أحد الطلاب تحت قاعدة تمثال الأمير ميخائيل. من هذه اللحظة تحول التمثال إلى مزار يومي يؤمه كل أهالي المدينة كي يضعوا الزهور ويوقدوا الشموع. وعندما بدأت الحرب الأهلية تحولت الضحية الواحدة إلى عشرات الضحايا. وتكاثرت على قاعدة الأمير الصامت عشرات الصور والزهور والشموع الذاوية. الحرب تبدو هنا واضحة في نظرات الناس وهم يرقبون ألسنة اللهب ويتأملون علم الصرب القديم، وقد خرج فجأة وعلق تحت قدمي الأمير.
وقريبا من التمثال في كل مساء يجتمع أقطاب المعارضة ورؤساء الأحزاب الجديدة ويجتمع حولهم شباب المدينة، وتعلو صيحات الاحتجاج وتتداخل كل القضايا، الحرب والحرية والانفصال، وتوزع المنشورات والخرائط الجديدة. وجه آخر من وجوه الحرب بين الصرب والكروات، حرب الخرائط: كل بلد يرسم الحدود التي يراها من حقه ويقتنص بها أرض البلد الآخر . . الصرب يريدون أرضهم بالإضافة إلى الأرض التي يقيم عليها الصرب في كرواتيا . . والكروات يرون أن الصرب قد بالغت في رسم حدودها.. والحقيقة أن الحدود مختلطة تماما كاختلاط الأجناس، وانتزاعها سوف يكون غالي الثمن . . قال لي زعيم حزب "إعادة البناء" وهو أحد أحزاب المعارضة الجديدة .. "لن يحكمنا الشيوعيون بعد الآن، كل بقايا الحكومة الموجودة الآن سواء في صربيا أو كرواتيا هم من بقايا الحرس القديم، وقد افتعلوا هذه الحرب كي يحولوا الأنظار عن المشاكل الداخلية".. بعد آخر من أبعاد الحرب الغامضة.
ولكن كان يجب أن أترك شارع كنيز ميخالوفا كي أذهب إلى الشارع الذي عشقته بحق دون شوارع بلجراد كلها.. شارع هادئ وضيق وعتيق، يأخذك فجأة من وسط ضجيج العاصمة. شارع "سكادرليه" أو الشارع البوهيمي كما يطلقون عليه. شارع يحتويك في نعومة وينقلك إلى الماضي البعيد، تغطي أرضه الأحجار السوداء الصغيرة وتتلاصق فيه البيوت الواطئة، وتتناثر فيه المطاعم التقليدية، ويعرض الفنانون لوحاتهم للبيع، وتتناثر على جدرانه أبيات القصائد. في اللحظة التي رأيته فيها كان موحشا وخاليا، ممسكا بلحظة من الزمن مرت دون عودة. من أجل ذلك وقعت أسيرا له، ثم عرفت بعد ذلك أنه كان الشارع المفضل لكل الشعراء والأدباء الحالمين الذين كانت تفزعهم ضجة المدينة. في أحد بيوته عاش واحد من أشهر شعراء الصرب وأكثرهم رومانسية، هو ديورا جاكفيتش الذي مات في عام 1878 بعد أربعين عاما من العذاب . . كانت أشهر أبيات شعره والتي مازالت محفورة على لافتة من الرخام عند مدخل المنزل:
"لقد شربت كثيرا من الشراب المر
وغمست كثيرا من قطع الخبز بدموعي"
حياة قصيرة وحزينة، سكن خلالها الشارع البوهيمي لمدة خمس سنوات ثم انتهى به الأمر مريضا بالسل، ولم ينل التكريم الذي يستحقه إلا بعد وفاته كما يحدث دائما.
القلعة وطبقات الزمن
مثلما اختار الأديب اليوغسلافي الكبير "ايفو أندريتش" ذلك الجسر المقام فوق نهر درينا كي يروي من خلاله حركة الناس عبر ذلك الزمن الممتد، فإن قلعة بلجراد يمكنها أن تقوم بهذا الدور كشاهد من شواهد التاريخ.
قلعة الميدان.. أو "كلميجدان" نفس إيقاع الاسم بالعربية. تتراكم فيها طبقات الزمن وتتداخل شواهد العصور، كل الغزاة الذين مروا تركوا جروحا غائرة. ميراث من الزهو والسقوط، حفظته الأحجار في صمتها المهيب، وامتدت أسوار القلعة من قلب المدينة حتى حافة النهر، تحت أسوارها يلتقي نهر الدانوب بعد رحلة طويلة في ربوع أوربا كي يذوب في نهر السافا الذي يقسم بلجراد . واحد من أروع مناظر القارة الأوربية.
وبين الأسوار توجد أدوات الحكم والتسلط التي تقوم بها أي قلعة، القصر والسجن والمدفع، والسجن هو أقدم هذه الآثار على الإطلاق. يحمل آثار العصر الروماني الذي مر على المدينة. قبو قديم غائض، أضاف إليه الأتراك مزيدا من الأقبية، تفوح منها رائحة الطحالب القديمة وبقايا الأرواح التي لم تعرف طريق الشمس. وفي الركن الشرقي توجد بقايا القصر. إنها أكثر من قصر ومن برج، في وسطه نافورة محمد باشا آخر من حكم المدينة من جنود الإنكشارية. كان يجلس أمامها ويرقب التقاء النهرين ويدخن الأرجيلة ويشاهد الرقصات الصربية. وفي الجانب الغربي يمتد متحف حربي مفتوح، يضم العديد من الأسلحة والذخائر، بقايا الحرب العالمية الأولى، تلك الحرب الشرسة التي خاضتها مملكة الصرب ضد الإمبراطورية النمساوية العجوز.
ولكن القلعة لا تحتلها أصوات الماضي فقط، إن الحاضر يحاول أن يجد لنفسه مكانا بين جدرانها، خلف بوابتها تجلس النسوة العجائز، يغزلن الخيوط ويصنعن المفارش والشراشيف، يضيعن في الغزل ساعات عمرهن القليلة المتبقية كأنهن يصنعن من الخيوط عالما خاصا بهن غاية في التناسق والجمال ثم يفرشنها على الأرض أمام الأعين لعل هناك من يدفع ثمنا لكل هذه الساعات الضائعة.
شباب المسرح في بلجراد أخذوا أيضا جانبا من القلعة، كانوا يقدمون في الهواء الطلق أحد عروضهم التجريبية مستغلين جدران القلعة كديكور حي، كانوا يقدمون رؤية جديدة لمسرحية قديمة هي "ميديا" تلك المرأة التي دفعتها الغيرة العمياء إلى أن تقتل أبناءها. كانت تقوم بالدور سونيا فيكوسيفيتش وهي من أشهر ممثلات يوغسلافيا في أداء صامت يجمع بين الرقص والحركات الإيمائية، ويجسد المعنى الرمزي الذي تحاول المسرحية أن تقوله في هذه اللحظة الراهنة وهي تدين يوغسلافيا الأم التي تقتل أبناءها دون ثمن، إن مأساة ميديا القديمة لا تنتهي كما قالت لي سونيا.. وهي تحاول من خلال الثياب السوداء التي ترتديها ومن رحلة الندم الطويلة أن توقظ الجميع على بشاعة الحرب التي يخسر فيها الجميع ولا يفوز فيها أحد. إن الحرب تلاحقنا في كل مكان نذهب إليه في بلجراد.
الحرب في قلب بلجراد
كان ياسين الرواشدة مراسل وكالة الأنباء الكويتية في بلجراد هو الذي أيقظنا في الصباح المبكر وهو يهتف في لهجة صحفية مثيرة:
لقد وصلت الحرب إلى قلب بلجراد.
خبر مدهش وغير قابل للتصديق. فالأنباء تقول إن الجيش الاتحادي هو الذي يتقدم إلى قلب زغرب عاصمة كرواتيا. هبطنا مسرعين من الفندق، وكان من الصعب أن نشرح لسائق التاكسي الذي لا يفهم الإنجليزية أين نريد أن نذهب. فأخذنا نعدو على أقدامنا فوق شوارع بلجراد المبللة بندى الليل، تهنا قليلا، ولكننا استطعنا أن نصل إلى مبنى البرلمان الاتحادي بقبابه الخضراء. كانت سيارات الشرطة تحاصر المكان وصفارات عربات الإطفاء تدوي وبدت أكثر من سيارة مصابة على جانبي الطريق والمارة يتجمعون بينما يحاول رجال الشرطة إزاحتهم عبثا. في وسط كل هذه الأشياء كانت الدبابة التي أثارت كل هذا الاهتمام واقفة. إحدى دبابات الجيش الاتحادي تركت جبهة القتال واخترقت شوارع المدينة النائمة ورفعت مدفعها أمام مبنى البرلمان. حاول زميلي أن يصور ما يحدث ولكن رجال الشرطة منعوه في عنف، كان وجه الجندي الذي استطاعت الشرطة إقناعه بالخروج من الدبابة شاحبا ومذعورا.. أعلن فيما بعد أنه من الغجر - قومية فقيرة ليس من حقها الاحتجاج - خلع الخوذة فبدا أصغر سنا. لم يدخل بعد معترك الحياة وإن كان قد وجد نفسه فجأة في أتون الحرب، وكان جسده أشد ضآلة من الثياب العسكرية التي يرتديها، فأخذ جسده يتأرجح فيها، ظلت الدبابة تقف صامتة رافعة مدفعها أمام القباب القوطية. مرثية بالغة الدلالة من الحديد والصلب.
كان الغجري البسيط يقدم احتجاجه عن حرب لا يفهمها، فالحرب قد بدأت بين الصرب الذين يقيمون على أرض كرواتيا وأهالي كروات، كان الأولون يرفضون الانفصال، لا يريدون أن يعيشوا أقلية ويتعرضوا بذلك للاضطهاد والمذابح التي تعرضوا لها خلال الحرب العالمية الثانية. وكان الآخرون (الكروات) يريدون استقلالا كاملا دون أن ينتقص من حدودهم شيء. ولأن نزعات التطرف كانت عالية فقد انخرط الاثنان في قتال ضار.. وتدخل الجيش الاتحادي ليفصل بين المتحاربين فإذا به - بقيادته الصربية - ينضم إلى صالح الصرب.
كل يوم كانت بقية القوميات تعلن استياءها الشديد من جرها إلى حرب لا يريدون أن يخوضوها، جمهورية مقدونيا أعلنت أنها لن تسمح لأبنائها في الجيش الاتحادي بالقتال وطلبت منهم الانسحاب وعدم إطاعة الأوامر، أما جمهورية البوسنة والهرسك فقد كانت في موقف لا تحسد عليه، فالموقع الجغرافي يفرض عليها أن تمر كل القوات المتقاتلة من أراضيها وبين رفضها للصرب واتهامات الكروات لها بالتواطؤ تهز مشكلتها الحقيقية، وهي تحاول بلا جدوى ألا تكون طرفا في الصراع.
والمشكلة التي لا يصرح بها أحد أن الانفصال يضع صربيا في موقف غاية في الصعوبة، فهي تحس أنها قدمت الكثير من أجل الاتحاد، وتحملت أن يكون مؤسس الدولة من كرواتيا، ولكنها في الحساب الختامي اكتشفت أن كل الصناعات الثقيلة ليست على أرضها ولكن في كرواتيا وسلوفانيا.. وأنها بغيرهما سوف تعود بلدا زراعيا مثقلا بالديون، ولا أحد يعرف الآن من سيدفع "فاتورة" صندوق النقد الدولي الباهظة. إن صربيا تحاول أن تتعلل بوجود الأقلية الصربية. ولكن حتى لو حلت هذه المشكلة في إطار حكم ذاتي كما تقترح المجموعة الأوربية فلن تقبل صربيا. ورغم أنها لم تثر أي مشاكل مع سلوفانيا الآن فإن يوم الحساب معها آت لا محالة، ويكفي أنها سحبت منها كل معدات الجيش الاتحادي ولم تعطها "السدس" المتفق عليه عند التقسيم. صربيا لن تقبل التقسيم لأنها تحس أنها قد سرقت. أخذوا هم أفضل ما في الاتحاد وتركوا لها مشاكله الثقيلة بالإضافة إلى عدد من الجمهوريات الفقيرة عليها أن ترعاها وهي عاجزة حقا - بدون قوة عسكرية - عن رعاية نفسها.
عالم مضطرب وحرب مضطربة عندما ذهبنا إلى بلدة البشكابلانكا في منطقة "نوفي ساد" حذرونا من الاقتراب أكثر من ذلك لأن الجبهة متداخلة بشكل مرعب ولا أحد يعرف حدود الأرض التي يسيطر عليها الطرف الآخر. قال لنا رئيس المصورين في وكالة تايونيكا اليوغسلافية: "لقد شاركت في حرب كمبوديا ولكنها تعتبر مجرد "بروفة" لما يحدث هنا الآن.. ".
كل شيء يثير الرعب، الجيران الذين يعرف كل منهم أسرار الآخر تحولوا فجأة إلى أعداء، ورقد القناصة فوق البيوت، وتدفقت الأسلحة من لبنان ومن إسرائيل، وتدفق المرتزقة من كل الأحزاب المتطرفة. وتحول وسط أوربا إلى غابة بدائية تعيش تراجيديا الحرب بكل بشاعتها. وعلى الطريقة اليوغسلافية المعتادة كانت أرامل الحرب يحطن بنا في ملابسهن السوداء مثل الغربان الباكية، لا يهم أي موتى يبكين، فالخسارة واحدة.
لقد انصرف الجميع، وحمل رجال الشرطة الغجري مقيدا في إحدى سياراتهم وظلت الدبابة واقفة وحيدة أمام مبنى البرلمان، وانتظرت السلطات طويلا حتى حل الظلام ثم قامت بسحبها بعيدا.
محمد المنسي قنديل
1/01/1992

Sir Mohammad Yousry
02-17-2010, 06:07 AM
اللوفر.. شاب - عمره 200 عام

من أين ينبع كل هذا الجمال.. وكيف يمتلئ الصمت بضجة الحياة؟ إنه جلال اللون، وسمو التناسق، وتلك المساحة النادرة من حرية التأمل التي يمنحها لك متحف اللوفر. تدخل إليه لترى نفسك وترى العالم وتحتويك قاعاته البالغ عددها خمسمائة وثمانين قاعة كأنك تغوص وسط تلافيف عقل إنساني فيه كل اللاوعى الجمعي للبشرية. جد ونزق وحزن ومرح وحلم وخوف وأسطورة وهم بعض من التوق الإنساني في أن الرجال أشباه آلهة وتكتسب الطبيعة جزءا من سحر أجساد النساء وينبت للأطفال أجنحة صغيرة كالملائكة. محاولة للارتقاء عن كل أدران النفس البشرية من عنف وقسوة وضعة ممثلة في ذلك الفن النبيل المعلق فوق جدران أروقة اللوفر.
كثيرون هم زوار اللوفر. لقد بلغ عددهم حوالي خمسة ملايين شخص عام 1993 جاءوا لزيارة هذا المتحف الجليل الراقد على ضفة نهر السين والذي بلغ من العمر مائتي عام. وهو بذلك شاهد على المدينة.. وعلى عصر الكلاسيكية الذي اكتملت فيه مبانيه وأخذت منها طرازه وكامل أبهته.
مع الخطوات الأولى بعد مدخل المتحف يفاجئنا ذلك التناقض بين المبنى الكلاسيكي القديم الذي يكون جسم المتحف وأبهاءه وبين تلك الأهرامات الزجاجية المائلة إلى الزرقة والتي أصبحت تحتل باحته الرئيسية وسط النافورات القديمة والحمامات الوادعة.. هذه الأهرامات هي التي وأفق الرئيس الفرنسي ميتران شخصيا على إضافتها للمتحف وسط معارضة الكثيرين.. وسر الاعتراض هو أن ذلك النموذج البالغ العصرية للأهرامات سوف يخل بالإيقاع الكلاسيكي للمبنى ويتنافر معه. ودافع البعض عن ذلك بأن إضافة الأهرامات سوف تعطي للمتحف القديم قدرا كبيرا من الحيوية أكثر اتساقا مع روح العصر وقد انتصر هذا الرأي وأقيمت الأهرامات. هذا التناقض يزول بعد قليل من التأمل.. فالنظام والبعد عن البذخ والمبالغة والرغبة في بلوغ الجلال هو الذي يحكم النموذجين القديم والمعاصر وكلاهما يستمد جذوره من الرغبة في إعادة تنسيق الكون والحياة. يقول مدير متحف اللوفر ميشيل لاكالوت: لقد أصبح لهذه الأهرامات جمهورها الخاص الذي يأتي لمشاهدتها فقط .. بالإضافة إلى أن لهذه الأهرامات جانبها العملي فهي تخفي تحتها المدخل إلى بقية المتحف وبذلك لا تظهر طوابير الانتظار الكثيفة وكذا الدرج المتحرك وبائعو العاديات والتحف وهي بهذا تمنح اللوفر مظهرا من الهدوء والسكينة مهما كان الزحام كثيفا.
من القلعة للمتحف
والأهرامات هي فكرة وتصميم المعماري الصيني الأصل أيوه مينج بي والذي حصل على العديد من الجوائز العالمية في العمارة وهو يقيم في الولايات المتحدة.. ومنذ عام 83 وهو يقوم برحلات منتظمة إلى باريس لدراسة هذا المشروع دون أن يخبر أحدا حتى ولا أفراد مكتبه.. وكان هدفه هو إضافة شيء إلى اللوفر دون أن يخفي أي شيء ويستغل ساحة نابليون الخارجية كي يضع فيها شيئا مليئا بالإشعاع والشفافية.. وقد تحقق هذا الأمر إلى حد كبير.
في الداخل مازال مقر اللوفر يحمل آثار نشأته الأولى. تلك القلعة الحصينة التي بنيت ذات يوم على ضفاف السين. فبعد أن جاءت جيوش الفايكنج من الشمال وحاصرت باريس ردحا من الزمن ثم انصرفت عنها قرر الملك فيليب أوغسطس أن يبني في مكان معسكر الغزاة قلعة حصينة.. وظلت هذه القلعة قائمة في مكانها تحمي باريس وتساعدها على النمو وامتلأت الغرف والممرات الضيقة بالسجون وأماكن المتعة وتداخلت المؤامرات مع حفلات الصخب والعشق وعاصرت حروبا كثيرة أشهرها حرب المائة عام بين إنجلترا وفرنسا. ومع مرور الوقت وظهور العديد من القصور الملكية داخل باريس لم يعد أحد يهتم بالإقامة في هذه القلعة التي تنتمي إلى العصور الوسطى وبدأ الملوك يرحلون عنها. ولكن الملك فرانسوا الأول قرر في عام 1547 أن يحول القلعة إلى مقر ملكي فاخر على نمط الطراز الإيطالي للعمارة.. وبدأ العمل في هذا القصر وظل متواصلا به على مدى 300 عام كاملة.. توقف قليلا.. وتحول عن غايته قليلا وعطلته الثورات وخربته حركات التمرد ولكن إنشاء اللوفر ظل متواصلا.. شارك في ذلك الملوك والثوار ورؤساء الجمهوريات وفوق ذلك كله رغبة الشعب الفرنسي عاشق الفن في أن يكون له أكبر متحف في العالم للفنون الجميلة.
نابليون يسرق مصر
ولد متحف اللوفر في زمن صعب. وسط حروب الشوارع، وإرهاب السجون، وحديد المقصلة الذي لا يتوقف. رءوس تهوي فيهوي معها عهد بأكمله، ملوك وملكات وكونتات وكونتيسات.. كلهم كانوا وقودا لتلك النار التي اشتعلت في حواري باريس في أواخر القرن الثامن عشر.. وكان من الغريب أن يطرح قرار يخص الفن والثقافة وسط هذا الجو. كانت حكومة الثورة تناقش مسألة عويصة: هل تتخلص من عصر الملكية القديمة بكل ما يمثله من آثار وتحف وقصور، أم أن عليها أن تحاول الحفاظ على أروع تراث فن شهدته البشرية بغض النظر عمن كان يملك هذا التراث؟..
لقد كان جمع التحف الفنية هو دائما إحدى هوايات الملوك الأثيره. كانت دليلا على الثراء والمكانة التي يتمتعون بها حين يحيطون أنفسهم ببذخ الفن وروعته. ولعل ملوك فرنسا كانوا أكثر اهتماما اللوحات الفنية. وكان أشهر هؤلاء الملوك فرانسوا الأول - وهو بالمناسبة أول من فكر في بناء قصر اللوفر وكان مغرما بالفن الإيطالي لذا فقد جمع العديد من لوحاته وعلى رأسها لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة الجيوكاندا صاحبة أشهر ابتسامة غامضة في التاريخ. ولم يدان فرانسوا الأول في شهرته كجامع للوحات إلا الملك لويس الرابع عشر. فقد كان يبعث مندوبيه لشراء اللوحات من كل مكان في أوربا. وإذا اكتشف وجود أي لوحة فنية ذات قيمة عند واحد من نبلائه ظل وراءه بالتهديد والإغراء حتى يشتريها منه.. وفي عهد هذا الملك ارتفعت أولى الصيحات الشعبية في حق الناس العاديين أن يشاهدوا مثل هذه التحف الفنية ولكن الملك لم يستجب لهذا النداء وفضل أن يستأثر وحده بلوحاته البالغ عددها 2000 لوحة ويحملها معه إلى قصر فرساي.
لم يكن الملك لويس الخامس عشر، والسادس عشر من بعده من هواة جمع اللوحات الفنية ولكنهما حافظا على تلك العادة كجزء من التقاليد الفنية الفرنسية. وعندما تصاعدت الضغوط سمح الملك لويس السادس عشر للناس بأن يشاهدوا جزءا من هذه المقتنيات الفنية في معرض أقيم بمناسبة تأسيس الأكاديمية الفرنسية.. وكان هذا الأمر بمثابة مفاجأة مذهلة للجميع. لم يتصوروا أن توجد كل هذه التحف الفنية كي يستمتع بها رجل واحد حتى ولو كان هذا الرجل هو ملك فرنسا وعندما اشتعلت نيران الثورة كان أحد شعاراتها هو توزيع هذه التحف على الناس أو التخلص منها نهائيا.. كان هناك سعار محموم ضد كل ما يمثل مظاهر الملكية.. ولكن حكومة الثورة اتخذت قرارها بتحويل اللوفر إلى متحف ووضعت فيه كل ما يخص الملوك من تحف. ومنذ هذه اللحظة أصبح هذا المتحف دليلا على قوتها "وهكذا أصبحت عاصمة الحرية والإخاء والمساواة.. هي عاصمة الفن أيضا" على حد تعبير أحد المؤرخين.. وفتح القصر أبوابه بعد قرار حكومة الثورة بعام واحد أي في 10 أغسطس عام 1793 وقد ساهمت مصر - دون إرادتها بطبيعة الحال - في تدعيم متحف اللوفر وإعطائه هذا الطابع العالمي الذي هو عليه الآن. فقد فشلت الحملة العسكرية التي قام بها نابليون على مصر وبدلا من أن يفتح لفرنسا طريقا إلى الهند عاد هاربا على ظهر سفينة وحيدة ولكنها كانت محملة بكنوز لا تقدر بثمن من الآثار الفرعونية القديمة.. إن أحدا لم يحاسب بونابرت بشكل جدي على نتائج حملته لأن الجميع قد انشغلوا بهذه الكنوز الشرقية التي أحضرها معه.. وقد نشأ على أثر ذلك واحد من أهم علوم كشف الآثار هو المصريات، وأصبح هم المتحف الأساسي هو الحصول على المزيد من هذه التحف سواء بالكشف والتنقيب أو بالسرقة والتحايل، ويبلغ عدد القطع الأثرية المصرية في اللوفر 5694 قطعة. وهو أكبر متحف يحتوي على هذا النوع من الآثار بعد المتحف المصري.
نابليون بونابرت كان واحدا من أشد المغرمين بمتحف اللوفر.. كما قال لي لورانس مادلين المتخصص في مقتنيات المتحف: "وهذا الإمبراطور البالغ الصرامة كان عاشقا للفن وكان هدف حروبه هو الحصول على الأرض أولا.. وعلى التحف الفنية ثانيا". لقد استطاع نابليون أن يمد المتحف وحده بحوالي 25 ألف قطعة فنية حصل عليها من مصر وهولندا وإيطاليا وإسبانيا وحتى من أصقاع روسيا الباردة. ما أن تنتهي أولى المعارك حتى يشرف الإمبراطور بنفسه على تغليف هذه القطع الفنية جيدا، ويقوم رسل تابعون للحرس الإمبراطوري بإرسالها إلى المتحف على وجه السرعة. وعندما هزم نابليون في واترلو كانت أول شروط الدول المنتصرة هي استعادة كل المقتنيات التي سلبها نابليون منهـا.. وهكذا استعادت إيطاليا وهولندا وإسبانيا وبقية الدول كنوزها ولم يبق سوى مصر، وحدها مصر لم تستعد شيئا ولكن كنوزها مازالت تنهب حتى هذه اللحظة.

Sir Mohammad Yousry
02-17-2010, 06:08 AM
لقد بدأ الأمر مصادفة مع فلاح يوناني فقير كان يحرث أرضه عندما اصطدم طراف المحراث بشيء صلب. وعندما حفر الفلاح قليلا اكتشف وجود تمثال من المرمر الناصع.. كان التمثال مدفونا متكسرا. أخرج الفلاح التمثال إلى بيته وعندما ضم الأجزاء إلى بعضها شهق من شدة الجمال. كان التمثال يمثل امرأة عارية رائعة الجمال ولكنها مع الأسف بدون ذراعين.. كانت هي فينوس إلهة الحب القديمة التي عشقها الإغريق.. عشقها الرومان.. ثم عشقها هذا الفلاح المسكين فجلس أمامها ذاهلا.. وشعرت زوجته بالغيرة وبأنها لا تقدر على منافسة هذا التمثال الجميل حتى ولو كان من الرخام.. وهكذا سارعت بإبلاع السلطات التركية التي كانت تحكم اليونان في هذا الحين.
وفرنسا تسرق اليونان وتركيا
استولت السلطات التركية على التمثال ووضعته على ظهر سفينة كبيرة كي تحمله إلى إسطنبول. ولكن بارجة فرنسية كانت واقفة تراقبها وما أن خرجت السفينة التركية إلى عرض البحر حتى هجمت عليها وقفز بحارتها على الأتراك المذهولين كي يأخذوا منهم التمثال.. وعادت البارجة مسرعة إلى فرنسا حيث أعد لفينوس دي ميلو أروع استقبال لأجمل سيدة على الإطلاق.. إنها تستقبلك في المدخل الرئيسي.. منحنية قليلا.. قصيرة الشعر وبلا ذراعين.. فيها ذلك الجمال الآسر الذي يسمو به الجسم البشري بعد أن تذوب غرائزه.. وسواء رضينا عن الطريقة التي جلبت بها فرنسا هذه التحفة أم لا فلا يملك المرء إلا أن يقف أمامها مدهوشا.. قال لي سائح ياباني بإنجليزية متعثرة كإنجليزيتي.. "من الأفضل أنها فقدت ذراعيها وإلا كنا قد فقدنا جميعا عقولنا". ولكنها ليست التحفة الأثرية الوحيدة بطبيعة الحال. لقد سعى اللوفر منذ نشأته إلى إرضاء نزعة أتباع مذهب "النيوكلاسيك" التي كانت تتمثل أروع آثار الجمال في الآثار التي تركها الإغريق والرومان. لذلك كان اهتمام المتحف بالنظريات الجمالية "نيكلمان" حول هـذا المذهب الذي زادت الحروب النابوليونية من انتشاره وبـدأ في إنشاء قسم الآثار الإغريقية والرومانية منذ عام 1800 والحقيقة أن الإعجاب بهذه الأشكال ذات الطابع الكلاسيكي امتد إلى عصور النهضة الأوربية حين حاولت إحياء التقاليـد القديمة في الفن وكان الملك فرا نسوا الأول هو الذي أمر بصب تماثيل من البرونز بنفس الأنماط القديمـة وكذلك حرص الملك لويس السادس عشر على أن يزين قصر فرساي بسلسلة من تماثيل الرخام موجودة الآن داخل المتحف.
بدأ القسم بمجموعة صغيرة لا تجاوز 400 تمثال. ثم ما لبثت أن ازدادت إلى حد كبير مع انتصارات الجيوش الأوربية ثم ما لبث أن مرت به انتكاسة مع استرداد الدول المنتصرة لممتلكاتها وأصابته فترة من الهزال تدعمت مع وجود المصريات التي جاءت إليه من خلال اكتشافات البعثات الفرنسية في تود وتاينس ودير المدينة.
لم يقتصر قسم الآثار والعاديات على هذا الأمر ولكنه احتوى على كثير من كنوز الفن الإسلامي جاءت إليه خلال الاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان والجزائر.
أعظم اللوحات في العالم
ولكن ثروة اللوفر الحقيقية تكمن في تلك الإبداعات الفنية المعلقة على الجدران.. مرايا للذات والنفس والعقل. زمن مجمد ونابض بالحياة. بشر يعانون من البهجة ويرتعدون في العذاب. في العديد من اللوحات ترى آثار الخطيئة الأولى: بشرا شبه عرايا يسقطون من حالق حيث لا تـوجد أرض ولا سماء.. يحاولون التشبث بأي شيء دون جـدوى.. أبطالا يتسلمون السيوف في نشوة وهم يستعدون للقتال ثم يعودون كي يقضوا نزاعا طويلا على فراش الموت، نساء يواجهن العالم وهن عرايا، بهو خطيئة، أجسادا خالية من الشهوات الرخيصة ولكنها مليئة بالصبوات، المسيح يولد، المسيح يعذب، المسيح يصلب، معاناة الألم والخلاص، نبلاء متجهمين وزوجاتهم يرفضن اتباعهم في تواطؤ خاف، ملوكا في لحظـة التتويج يعتقدون أنهم قد امتلكوا التاريخ وشبح الموت يلوح واقفا بين المدعوين، فرسانا شامخين ولكن في أعماق كل واحد منهم دون كيشوت خائف ومرتعد، فتيات متهدلات من فرط العشق وقصر النزوف الفن يعيد تكوين الحياة وهو وسيلتها الأولى للمعرفة. الفنان يفرض نظرته على التاريخ ويعيد تصويره كما يريد هو لا كما كان، يصل بريشته إلى أعماق للنفس البشرية لا تستطيع كاميرا الفوتوغرافيا أن تصل إليها، يعيد تجسيد الأسطورة ويمنحها لمسة من الحقيقة الأزلية.
إن اللوفر يمنحك متعة من النادر أن تجدها في أي متحف آخر خاصة في مجال فن التصوير، أشكالا وأنماطا ومدارس مختلفة، عليك أن تلهث كما ظللت ألهث أنا من قاعة إلى أخرى.. أتأمل اللوحات ثم أكتشف أنه قد فاتني شيء في اللوحة الأخرى فأعود من جديد.. كل لوحة تصيب العين بالجوع والقلب بالحنين.. من لوحات روبنز المليئة بالنمنمات. إلى فيرمير الذي كان يمارس الرسم ومراقبة الأفلاك.. إلى جيوتو وروائع دافيد وجويا وتيرنر.
مجموعة غنية في التنوع والثراء من النادر أن توجد في مكان واحد.. الذي كما ترون قد تردد اسمه كثيرا. لقد بدأ هذا الملك عاشق الفنون بدعوة عدد من الفنانين الإيطاليين المعاصرين له وكان على رأسهم الفنان الشهير لويناردو دافنشي.. وقد تركوا له مجموعة ضخمة من الأعمال الكلاسيكية على رأسها لوحة الجيوكاندا. وتواصل الأمر في عهد لويس الرابع عشر حين أرسل وزيره الشهير ريشيليو إلى كل مكان لشراء الروائع المتبقية من عصر النهضة واشترى حتى المجموعة الفنية الخاصة بملك إنجلترا تشارلز الأول وكانت تحتوي على روائع لرفائيل وتيتان والجريكو وهي اللوحات التي تضمها واحدة من أعظم قاعات المتحف تدعى قاعة الخالدين.
ثم بدأت تتوافد على المتحف عشرات المقتنيات خاصة من شمال أوربا لفنانين أمثـال رمبرانت وروبنز وفان ديك. وهكذا دخلت المجموعة لوحات من الرسم الألماني والفلامينكي والفرنسي وظهر الفن الإسباني متأخرا بعض الشيء مع لوحات ميرللو. ومع قيام الثورة وافتتاح المتحف أبوابه للجمهور كان مديره في هذا الوقت فيفان دينو يوجه أنظار قادة الجيوش المحاربة في أنحاء أوربا إلى الأماكن التي يمكن أن يقتنصوا منها اللوحات المختلفة. ومع منتصف القرن التاسع عشر وبداية افتتاح المعرض السنوي الذي كان يقام في إمارة لكسمبورج من كل عام بدأ المتحف يستقي الكثير من لوحاته من خلال هذا المعرض وبدأت الزيادة المفرطة في مقتنياته. باختصار لم يترك مدرسة في الرسم إلا تزود منها وامتدت لوحاته من الكلاسيكية إلى المدارس الأخرى التي تفرعت منها مثل الواقعية والتأثيرية وحتى السريالية.
لغز الجيوكاندا
ورغم كل هذا العدد الهائل من اللوحات فإن هناك لوحة واحدة أثارت من الضجة ما لم تثره كل اللوحات.. ويبدو كأن ذلك المعرض قد جعل هذه اللوحة بالذات محورا من محاوره..
إنها لوحة الجيوكاندا بطبيعة الحال.. منذ دخولي إلى المتحف وأنا أتطلع للوصول إليها.. ورغم عشرات القاعات المزدحمة فإن هناك سهما صغيرا في كل ممر يوجهك إلى حيث توجد هذه اللوحة التي تحتل لوحدها قاعة بأكملها.. صدقوني.. حين وصلت إليها بعد طول سير وبعد أن ازدحمت عيني بكل هذه الألوان وجدتها صغيرة جدا.. وباهتة جدا.. ولم أشعر أمامها بأي حب أو رهبة.. إنني مخطئ بطبيعة الحال.. فهذا الزحام حولها وتلك العشرات من آلات التصوير التي تتدافع لالتقاط لمحة من ابتسامتها الغامضة لا يمكن أن تكون على غير أساس.. ولكن يبدو أن كثرة اللوحات قد أصابتني بالدوار فلم تستطع هذه اللوحة الصغيرة الساكنة مخاطبة وجداني. إنها اللوحة الوحيدة التي يحيط بها صندوق زجاجي مصفح لحمايتها ضد السرقة وضد الاعتداء. وهي اللوحة الوحيدة تقريبا التي تعرضت للسرقة ومحاولة التشويه أكثر من مرة.. وقد تمت سرقتها من المتحف في عام 1911 واستعادتها الشرطة بمعجزة. ولم تتعرض لوحة للإهانة ومحاولات التشويه مثل الجيوكاندا ولم ينشغل العلماء والمحللون بقضية فنية ويفردوا لها الصفحات الطويلة بمبرر وبدون مبرر مثلما فعلوا مع ابتسامة الجيوكاندا..
يقول علماء النفس إنها ليست امرأة ولكنها رجل مصاب بالشذوذ يرتدي ثوبا نسائيا وشعرا مستعارا، ويؤكد بعضهم أن هذا هو دافنشي نفسه، ويستدلون على ذلك بفحوص الأشعة السينية التي أجريت على اللوحة بعد سرقتها وقد وجدوا أنه توجد تحتها لوحة أخرى تمثل دافنشي وهو رجل وبالتالي فاللوحة الحالية هي مرآة ذاته الحقيقية. ويعترض علماء الاجتماع على ذلك ولكنهم يؤكدون في المقابل أنها لم تكن - كما أشيع - زوجه التاجر الفلورنسي فرانشيسكو ويل جيوكوندو.. ولكنها كانت بائعة هوى رخيصة تدعى إيزابيلا غوالاندي كانت مشهورة بالفضائح العاتية وما تلك الابتسامة على وجهها إلا الوسيلة المعتادة التي تتبعها فتيات الهوى لإغواء الرجال.. ويختلف علماء الطب فيما بينهم اختلافات كبيرة كل حسب تخصصه.. يقول أطباء الأسنان.. إن المؤكد أن الموناليزا قد فقدت أسنانها الأمامية في شجار وهي تريد أن تبتسم ولكنها تخشى أن تظهر لثتها العارية. ويقول أطباء الأعصاب إنها كانت مصابة بشلل نصفي في جانب واحد من وجهها لذلك فتلك الابتسامة حادت عن وضعها الطبيعي. ويقول أطباء التوليد إنها كانت حاملا لذا ينسدل الفستان ليخفى بطنها المنتفخة وأن هذه الابتسامة تظهر أمومة نضرة. ويقول أطباء القلب إن اللون الأصفر تحت زاوية عينيها يعني ارتفاع نسبة الكلسترول في الدم وإنها كانت تعيش خطر الإصابة من نوبة قلبية.
ويؤكد خبراء الفن أن الموجودة هي لوحة مزيفة وأن اللصوص الذين سرقوها لم يعيدوها..
وتؤكد أسرة أمريكية أنها تمتلك لوحة أخرى، جيوكاندا أخرى، وابتسامة أخرى..
يؤكد ناقد فني أن هذه الابتسامة مجرد هفوة أو غلطة فنية. وما زالت اللوحة تثير المزيد من الانفعالات.. انفعالات سيئة وأخرى حسنة ولكنها ما زالت تعد أكبر اللوحات شعبية في متحف اللوفر الذي تصل مقتنياته إلى 30 ألف قطعة.
محمد المنسي قنديل

Sir Mohammad Yousry
02-17-2010, 06:47 AM
عشاء برفقة عائشة

تقافزت سيارة الأجرة بين الحفر. دمدم السائق غاضبا: "ياست. لاأعتقد أنه يمكن أن يكون وسط هذه الحارات مطعم محترم على الإطلاق.." ردت عليه عائشة في صوت حازم: "امض للأمام واستدر يساراً" ثم التفتت إليّ وهي تقول: " لا أحب سائقي الأجرة عندما يتدخلون" هذا هو موعدنا الأول. وكنت قد تركت لها حرية اختيار المكان فاختارت هذا المطعم. لم أسمع به ولاسائق التاكسي. لكنها المرة الأولى التي أجلس معها بتلك الدرجة من القرب. خصلات شعرها تلامس وجهي أحيانا وأشم رائحة عطرها دائما. يرتاح جسدها الدافىء للحظة وجيزة مستندا إلي وهي تتطلع من نافذتي للتأكد من المكان. تتداخل الحارات وتضيق المسالك وتتقارب الجدران وتتعرى من الطلاء وتتصاعد روائح الطعام والعطن، دون أن أجرؤ على سؤالها إن كانت متأكدة من وجود هذا المطعم. كنت مشغولا بما سيحدث فيما بعد. هل نذهب عندي إلى غرفتي الضيقة، أم عندها، في مسكنها الذي لا أعرف عنه شيئاً ?.
دخل السائق إلى حارة أكثر ضيقا. فلم نعد نرى السماء. لم يعد غير أطفال مذعورين يمرقون من أمام السيارة يخرجون من أبواب لانراها ليدخلوا أبوابا أخرى لانراها. هتفت أخيراً.. "توقف هنا.. وصلنا..".
توقف السائق بسرعة قبل أن تغير رأيها. وأسرعت أنا بالنزول وأعطيته ضعف الأجرة حتى يكف عن تذمره ووقفت هي حابسة أنفاسها، مثل طفلة تترقب، أزاحت الورق المفضض عن هدية عيد ميلادها.
إذا كان هناك مطعم بالفعل فمن الصعب التعرف عليه. لا لافتة ولاعلامة تدل على ذلك. مجرد صف من البيوت القديمة. استبدل جدار منها بواجهة زجاجية معتمة. مغبرة ومطموسة. لاتستجيب للضوء ولاينعكس عليها صورة أو ظل أو خيال. ليس فيها إلا ذلك الاستواء المحايد الممتد وسط الثقوب والشروخ المتعرجة التي تملأ جدران البيوت الآيلة للسقوط من حولها. ولكن هناك بابا صغيرا. بجانبه أصيص من نبات داكن الخضرة. حين لمسته اكتشفت أنه غير حقيقي. معدن بارد. الباب نفسه يتسع بالكاد لدخول شخص واحد في المرة الواحدة. فكرت أنها ربما قد حضرت إلى المطعم منذ زمن بعيد قبل أن يصيبه البلى والشحوب. وربما تحاول الآن ـ في لقائنا الأول ـ أن تستعيد ذكرى أولية شاحبة.
تقدمت وفتحت الباب وهي تصيح في جذل: "هيا". أسرعت بالدخول خلفها. رن جرس لعله كان معلقا خلف الباب. فوجئت بنفسي في لحظة وجيزة داخل المطعم. ظللت واقفا حتى أتبين تفاصيله من خلال العتمة التي تحيط بالمكان والأصداء لاتزال تصلصل. كنت أتوقع شيئاً مختلفا ومفاجئا. ولكن وجدت ـ بالفعل ـ مطعما. واسعا ومعتما مليئا بالمناضد المتراصة. عليها مفارش بيضاء ناصعة لحد التوهج. بعضها خال. وبعضها يشغله زبائن. اثنان على كل منضدة وبينهما شمعة مضاءة وكل شيء مغلف بضباب رائق شفيف كأننا نقف على حافة حلم ما.
لم أكن أرتدي الثياب المناسبة. كان كل رواد المطعم يرتدون ثيابا رسمية وعائشة أيضا ترتدي ثوبا صيفيا خفيفا موشى بالأزهار يكشف عن عنقها وذراعيها. لايتناسب إلا مع مطعم للوجبات السريعة، ولكنها بدت كزهرة متألقة وسط كل هذه الألوان الباهتة.
لم أفطن للرجل الطويل الأصلع بحلته الرسمية السوداء إلا عندما أصبح بجانبي تماما. تأملنا بوجه جامد الملامح وهو يقول:
ـ مائدة لاثنين ياسيدي..
صوته غريب كأن بداخله فراغاً يرتج فيه الصوت فيخرج مصحوبا بصدى خافت. لم أجب، ولم تكن هناك ضرورة للجواب. سار أمامنا بخطوات متصلبة دون أن يصدر صوتا عن وقع قدميه. رفع بعض الزبائن رءوسهم ورمقونا بنظرات خاطفة ثم عادوا للمضغ والتهامس. أشار الرجل إلى منضدة بجانب الحائط. هزت عائشة رأسها وهي مبتسمة وأشارت إلى منضدة أخرى بجانب الواجهة الزجاجية التي تفصل المطعم عن الشارع. بعيداً عن الزبائن. كانت راغبة في حديث طويل لايستمع إلينا فيه أحد. تردد الرجل لبرهة كأنه يقيس كل الاحتمالات ثم سار حتى توقف أمامها. ابتسمت عائشة في انشراح وهي تأخذ مقعدها:
ـ أرأيت...
حتى الآن لم يكن هذا ماتخيلته عن لقائنا الأول. كنت أريد أن أبدو مهذبا وأحصل على رضاها الكامل. ابتسمت ولكن السؤال أفلت بالرغم مني:
ـ هل أتيت إلى هنا كثيراً قبل الآن ?
رفع الجميع رءوسهم من على المناضد مرة أخرى. رمقونا بنظرة عاتبة. هتفت عائشة في همس:
ـ اخفض صوتك. هذا المطعم مثل المكتبة يجب عدم التحدث فيه بصوت عال..
هكذا أكثر حميمية.. هذه هي الفكرة.
لم تفطن لسؤالي. أم لعلها تجاهلته. تأملتها عبر المنضدة. بيننا شمعة مطفأة ووردة حمراء وحيدة . لمستها فسرت في بدني رعدة مفاجئة مثل تيار كهربي. هتفت:
ـ ماهذا.. وردة من المعدن ?
قالت عائشة: هذه مجرد بداية. كل شيء هنا مثير ومختلف.
راقبت مايحدث في الجانب الآخر من خلال الزجاج. وجوه العابرين تبدو شديدة القرب. امرأة عجوز تحدق في مباشرة. وجهها مليء بالأسى والخوف. ألتفت إلى عائشة أستنجد بها:
ـ لماذا تحدق فيّ هذه المرأة بتلك الصورة ?
قالت بهدوء: هي بالتأكيد لاتراك. هذا الزجاج لايكشف عما في الداخل.
جاء نادل آخر ووقف بجانبي دون أن أسمع صوت قدميه. لم يبتسم. أخرج قداحة من جيبه وأشعل الشمعة. كان هذا أفضل ماحدث حتى الآن. انعكس ضوء اللهب على وجه عائشة فانبعث من عينيها تألق طافح بالفرح. قلت:
ـ أو تعرفين ياعائشة.. ضوء الشموع يزيد من جمالك.
ابتسمت وهي تقول: أوتعرف.. إنها كلمات جميلة. لكنها عادية. انتظر قليلاً ربما قلت شيئاً مميزاً.
وقف نادل أخر بجواري. لم أدر إن كان قد استمع لكلماتها الساخرة أم لا. وجه جامد. كدأبهم جميعاً ليس جمود التأدب والترفع عن التبسط مع الزبائن. ولكنه جمود حقيقي. ملامح يابسة وساكنة على تعبير واحد. وضع قائمتي طعام أمامنا وانصرف دون صوت. فتحت القائمة. حاولت فك طلاسم الحروف والأرقام ، عبثا حاولت أن أعرف شيئاً عن أصناف الطعام أو أسعارها. همست عائشة:
ـ لاتحاول. لن تستطيع قراءتها. الأفضل أن نترك لهم أمرنا. يقدمون لنا شرابهم وأطباقهم الرئيسية. هذا أسهل لنا ولهم. دع القائمة جانبا.
وضعت القائمة وحاولت أن أنظر إلى عينيها مباشرة لعلي أقتنص نظرة حقيقية. لم تكن تجلس ساكنة. أدارت وجهها. جاء نادل أخر يمسك بالقلم ونوتة الطلبات. ناولته عائشة قائمتي الطعام وهي تقول:
ـ احضر لنا شراب اليوم. وطبق اليوم. اثنين من كل صنف.ثم استدارت نحوي ونظرت هي إلى عيني مباشرة وهمست:
ـ والآن ماذا ?.. هل نويت التخلي عن غموضك وتخبرني من أنت ?
قلت مدهوشا: أنا الغامض أم أنت.. أنا حقا لاأعرف عنك أي شيء.
ردت ببساطة:
ـ جميع من في المؤسسة التي نعمل بها يعرفون عني كل شيء. إنني تزوجت وطلقت مرتين. قصة عادية ومألوفة وسخيفة أيضا. تجدها في زوايا القراء في أي صحيفة. الأسباب تختلف أحيانا. يمكن أن أكون أنا امرأة فاسقة. ويمكن أن يكون هو زوجاً شرساً. ولكن لاجديد دائما في أمثال هذه القصص.. ماذا عنك أنت ?
كانت تنظر مباشرة إلى عيني. إلى داخلي. لم أتوقع نظرة بهذه الحدة. أدرت وجهي فرأيت رجلا آخر يحدق فيّ من خلف الزجاج. برغم أن الظلام قد هبط في الخارج فإن ملامحه كانت جلية. حانقة وغاضبة. كأنه يدعوني للانصراف. أدرت وجهي وبدأت رعدة خفية تسري في جسدي. اكتشفت أن أمامي كوبا زجاجيا به مشروب متداخل الألوان وعلى حافته شريحة من البرتقال مركبة بعناية. أمامها كوب آخر. وهي مازالت بنفس جلستها المتحفزة. مقوسة الكتفين قليلا للأمام، مرفقاها على المنضدة وفتحة ثوبها تظهر قمتي ثدييها بوضوح. تولدت داخلي رغبة عابرة سرعان ما انطفأت أمام عينيها المتحفزتين. تناولت من الكوب رشفة سريعة وحاولت القول:
ـ أنا أكثر منك وضوحاً. لايوجد في حياتي تفاصيل. لم أتزوج. لم أطلق. ليست لي تجربة مثيرة ولاحكاية..
توقفت. شعرت بطعم الشراب وهو ينزلق إلى معدتي. مزيج من عصير الفاكهة. والتوابل. والكحول. كلا. هناك طعم آخر. أشبه بالزيت. أمسكت نفسي حتى لاأتقيأ. ونظرت إليها. ردت عليّ بصوت خافت. حاد:
ـ هذه هي المشكلة. لاتفاصيل. هل يمكن أن تكون هناك حياة بلا تفاصيل ? يعني هذا أن لديك سراً تحاول إخفاءه. أو ربما شيء تخجل منه. ما الذي يجعـلك مثلا تجلس في أصغر غرفة في المؤسسة.
أحسست أني متهم. بحثت في ذاكرتي عبثا عن أي تفاصيل ولو كانت تافهة:
ـ أنا مجرد محاسب. عملي لايحتاج إلا إلى حيز ضيق. ليس عندي إلا بضعة دفاتر مليئة بالأرقام والجداول. لاجديد. قبلها كان هناك محاسب آخر يجلس على نفس المكتب ويعمل في نفس الدفاتر. عندما مات أخذت مكانه. ولكن أراه كل صباح عندما أتأخر قليلا. يجلس على المكتب ويقلب الدفاتر ربما ليتأكد من جودة عملي. وما إن يراني حتى يتبدد. يذوب. يترك المكان دون ضجة أو اعتراض كل مافي الأمر أن المقعد حين أجلس عليه يكون بارداً قليلاً.
لم أعد أستطيع التوقف عن مواصلة تناول المشروب برغم مافيه. أحاول التغلب على طعم الزيت في معدتي بقول أي شيء. والنُدْل حولنا لايكفون عن الحركة. وكبيرهم الأصلع يومىء فقط برأسه ليوجههم. لم ينهض أحد من الزبائن. ولم يدخل أحد. لم أسمع صوت الجرس طوال هذه المدة. بدا واضحاً أن كلماتي الأخيرة لم تستأثر باهتمامها لأنها عادت تلح في السؤال:
ـ قبل أن تتوظف.. ألم تكن على قيد الحياة ?
ـ طبعا.. ولكن.. ليس في مكان محدد. أديت الخدمة العسكرية مثلا.. عاصرت حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
بدا الحماس يدب في صوتها قليلاً:
ـ هل شاركت في القتال ?
ـ كنت محاسباً.
هتفت في خيبة أمل: في الجيش أيضا ?!
ـ لماذا يبدو هذا غريبا. حتى الجيش في حاجة إلى محاسبين. كنت محاسباً في مخازن العتاد. أحسب عدد القذائف والألغام وطلقات الرصاص والصواريخ والطوربيدات التي تطلق في كل معركة أو مناورة أو تدريب. كنت أعرف باشتداد القتال عندما تزداد الطلبات عندي. كنت أعرف حسابات كل معركة بمنتهى الدقة.
قالت: بما في ذلك عدد القتلى ?
كنت قد بدأت في التضايق من طريقتها في توجيه الأسئلة:ـ كيف لي أن أعرف عدد القتلى. كل مرة كان يأتيني جنود مختلفون. في كل مرة أتأمل وجوههم على أمل أن أتعرف أحدا يعود إليّ من جديد ليخبرني عن سير المعارك ولكن أحداً منهم لم يعد مرة أخرى. وفي النهاية كنت أدرك أن الطلقات هي دائما أهم من الجنود.. بالنسبة لي على الأقل.
شعرت بالسخونة تصعد من معدتي إلى رأسي. طفلة صغيرة تحدق في من خلف الزجاج. فاغرة الفم. مدهوشة من شيء ما. التفت إلى عائشة. الشمعة التي بيننا متوهجة ولكنها لم تنقص. طرفها المدبب مازال كما هو. والخيط الناشب فيه النار لم يحترق. وهي تتأملني. مستمتعة بمظاهر الحيرة التي تبدو على وجهي.. ترى لماذا دعتني إلى هذا المكان ?

Sir Mohammad Yousry
02-17-2010, 06:48 AM
فوجئت بالنُدْل وهم يقفون بجانب منضدتنا. بلاصوت لأقدامهم ولاحس لأنفاسهم. بعضهم يحمل الأطباق وآخر يقوم برصها على المنضدة أمامنا. أطباق ذات أشكال هندسية. مثلثة ومربعة ودائرية ومكعبة. كلها من معدن فضي مائل للزرقة. وضعها النادل بحيث لم تترك فراغاً فيما بينها. كون منها جميعا مربعا واحداً متساوي الأضلاع. فعل ذلك بدربة ومهارة. ثم انصرف هو والباقون دون صوت. لم أعد استطيع كتمان دهشتي. هتفت:
ـ هذه الأطباق الغريبة. والشمعة التي لاتحترق. والزهرة المعدنية الباردة والندل الذين لاصوت لأقدامهم أو أنفاسهم.
قالت: بدأت تنتبه أخيراً.. كنت أسأل نفسي متى ستفطن إلى ذلك ?
أحسست بالبلاهة. أشارت إلى الطعام الموجود في الأطباق وهي تضيف:
ـ هل رأيت طعاما مثل هذا.. مقطعاً ومعداً بتلك الدقة. طبق السلاطة. استدارة قطع الخيار. كل واحدة تشبه الأخرى تماما. الاستدارة والسمك وطول القطر. حتى عدد حبات البذر الموجودة في كل واحدة منها.. وشرائح الطماطم.. ليس في الحجم والاستدارة فقط ولكنها متشابهة حتى في التعرجات الموجودة في كل شريحة.
قطع الخس والكرافس. لها نفس الشكل. نفس التجعيدات. وحتى عيدان البقدونس والشبت. نفس الشيء في بقية الأصناف. الخبز المحمص والزبد والمخفوقة. كلها نفس الشكل والتواءات الأطراف. تأمل مكعبات البطاطس. وحبات البازلاء. وقطع الجزر المقطعة على هيئة حلزون.. كلها متساوية تماما.. لاتزيد مللي ولاتنقص ذرة. تأمل الخطوط التي تتركها آثار شواء اللحم. متوازية. محددة. قطع الاستيك لها نفس الحجم والمقدار والسمك وحتى قطرات الدهن الموجودة عليها. حتى ذرات الملح والفلفل كلها تترك نفس العلامات. لايوجد هنا شيء تقريبي أو محتمل. كل شيء محسوب بدقة متناهية. ليس في الشكل فقط ولكن الطعم أيضا. الحلو مع المر. الحمضي مع القلوي. الساخن مع البارد. هل لاحظت طعم الشراب ?
كان حماسا غامراً. والسخونة تنتشر من معدتي إلى بقية بدني. كانت تبتعد وصوتها يتناهى إلى وسط صدى الفراغ قلت:
ـ كان مليئا بالزيت ?
هتفت: أرأيت.. لم يكن ينقصه عنصر واحد حتى الزيت.
تكاثر الأطفال خلف الزجاج. حدقوا فيّ بعيونهم المستديرة اللامعة. رأيت في اتساع حدقاتهم انعكاسات لهب الشمعة التي لاتحترق. قلت في حدة:
ـ ماهذا المطعم الغريب. لماذ أصررت على المجيء بنا إلى هنا ?
ضحكت بصوت رائق:
ـ من قال إنه غريب. هذا مطعم المستقبل. هؤلاء الندل الذين لايكفون عن الحركة حولنا ليسوا آدميين. إنهم "روبوت". أناس آليون. انظر إلى مدى دقة أشكالهم والحركة التي يسيرون بها. لايصدرون صوتا ولايتصادمون ولايرتكبون أخطاء في حق الزبائن. لاشيء عفويا وكل شيء غاية في الدقة.
ضحكت مدهوشاً ومفزوعاً:
ـ مطعم يديره آليون.. هنا.. وسط هذا الحي التعس.. أنت تمزحين.
قالت: ولماذا أمزح.. راقب كل شيء بنفسك.
تحركت على مقعدي في قلق. اختفى الأطفال وساد ظلام كامل في الخارج. وظل الندل يواصلون حركتهم الدائبة دون صوت. يحملون أطباقهم الغريبة. موتى وقد نهضوا من قبورهم في نزهة مضنية. لاأحد يتحرك من الزبائن. لا أحد يجرؤ على رفع صوته فوق مستوى الهمس. قلت بصوت مختنق:
ـ هل نستطيع الانصراف ?
قالت ببعض من الحدة:
ـ ماذا بك. إنهم غير مؤذين. أليست هذه تجربة جديدة بالنسبة لك. ثم ماذا يختلف الأمر بالنسبة إليك. طوال عمرك ولم تحتك بشيء حي. أرقام وجداول وقذائف ماالفارق هنا.. ?
لا أدري. ولكن داخلي كله كان يرتجف رعبا. حاولت النهوض ولكنها رمقتني بنظرة قاسية فظللت جالساً في مكاني. قالت:
ـ هل دخلت السجن قبل الآن.. هل وقعت في الأسر ?
لا أدري كيف عرفت ذلك. لم أكن قد ذكرت ذلك لأحد. قلت بنفس الصوت المختنق:
ـ قبض عليّ مرة بطريق الخطأ. اعتقدوا أنني أقود إحدى المظاهرات ووضعوني في زنزانة صغيرة مملوءة بالماء لمدة ثلاثة أيام. كان خطأ غير مقصود ولم أحسن الدفاع عن نفسي ولكنهم سرعان ما أفرجوا عني
أشارت إلى الطعام وهي تقول:
ـ تناول طعامك إذن وحاول أن تهدأ.
ـ لا أستطيع.. الأفضل أن نذهب.
عادت نبرة السخرية إلى صوتها:
ـ كونك لم تأكل لايعني أنك لن تدفع الحساب.
ـ سأدفع بالطبع
أشارت بيدها نحو أحدهم. موعدنا الأول قد تخرب تماما ولم أعد استطيع إنقاذ شيء. ربما كان سبب ذلك الشراب. أو المباغتة أو كلماتها القاسية التي لم تكف عن السخرية مني. جاء كبير الندل جامد الوجه متعاليا.. وضع أمامنا رقيقة معدنية. تأملت مافيها من ثقوب وأرقام بارزة. عجزت عن قراءتها. تناولتها عائشة وذكرت الرقم في حدة. لم يكن سعراً مبالغاً فيه. كان في حدود الإمكانات التي خططت لها. أدخلت يدي في جيب بنطالي الخلفي حيث توجد حافظة نقودي. لم تكن هناك. فتشت بقية الجيوب. ثم انتقلت إلى جيوب المعطف. فعلت ذلك أولاً ببطء وهدوء ثم بسرعة وعصبية. أعدت التفتيش مرة وأخرى. جاء بقية الندل ووقفوا خلف النادل الأصلع. توقف كل من في المطعم عن المضغ والهمس. قلت لها:
ـ لقد فقدت نقودي..
قالت بصوت خافت: يبدو ذلك واضحا.. من المؤسف أنني أيضا لا أحمل نقوداً.
قال كبير الندل بصوت معدني أجوف:
ـ هلا أتيت معنا ياسيدي ?
قلت بصوت مرتعد:
ـ لابد أن هناك حلا. يمكنكم أخذ أي شيء على سبيل الضمان.. أو استدعاء الشرطة للتصرف.
قالت عائشة:
ـ أستطيع الذهاب وإحضار النقود.. أليس هذا حلا مناسبا ?
توجهت بتساؤلها إلى كبير الندل الذي أحنى رأسه وهو يقول:
ـ يبدو حلا مناسبا ياسيدتي.
تأملتها وهي تتناول حقيبتها من فوق المنضدة، لم تتكلم ولم تنظر إليّ. خرجت من خلف المنضدة أوسع لها أحد الندل ممراً حتى تخرج من الدائرة التي تحيط بي. سمعت صوت جرس الباب يصلصل للمرة الأولى منذ أن دخلنا. لم أر خلف الزجاج سوى الظلام. جلست إلى المنضدة خائراً. قال كبير الندل "لاتستطيع أن تجلس للمنضدة ياسيدي" أمسكت بأطرافها متوقعا أن يحاولوا انتزاعي.. قلت "سأبقى حتى تعود.." لم يتخل صوته المعدني البارد عن حياده. قال "لايمكنك أن تشغل المنضدة ياسيدي لمجرد الانتظار. هناك زبائن آخرون سوف يجيئون".
لم يكن وجهه غاضبا ولامتعاطفا. أشار بيده إلى مكان ما في نهاية المطعم. حدق في الجميع ـ الندل والزبائن ـ بنظرات معدنية بليدة. نهضت. سرت وساروا حولي. صوت خطواتي هو الوحيد الذي يسمع في المطعم. فتح أحد الندل بابا معدنيا صغيراً في نهاية القاعة. خفض الزبائن رءوسهم في تواطؤ وعبرت أنا الباب.
وجدت نفسي في المطبخ. أمامي صفوف من المواقد والأواني والمناضد والأرفف المعدنية. حركة دائبة لعشرات الأشخاص الذين يقومون بالطهو والتقطيع والتنظيف. بلاصوت ولا روائح ولا أدخنة. طباخون بملابس بيضاء وأغطية رأس طويلة يتحركون في دأب. لم يهتم أحد بوجودنا. أشار كبير الندل إلى أحد الأركان "سوف تنتظر هنا".
لم يكن هناك مقعد أو مكان للاستراحة. مجرد جدار أملس بجواره نافذة صغيرة يجيء منها ضوء مظلم. وقفت بجانبها وظهري للحائط. انصرف الندل وواصل الطهاة عملهم دون مبالاة بوجودي. الباب يفتح أحيانا لينفذ أحد الندل. يحمل الأطباق المعدة ثم ينصرف سريعا. كانت كل تلك الحركة دون صوت باعثة على الوحشة. لم أتحرك من مكاني ولم أعد قادراً على مواصلة النظر إليهم. أدرت رأسي فقط لأنظر من النافذة. فراغ ممتد وعميق ومظلم وشاسع. لاظل لبيوت. لابريق لضوء. لا حد لأفق. لا مجرى للنجوم. لاصوت لهبوب الريح. لاتمتمات لذرات الرمل. ولا براح للسماء. شعرت بحزن دافق. هذا الفراغ الموحش يأخذ مكانا في الروح رغما عنها. استدرت نحوهم. ضوء صاف يغمر المكان. ليس له مصدر محدد. لهب أزرق في المواقد لايتراقص. حركة دائبة لرص الأطباق والأواني دون تصادم أو تداخل. لايتحركون تلك الحركات المتقطعة الحادة التي تصدر عادة عن الآلات. ولكن حركات انسيابية. محسوبة. متوافقة مع الفراغ الذي يحيط بهم. يعملون بلا تداخل وبلاتفاعل أيضا. لا أحد يتبادل الحديث مع أحد، أو يرفع رأسه عن العمل الذي يستغرقه ولو لبرهة. مثيرون للملل وللرهبة أيضا. بلانقاط ضعف. ولا أخطاء. بلا حاجة الى الحب أو خضوع لرغبة أو حافظة نقود يمكن أن تختفي في أي وقت.. هل ستعود عائشة حقا ? استدرت للنافذة. تركت المزيد من الفراغ المظلم يجد طريقه إلى روحي. ربما لن تعود. كانت تريد أن تنجو بنفسها فقط. ذرات الظلام تتشكل أمامي. أرقام وجداول وقذائف وقضبان. ألم شديد يتصاعد من قدمي إلى بقية جسدي. لكن لا أرفعهما. لا أستند إلى الجدار. أغمض عيني. أشم رائحة البارود والغبار والعفونة. كم مر من الوقت ? لا وقت.. لاشيء يتغير. اختفى الألم من ساقي. خدر ناعم يتسلل من خلية الى أخرى. لا أحركهما. أتركهما لتتحولا إلى قائمتين تحملان جسدي. ذهني يواصل انتقاله. يقظة. نوم. زمن مضى. زمن لايأتي. أحس بالجوع. نادل يقف أمامي. لا يتحدث إليّ. يضع في يدي كوبا من الشراب. لم أسأله عن عائشة. تركني ومضي فأخذت أشرب. فواكه وزيت. الزيت أكثر كثافة ولكن معدتي تتشربه في ارتياح. لعل هذا هو بالضبط ماكنت أريده. نادل آخر يأتي ويأخذ الكوب الفارغ في يدي. الظلام القادم من النافذة يتماوج كالزيت. ذراته تتداخل في الصورالتي أذكرها. تزيح ألوانها. تحولها إلى صور بيضاء سوداء. ثم ينزاح البياض. تصبح سوداء مريحة. ذكريات كانت من الضآلة بحيث لم تقاوم كثيراً. الظلمة الصافية تملؤني بلا ألم ولاندم. أرخي عضلاتي وأفتح فمي. أترك ذراتها تسكن مسامي وتنفذ من خلال بلعومي. كوب آخر من الزيت.. ثم كوب آخر.. جسدي يزداد ثقلا.. يصبح أكثر ثباتا فوق الأرض.يسحبونني من يدي. أسير معهم طائعا. ثيابي تنزع. ملابس أخرى بيضاء. صفوف الأطباق عالية. كل صف له شكل هندسي مختلف. ملوثة. أطعمة. سجائر. بصاق. أغسل وأغسل. بطيئا. تقع الأطباق. أصدر أصواتا. الوحيد الذي يصدر أصواتا. لا أحد يلتفت إليّ. لكني أصبح أسرع. الأطباق لاتقع. لاأصدر صوتا. أقطع الخضراوات. سكين لامعة تحول كل تلك الأشكال المهوشة إلى أشكال هندسية. مكعبات. مثلثات. مسدسات. تناسق. البطاطس والجزر والخيار تتناسق أخيراً. لاعفوية رديئة.
تنزع ثيابي. ثياب أخرى سوداء. رابطة عنق مثلثة. أترك المطبخ وأعبر الباب الصغير إلى قاعة الطعام. أدور وسط المناضد. زبائن. كائنات ملوثة. تمضغ وتهمس وتتجشأ. أصوات مزعجة. أنا أدور بلاصوت. لاصوت للنجوم في المجرات. ولا للكواكب. لاصوت للضوء. كل الأشياء النقية لاصوت لها.
ذات لحظة. ذات زمن ما. أراها أمامي. لاأذكر اسمها. تجلس في نفس المنضدة. نفس الثوب. رجل آخر يجلس في مقابلها. ينصت لحديثها باهتمام. يفكر فيما سيحدث بعد انتهاء العشاء. أمد يدي بالقداحة وأشعل الشمعة التي لاتحترق. أراقبهما قليلا. أضع الأطباق المثلثة والمربعة والمستطيلة. أكون أمامهما بدربة. تتحدث في حماس تشير إلى أشكال الخضراوات المقطعة. لاتنظر إليّ. أنسحب إلى الركن. أقف بحيث أستطيع أن أرى عينيها وهما تتألقان في ضوء الشمعة.
محمد المنسي قنديل

Sir Mohammad Yousry
02-17-2010, 07:03 AM
أم كلثوم ورامي... ذلك الحب المستحيل
إنها قصة حب تشبه الخيال. رغم أن كل ما فيها من تفاصيل حقيقية ومعروفة أيضا. وهي لم تكن سرا في يوم من الأيام, فقد باحت بها كلمات الأغنيات على لسان أشهر مطربة عربية عرفها العالم. وكان طرفاها هما تلك المطربة الشهيرة, والشاعر الذي رددت معظم أغانيه, أم كلثوم وأحمد رامي مَن الذي لا يعرفهما?!
لا يقدم كتاب (كان صرحا من خيال) شيئا جديدا من تفاصيل هذه العلاقة, كل الوقائع معروفة, رواها مؤرخو الموسيقى والأدب على السواء, واعترف بها أصحابها, ولكنها من خلال هذا الكتاب تكتسب بعدا جديدا. إنها تلتئم وتترابط وتتخلى عن التحفظ الشرقي الذي يكبت المشاعر في نفوس أصحابها وتقدم صورة أدبية حية, مزيجا من القص الروائي والسرد التسجيلي كي تعيد رواية القصة, كأنها أغنية من أغنيات أم كلثوم نفسها, نعرفها ونحفظها ومع ذلك نطرب كلما استعدناها.
صدر هذا الكتاب بالفرنسية تحت عنوان غاية في الاختصار (أم) وهو النصف الأول من اسم كلثوم. كأنما كان هذا كافيا للدلالة على ما يحويه. كتبه سليم تركية, وقام بترجمته بسام حجار واختار له هذا العنوان المأخوذ من قصيدة (الأطلال) للشاعر إبراهيم ناجي, وهي إحدى أغنيات أم كلثوم القليلة التي لم يؤلفها أحمد رامي الذي يمكن القول إنه كان الشاعر الخصوصي لها, والكتاب يروى على لسانه أيضا. وقد توفي رامي في عام 1981 بعد أن نظم حوالي 137 أغنية من أصل 283 أغنية أنشدتها أم كلثوم خلال حياتها الفنية. وقد تخيل الكاتب أن رامي يروي لنا مذكراته ويبث فيها لواعج قلبه ويعترف بصراحة بكل الأشياء التي لم يستطع أن يعترف بها صراحة من خلال أغنياته.
وبعيداً عن فصول الكتاب, فقد كانت أم كلثوم شخصية مثيرة للجدل, فهي لم تكن أشهر مطربة عربية فقط, ولكنها كانت ظاهرة فنية وسياسية أيضا, وكانت هي الشيء الوحيد الذي اجتمع عليه الشارع العربي بعد أن اختلف على كل شيء, كما أنها المطربة التي كانت عبرت كل العصور وأرضت كل الأذواق وتعرضت لكل صنوف المدح والقدح. ورغم أنها قد أحيت عمراً طويلاً من الغناء العربي الكلاسيكي, وبعثت الروح في العديد من قصائد الشعر المنزوية بين صفحات الكتب, فإن البعض اتهمها بأنها كانت سبب التخلف الذي أصاب الموسيقى العربية. وجاء على رأس هؤلاء النقاد الكاتب الكبير توفيق الحكيم الذي قال عنها وهي في عز مجدها إنها تقف عثرة في طريق تطور الموسيقى, لأن الجماهير التي استنامت لجمال صوتها لم ترد التطوير ولا التغيير. قالوا أيضا إنها حاربت كل الذين حاولوا أن يقفوا في طريقها, وبلغ الحسّ التآمري بالبعض أن اتهمها بأنها كانت وراء مصرع المطربة أسمهان, وأنها حاربت عبدالحليم حافظ في بداية حياته الفنية, وأنها كانت بخيلة إلى حد التقتير وأنها لم تكن تعطي مؤلفي أغانيها ولا الملحنين حقوقهم المالية, بل وصل الحد بالبعض إلى اتهامها بتهم شائنة.
ولعلنا جميعا نذكر ذلك المسلسل التلفزيوني الذي قدم منذ عدة أعوام عن حياة أم كلثوم, وقد عرض هذا المسلسل في وقت واحد تقريبا في معظم التلفزيونات العربية والتفت حوله الجماهير بشغف مثلما كانت تلتف حول أغانيها في الخميس الأول من كل شهر. لم يسأل أحد نفسه عن الترابط الدرامي لهذا المسلسل, ولم يدهش أحد من تلك المثالية الزائدة التي كانت عليها بطلته أم كلثوم, بل إن أحدا لم ينتبه إلى أن الممثلة التي قامت بالدور كانت زائدة الوزن إلى حد مفرط بحيث لا تسمح الدهون بخروج أي صوت من حنجرتها, لم ينتبه أحد لذلك.
وقد قابلت مؤلف المسلسل الكاتب الشهير محفوظ عبدالرحمن وقال لي (لقد قدمت أم كلثوم كما أحب الناس أن يروها دوما, لم أحاول تشريح شخصيتها, ولكن حرصت على تقديم عصرها كاملا, ولم يكن هناك مكان للانتقادات...).
لم يرد أحد أن يجازف, لا المؤلف, ولا مخرجة العمل, حرص الجميع على ترسيخ الصورة القائمة, تعاملوا مع الظاهرة, ولم يواجهوا الشخصية التي هي قوام العمل الفني, تعاملوا مع تفاصيل عصر, وليس مع تفاصيل حياة خاصة وهو جزء من الطبيعة الشرقية التي لا تعطي أحداً الحق في اقتحام الحياة الخاصة, حتى ولو كان علما من الأعلام, لقد كان المسلسل جيدا, ومتحفظا ولكنه لم يحمل من سمات الإبداع إلا القليل.
كتاب سليم تركية على العكس من ذلك, وأعترف أنني لا أعرف إلا القليل عن مؤلفه, قرأت له أكثر من مقالة صحفية في الجرائد العربية التي تصدر في الخارج ولكن لم أتعرف على إمكاناته الأدبية التي تثير الدهشة والإعجاب إلا من خلال صفحات الكتاب.
من الصعب أن تصنع رواية حول حقائق الحياة الواقعية. ومن الصعب أن تقدم جديدا من خلال الوقائع التي يعرف الجميع معظم تفاصيلها بشكل جيد, ولكن هذا لم يكن مهما, فالكتاب يغوص في رحلة غير معلومة إلى أغوار أنفس الذين تعرضوا لهم وهو يصف العالم والحب والشعر من خلال عيني عاشق متفرد لا يدري إن كان هناك مَن يبادله العشق أم لا. والحب من طرف واحد كان ولايزال أمرّ صنوف العشق, فما بالك إذا حدث هذا لوجدان شاعر رقيق مثل أحمد رامي.
تبدأ الفصول بعودة رامي من رحلة تعليمه إلى فرنسا, بموعده القدري مع الخطوات الأولى لأم كلثوم وهي تغني في حديقة الأزبكية. كانت تلك الفلاحة المصرية التي ولدت في قرية طماي الزهايرة عام 1910, واكتشف أهلها موهبتها المبكرة فدفعوا بها إلى طريق الغناء الديني والموشحات, ولكن صوتها القوي تمرد على كل تلك القوالب الضيقة, ولم يرض بعالم الأفراح والمناسبات في النجوع والقرى الصغيرة, لذلك هاجرت إلى القاهرة, تصاحبها في البداية فرقتها الدينية من الفلاحين ثم ما لبثت أن تخلصت منهم جميعا.
يراها رامي للمرة الأولى وهي تشدو بإحدى قصائده القديمة التي كتبها قبل رحيله إلى فرنسا.. (الصب تفضحه عيونه). ويفاجأ رامي بكلماته وقد اكتست على لسان تلك الفتاة القادمة من القرية (حسبها في البداية فتى) بحة خفيفة تحتوي على نكهة من الشهوانية, تستولي عليه وتبعث في داخله انفعالا مؤلما.
حب من النظرة الأولى!
هل هو الحب من النظرة الأولى كما تصوّره لنا عشرات الروايات الخيالية?! أم القدر الذي غير حياته, وجعلها تشبه سلسلة من التنازلات التي لا تنتهي من أجل محبوبة غير موثوق بحبها?! كان تنازله الأول في لقائه الأول بها حين أقنعته أن يكتب لها, ليس بشعر الفصحى كما تعود, ولكن بالعامية المصرية. ولدهشته الشديدة, فقد قبل بالأمر وتخلى قليلا عن ترجمة رباعيات عمر الخيام التي كان يقوم بها عن اللغة الفارسية ليكتب لها أغنية بسيطة أشبه برسالة حب مباشرة مليئة بالخوف (خايف يكون حبك ليا... شفقة عليا). كانت أغنية مجانية مثل معظم الأغاني التي قدمها لها فيما بعد, وكانت هي عنوان أسطوانتها الأولى, ولكن العلاقة كانت قد أخذت سمتها بينهما. كان الشاعر القادم من باريس والمغنية القادمة من أعماق الريف قد وجدا لغتهما المشتركة, أخذ يتردد على بيتها في شارع (قوله) كل يوم, يجلس معها ليقرآ الشعر ويعلمها كيف تتلوه بشكل صحيح, ثم تعدى الأمر ذلك ليعلمها آداب السلوك.. وتناول الطعام, والتعامل مع الكبراء, هل تذكرون (بجماليون) وما حدث له مع التمثال الذي صنعه?
كانت الأيام تكشف عن معدن الفتاة الصلد القوي, ففي القاهرة واجهت حربا مزدوجة, حربا من المطربين القدامى وعلى رأسهم (منيرة المهدية) وحربا من بقايا فرقتها من الفلاحين الذين كانوا يريدون قمعها حتى لا تخرج من أيديهم. ونشرت إحدى المجلات الفنية خبرا تقول فيه إن أم كلثوم قد غادرت قريتها هربا من العار بعد أن تعرضت للاغتصاب, وقد شاعت التهمة وترددت حتى أصبحت أشبه باليقين, وفي الوقت الذي فضل فيه أبوها الهرب عائدا إلى القرية قررت هي أن تبقى في القاهرة, قررت أن تقبل التحدي, وقررت حتى أن تخلع الثياب الريفية وأن تصبح فتاة عصرية, بل إن الفلاحة تحوّلت حقا إلى أميرة.
أين الأمان?
كان هذا هو السر المعلوم والمكتوم عن أم كلثوم, ويتعرض الكتاب لهذا الأمر ليقدم لنا تفسيراً منطقياً ومقبولاً, فهو يقول على لسان أحمد رامي...(كانت تحب النساء. أعلم, ولكن ليس بالطريقة التي يلمحون إليها, لقد فتحت عينيها على عالم حيث الرجال, كل الرجال, يشبهون والدها بالطغيان نفسه, وبالعناد نفسه, وبحس التملك نفسه, فبحثت عن الأمان في جنسها هي, وكانت تردد على مسامع الجميع: لن أتزوج لأنني تزوجت فني, ويجب أن أكرّس نفسي لما وهبته ولجمهوري الغيور, وبذلك كسرت العرف, وما كانت لتعرف عرفا آخر, فوجدت نفسها بلا أعراف).
ربما من أجل ذلك ظل رامي في ذاكرتها الخلفية, في مكانة محفوفة بالأسرار لا سبيل إليه للتقدم منها والتواصل معها إلا عبر الأغنيات والقصائد.
ورغم ذلك فلم تكن علاقتهما سهلة ولا هينة, لقد كان الصراع والتنافس يزداد ويشتد بينها وبين محمد عبدالوهاب الذي كان ينافسها ويرتقي لقامتها بعد أن انسحب الجميع. وحدث أن كتب أحمد رامي قصيدة ليغنيها عبدالوهاب بعنوان (أخدت صوتك من روحي) لم يكن رامي يريد أن يكون الشاعر الخاص بها, وأن تحتكر وحدها كل كلماته, ثورة مكبوتة لعاشق مغبون, ولكن عبدالوهاب رفض القصيدة وظلت القصيدة مركونة بين الأوراق القديمة للشاعر حتى جاءت أم كلثوم. كانت متعجلة وتريد أغنية في حفل سوف يقام على شرف الملك فؤاد. وأخرج رامي القصيدة القديمة وأعطاها لها, وقام القصبجي بتلحينها وقامت هي بالغناء أمام الملك.ورآها محمد عبدالوهاب فرصة سانحة للانتقام من غريمته فسرب القصة للصحافة, (لقد حظى الملك فؤاد والمدعوون وجمهور الأوبرا بعمل قديم ومستعمل) وكانت فضيحة انفجرت في وجه أم كلثوم, لقد غنت عملا سبق أن رفضه عبدالوهاب, وفعلت ذلك أمام ملك البلاد, وكانت القطيعة بينهما, لقد عاد إلى مركزه الذي لم ترفعه عنه إلا قليلا, مجرد مؤلف أغان خاص بها.
هل كانت أم كلثوم عنيفة في خصومتها, يفسر الكتاب ذلك من خلال كلمات على لسان محمد القصبجي الذي أخلص لها ملحنا وعازفا ومع ذلك ذاق منها الأمرّين. يقول (أو تعلم, كل هذا التهليل الذي ينطلق فجأة من بقعة معتمة أمامها كل هذا التصفيق هو الشكل الأوضح لعنف ما. جسدها يتلقفه, ويختزنه ليلة بعد ليلة, ولكن لابد لهذا المقدار من العنف أن ترد به كما تتلقفه حتى على الذين لم يتسببوا لها بأي أذية).
أمام حب مستحيل كهذا كان على رامي أن يتزوج من امرأة أخرى, امرأة حقيقية من لحم ودم, وليست رمزا لعصر بأكمله, تكون له وحده وليس لملايين العشاق, لذلك كان ارتباطه سريعا ومفاجئا بواحدة من دارسات الأدب الفرنسي. فتاة محبة ومنفتحة, لكن المأساة أن ذلك كله تم بنصف قلبه الآخر, القلب الخالي من الصبوات, الخاضع لحكم العادة والاحتياج الجسدي, لذا كان من الطبيعي أن يتعرض هذا الزواج للعديد من التصدعات, ومع كل أغنية جديدة كانت الزوجة تكتشف أن قلب زوجها ينزف ألما وشعرا من أجل امرأة أخرى.
أم كلثوم تتزوج أيضا, زواجا سريا حتى تحافظ على لقب الآنسة الذي التصق بها, تتزوج محمود الشريف (لم يكن سوى عازف كمنجة في فرقتها, مدمن على الكحول, في العادة لا ينظر إليها أو بالكاد, وبنظرات استخفاف وازدراء, وكانت تسامحه على كل شيء, بهيّ الطلعة, فظ. يصل متأخرا عن مواعيد البروفات وحين تفتقده تجده برفقة صديق يحتسي الشراب على قارعة الطريق).
ربما كان هذا هو الرجل الوحيد الذي أحبته وأرادت أن تطيعه وأن تعيش معه بقية عمرها, ولكن أحدا لم يرض عن هذا الزواج غير المتكافئ. بل إن القصر قد تدخل شخصيا كي يرغمها على الطلاق من هذا العازف السكير. وربما كسر هذا في داخلها شيئا لم يلتئم أبدا حين أدركت أنها رغم كل شهرتها عاجزة عن نيل ما تحب. كانت أم كلثوم فلاحة, وقد ظلت كذلك حتى آخر أيامها, حتى عندما قامت ببناء فيلتها الشهيرة في الزمالك, لقد بنتها على حافة عالمين لا يلتقيان, في الأدوار الأولى التي تبرز فوق الأرض يوجد عالم القاهرة حيث تقوم باستقبال أعيان البلد ورجال القصر الملكي وضباط الثورة فيما بعد. إنه عالمها الرسمي والفاخر, الوجه الذي تحب أن يراه الجميع وأن تكتب عنه الصحف. ولكن في الأسفل, في البدروم يوجد عالمها الآخر, خدم القصر الذين جاءوا كلهم من قريتها (طماي الزهايرة). ويوجد أهل البلد الذين يتوافدون على القاهرة حيث يجدون في هذا البدروم المأوى والطعام, أناس جالسون على الأرض, يأكلون ويشربون الشاي وينامون على فراش خشن كما يفعلون في القرية تماما.
يحفل الكتاب بالعديد من تفاصيل أيام أم كلثوم العصيبة, وهو يترك التفسيرات الجانبية ومزج الخيال الذي اعتمد عليه في المرحلة السابقة, ليتحول إلى ملاحقة شبه تسجيلية لوقائع الأيام الأخيرة. حرب أكتوبر, تدهور الصحة والمرض, الغيبوبة الطويلة, الموت الذي آن أوانه, يقول الكتاب على لسان رامي في آخر لحظاته: هي تغني (يوم الهنا), إنها أغنية مفرحة, حبيبة تلتقي محبوبها. وليس لي إلا أن أتشبث بالنغم وأتبعه, فمعها لا خوف علي, أشعر بذلك, ثمة شيء قد انقطع, هناك, عند حنجرتي, أشعر بأنه يكفي أن أغمض عيني لكي ينطفئ, الله وحده يعلم أننا حاولنا أن نلمع صورة هذا العالم وأن نرتقي به صوب الشمس, والآن هناك الظلمات...).
يقدم لنا هذا الكتاب درسا بليغا في كيفية إعادة كتابة الحقيقة, فليس هناك حقيقة مطلقة. ولكن هناك حقائق خاضعة دوما للتفسير, وتحتاج إلى الإيضاح. هذا هو جوهر الفن وتنظيم كل ما هو مبعثر, وإضفاء هالة على كل ما هو عادي, والنتيجة هي رؤية كل ما تمت رؤيته من قبل ولكن بصورة مغايرة.
محمد المنسي قنديل
1/04/2004

Sir Mohammad Yousry
02-17-2010, 07:11 AM
شمس الله تشرق على غرناطة
هناك مدن لها تاريخ, ولكن غرناطة هي التاريخ نفسه, بقعة زكية من الأرض. أخذت من ثمرة الرمان لونها واسمها, وكانت شاهدًا على أفول حلم وبعث حلم جديد. إنها آخر الممالك التي سقطت من الأندلس القديم. بعد أن ظلت تقاوم وحدها أكثر من مائة عام. قال عنها الشاعر الإسباني لوركا: (إن غرناطة تقف على جبلها وحيدة منعزلة. ليس لها بحر ولا نهر, لا منفذ لها إلا من أعلى. حيث السماء والنجوم). لقد هجرها أهلها من المسلمين, وهدمت مساجدهم, وحرموا من إقامة الشعائر فيها لمدة 500 عام. ولكن صوت الله عاد يرتفع من جديد من فوق تلالها.
رحلتنا إلى غرناطة كانت مختلفة, في البداية ضعنا وسط صخب المدينة الأوربية الحديثة والمتاجر والكاتدرائيات وزحام السيارات والمباني الزجاجية. وكان هذا الأمر كفيلا بمحو كل الصور الرومانسية التي رسمناها عنها من واقع كتب التاريخ وذكريات الحزن والأسى على ضياعها. ورغم ذلك فقد واصلنا سيرنا الحثيث إلى حي (البيازين) الذي لم يتغير اسمه القديم لحسن الحظ. كنا نسعى إلى حيث يوجد المسجد الجديد, أول مسجد يقام في هذه المدينة منذ أن طرد منها الإسلام والمسلمون منذ أكثر من خمسمائة عام. صحوة جديدة, وبعث غريب كان علينا أن نشهد ولادته.
عندما وصلنا حي البيازين وجدنا بعضا من غرناطة التي كنا نسمع عنها, مازالت تنتمي بقدر ما إلى تراث المدينة العربية القديمة, خططها وتقسيمها, والأسماء التي تحملها الدروب والشوارع الضيقة المرصوفة بالأحجار الصغيرة, وبيوتها العتيقة بما عليها من اصص للأزهار, ما يجعلها مختلفة عن كتب الثراث هي تلك الكنائس التي ترفع صلبانها فوق جدران المساجد القديمة.
لم نجد المسجد الجديد ولا مَن يدلنا عليه, وحتى أرقام الهواتف التي معنا لا تجد من يَرد عليها, ربما لأنها تغيرت أو حدث نوع من الخطأ الذي لم نفهمه, أخذنا نصف لمن قابلناهم أننا نبحث عن مسجد جديد, يقيمه مسلمون جدد, اختاروا هذا المكان بالذات لأهميته التاريخية, ولكن حاجز اللغة ظل حائلا دون أن يفهموا ما نريد معرفته
كان الجو حارا, وقفنا عند إحدى البقالات لنتناول بعضا من المرطبات, وكأنما قرر القدر أن يشفق علينا أخيرًا فصنع لنا معجزة صغيرة, وضع أمامنا إعلانًا كبيرًا باللغتين العربية والإسبانية. يحمل صورة المسجد الجديد, معلنا أن الافتتاح سوف يكون بعد خمسة أيام. وأن جميع المسلمين مدعوون للحضور, وفي أسفله كان العنوان الذي نبحث عنه (بلازا سان نيكولاس), أسرعنا إلى سيارتنا المستأجرة وبدأنا نسأل عن هذه الساحة. صعدنا إلى درب علوي ضيق مرصوف بالأحجار, وبدأت المدينة تتكشّف أمامنا من أعلى, وهي رابضة في عمق الوادي الأخضر, تحيط بها جبال سيرانيفادا الشهيرة, كان المشهد ساحر الجمال, والمدينة القديمة تبدو وسط جوهرة نظيفة وهادئة, على أطراف التلال تقف صفوف من الزوار, وأسراب من العشاق وبعض الرسامين. يحاولون استلهام تراث الموريسيكين, أهل الأندلس القديمة الذين أرغموا على ترك مدينتهم. لم أستطع أن أمنع نفسي من المقارنة بين غرناطة القديمة, ومدينة فاس القديمة أيضا, فقد سكن المدينتين الناس أنفسهم, بعد أن ُطرد أهل غرناطة لجأ الجزء الأكبر منهم إلى فاس وهم يحملون مفاتيح بيوتهم القديمة وأحلاما غامضة بالعودة إليها, صنعوا من فاس مدينة على شاكلة هذا الحلم الغامض. ولكن غرناطة الآن رغم قدمها مازالت فتية بينما فاس القديمة مهددة بالانهيار, المياه الجوفية تأكل قواعد منازلها, وشوارعها الضيقة الجميلة تحولت إلى سوق مليء بالقبح والصخب لا تشم فيها إلا روائح روث البغال, الحيوانات الوحيدة القادرة على حمل البضائع واختراق شوارعها, كان الفرق شاسعًا بين سوء المعاملة التي تعامل بها مدننا القديمة, وذلك الاحتفاء الذي نراه في غرناطة, ومن المؤسف أننا نعامل كل مدننا القديمة بالطريقة الفظة نفسها.
مسجد القمة
ظللنا نواصل الدخول في الأزقة المتشابكة, قبل أن نصل إلى قمة التل, فوجئنا بأن الطريق أمامنا مغلق بحاجز خشبي, وبجانب الحاجز كان هناك ميكروفون يتحدث فيه كل من يريد أن يمر بسيارته. عليه أن يبين سبب قدومه إلى المكان حتى يحدّوا من وجود السيارات داخل هذا الجزء التاريخي. ولم ندر ماذا نقول, كان هناك صوت سيدة ينبعث من الميكروفون يسألنا عن شيء لا نعرفه, أخذنا نصيح: نيو موسكيو, سان نيكولاس, صاحت المرأة وصحنا فيها والسيارات من خلفنا تصيح بأبواقها هي أيضا. وأخيرا بدا أن السيدة قد يئست من ارجاعنا ففتحت البوابة, وسمح لنا بالمرور, أصبحنا فوق قمة التل أخيرا, وبدت أمامنا مجموعة من الكنائس التاريخية تحيط بالهضبة مثل السوار المحكم. كان أكبرها وأكثرها ازدحامًا بالزوار هي كنيسة سان نيكولاس شخصيا. ولكن في مواجهتها يوجد المبنى الأبيض لمسجد غرناطة الجديد, المكان الذي نسعى إليه.
عندما خطونا داخلين إلى الحديقة الصغيرة بدا كأننا ننتقل إلى عالم آخر. كان (وادي شينيل) الذي يحيط بغرناطة يمتد أمامنا مليئا بأشجار الفواكه, وعلى القمة الأخرى المقابلة لنا تماما يربض أعظم أثر إسلامي في إسبانيا, قصر الحمراء بأسواره وأبراجه القديمة, لم يكن اختيار موقع المسجد عبثا إذن, فالمنارة الحديثة تستمد ضوءها وعبقها من إرث قديم مازال يقاوم عوامل الزمن والغربة, سرنا وسط ممرات الحديقة الصغيرة, وسط الأشجار التي لم تنم بعد, والزهور الخجلى المفروشة حديثا, كان المكان يشتعل بالحركة, فريق من العمال يعملون في حركة دائبة, كان المسجد الصغير يأخذ أهبته من أجل يوم الافتتاح, أقبل علينا اثنان من المشرفين مرحبين بنا: أنتم عرب, مسلمون, مرحبا بكم في مسجد غرناطة الجديد, الأول كان اسمه عبدالله, واسمه المسيحي السابق كان استبسيان. والثاني محمد علي, واسمه السابق خوسيه, أشارا لبقية الشباب من العمال, هؤلاء كلهم مسلمون إسبان, الجيل الثاني من المسلمين الإسبان, يعملون في المسجد دون أجر تقريبا, وهذا المعلم الذي يركب الخشب المحفور على البوابة جاء إلينا من المغرب, من مدينة فاس, أجداده كانوا من غرناطة, التاريخ يعاود التنفس من جديد, ندخل إلى بهو المسجد, لم يكونوا قد انتهوا من فرش السجاد بعد, ولكن المنبر كان قائما من الخشب المطعم بالصدف, والقبلة كانت غائرة في الحائط في اتجاه المسجد الحرام, انظروا إلى تصميم القبلة إنه نفس تصميم القبلة في المسجد الكبير في قرطبة, أما المنبر فهو طبق الأصل من منبر المسجد الأقصى. والرخام نفس رخام قصر الحمراء. لقد جمعنا أهم المعالم الإسلامية في مكان واحد. نصعد إلى أعلى المئذنة, تبدو أبراج قصر الحمراء واضحة, كل من يدخل الحمراء سوف يرانا, سيعرف أن هناك منارة جديدة قد ارتفعت, ولو أنصت قليلا فسوف يسمع ترتيل القرآن. كل الكنائس التي تحيط بنا كانت مساجد فيما مضى, لذلك حرصنا على أن نبني مسجدنا في هذا المكان, ومنذ 18 عامًا, ونحن نقاوم العقبات حتى نتمكن من اتمام البناء, إنه ليس مجرد مسجد كما ترى, إنه مشروع متكامل, دعنا نهبط تحت الأرض, فهذا البناء الذي يبدو صغيرًا له امتداده تحت الأرض, قاعات وغرف كثيرة, هنا سوف نقيم مشروعًا دائما لتحفيظ القرآن ودراسة اللغة العربية, لاإسلام دون لغة عربية, وهناك قاعة للمؤتمرات والاجتماعات, سوف يأتي إلينا علماء الإسلام من كل أنحاء الأرض. ويجب أن نهيئ مكانا للاجتماع بهم, وهنا أيضا سنقيم معارض للفنون الإسلامية, سيدرك الجميع أنهم لا يتعاملون مع دين جامد, ولكن مع حضارة كاملة, وهناك حجرة لإمام المسجد, وللأسرة التي تتولى رعايته, وهذا مشغل لتعليم النساء من الفقيرات, نواصل الهبوط, شاهدنا دورين كاملين تحت الأرض, مجهزين بكل مستلزمات هذا المشروع, نعاود الصعود إلى حديقة المسجد مرة أخرى, يشيرون إلى الزهور التي تشق التربة في اعتزاز, يجب أن يعرفوا أن الإسلام جميل, لقد اخترنا حي (البيازين) لأنه المكان الذي شهد زوال دولة الإسلام من أوربا, وإذا قدر للإسلام أن يعود إليها فيجب أن يبدأ من هذا المكان, أقول لهم: (أين أمير الجماعة الإسلامية مالك عبدالرحمن رويز?). كنت قد تحدثت معه من الكويت وحكى لي عن تاريخ تكوين الجماعة, قالوا لي إنه مشغول, الاحتفال ضخم وسوف يحضره ضيوف من كل أنحاء العالم, يمكنك أن تراه يوم الافتتاح.
الإسلام يبعث
كان بيننا موعد آخر من أجل هذا الحدث الاستثئناثي, ولكن كيف عاد الإسلام إلى إسبانيا مرة أخرى? كيف عاود الإسبان اعتناقه طواعية واختيارًا دون غزو ودون سيف? كيف اختاره طواعية آلاف الإسبان دينا لهم, ولم تعد تخلو أي مدينة كبرى في هذا البلد من مسجد مهما كان صغيرًا ومن تجمع إسلامي يؤمه, وكيف أصبحت غرناطة هي قلب هذه التجمعات, والنموذج الإسلامي الذي يريدون أن يقدموه لأوربا?
إنها قصة تعود إلى العام 1975, عندما اجتمع في قرطبة خمسة رجال مع الداعية الشيخ عبدالرحمن السيوفي, وهو واحد من أوائل الإسبان الذين دخلوا الإسلام, وسافر إلى المغرب ثم إلى مكة. وأصبح يجيد العربية وعلوم القرآن, وكان قد دعا الرجال الخمسة إلى الإسلام وجعل منهم نواة لبعث الدين الجديد, كان عليهم أن يعيدوا تجربة الهجرة الأولى عندما ولد الإسلام غريبا وتكون من عدة رجال هاجروا مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) من مكة إلى المدينة, لذلك أمر الشيخ الرجال الخمسة بالعودة إلى مدنهم المختلفة, وأن يبدأوا هم أيضا بالدعوة. وقد تكلل هذا الأمر بالنجاح في العديد من المدن, وفي غرناطة وفي حي البيازين على وجه التحديد توجد خمسمائة أسرة دخلت الإسلام, ومثلت العودة لهذا الحي بالذات أهمية قصوى في إنجاح الدعوة.
عندما قابلت الشيخ مالك عبدالرحمن رويز أمير الجماعة الإسلامية في غرناطة قال لي: (من وجهة نظر القانون الدولي والإسباني فإن لنا حق الوجود هنا وإقامة المنشآت الخاصة بنا ليس بوصفنا مواطنين إسبانا فحسب ولكن كمسلمين ايضا. إن المعاهدة التي عقدها السلطان عبدالله الصغير مع الملك الإسباني فرناندو والملكة إيزابيلا منذ 500 عام قد أكّدت حق المسلمين في الإبقاء على بيوتهم وأماكن عبادتهم, وإذا كان الملوك الإسبان قد انتهكوا هذا الحق بسبب التعصب تارة, وبسبب محاكم التفتيش تارة أخرى, فإن المعاهدة مازالت سارية, ويجب احترام بنودها, كما أن القانون الأوربي الذي ينص على حرية الدين يجب أن ينطبق علينا أيضا, من أجل هذا كان إصرارنا على إقامة هذه المؤسسة في غرناطة حتى تكون قلب الإسلام في أوربا).
صمم المسجد - أو بالأحرى المجمع الإسلامي - وفق التقاليد الأندلسية المعمارية, وبدئ في وضع الأساس في فبراير عام 1998, وقسمت مساحته إلى قسمين, مبنى المسجد نفسه وتبلغ مساحته 600 متر مربع, والمركز الإسلامي ومساحته 700 متر مربع تحيط بهما حديقة وفناء اتساعهما 800 متر مربع يربط بينهما ثلاثة ممرات بحيث يمكن أن تكون هناك أماكن مخصصة لدخول الرجال وأخرى للنساء, كما يمكن أن تدور فيه العديد من الأنشطة دون أن تتعارض مع بعضها البعض , وسوف يكون المسجد والحديقة مفتوحين دائما طوال ساعات النهار للرد على أي استفسارات للزائرين من الإسبان وغيرهم.
وترتفع المئذنة إلى 14 مترًا, وقد كُتب عليها عبارة (لا إله إلا الله), بالخط الكوفي, ويتكون المبنى كله من ثلاثة طوابق, أحدها فوق الأرض والآخران تحتها. ويواصل مالك عبدالرحمن قوله: (إن المسجد هو عماد الجماعة الإسلامية ومركز التناغم الاجتماعي لها, لا مكان للكراهية أو الحقد في مسجد غرناطة, وسوف تكون هذه المدينة هي النواة لأجيال من المسلمين الذين سينتشرون في أوربا ليسوا دخلاء على المجتمع بل جزءاً منه, لذلك لم نقم هنا مكانا للصلاة فقط, بل مركزًا للدعوة الحقيقية حتى يعرف الجميع الإسلام على أصوله الصحيحة دون تشنج ودون دعاوى للإرهاب.
صوت الله يعلو
بعد ذلك بخمسة أيام, أي في اليوم العاشر من يوليو 2003 كان علينا أن نعود إلى غرناطة في اليوم المحدد لافتتاح المسجد, لم نضل طريقنا هذه المرة, ولكن كان علينا أن نخوض نقاشا طويلا مع السيدة الإسبانية التي تتحدث عند حاجز الطريق, ذكرنا لها اسم المسجد, واسم السفارة الكويتية, ووزارة الإعلام, وكل الأسماء الرسمية التي تذكرناها, وفي النهاية سمحت لنا بالمرور. ولكن الشرطة عادت لتوقيفنا مرة أخرى أسفل المنحدر بسبب الإجراءات الأمنية, طلبت منا أن نترجّل من السيارة وأن نواصل الصعود سيرًا على الأقدام, كان الجو حارًا, ولكن وجدنا العشرات من الرجال والنساء اللواتي يضعن الحجاب على رءوسهن وهم يواصلون الصعود في إصرار, وعندما اقتربنا من الساحة فوجئنا بالزحام الذي يحيط بالمكان, كان المركز الإسلامي يعيش أهم لحظة في تاريخه, لحظة الولادة.
عشرات من الرجال والنساء والشباب يلتفون حول باب المسجد من الخارج, يحاولون أن يجدوا لهم مكانا, وحراس البوابة يحاولون هم أيضا إفهام الجميع أن الحديقة تسع بالكاد للضيوف الرسميين والإعلاميين, ماأدهشني هو ذلك العدد من الرجال الذين يرتدون الطرابيش الحمراء, بمن فيهم المشرفون على تنظيم الحفل, وبالقرب من المدخل كان هناك بائع طرابيش رائج الحال, يبيع الطربوش الواحد بعشرة (يورو), ولاأدري كيف تسلل هذا التأثير التركي إلى جو الاحتفال, ولا كيف اعتقد العديد من المسلمين الإسبان أن الطربوش من علامات الإسلام, ولكن هذا لم يكن وقت التساؤل على أي حال, كان الزحام داخل حديقة المسجد كبيرًا جدًا, ومالك عبدالرحمن رويز نفسه يرتدي الطربوش الأحمر وهو يلقى كلمة الافتتاح, يذكر اسم الله بالعربية, وبضعا من الآيات القرآنية, ثم يكمل الخطاب بالإسبانية, كان ضيف شرف الحفل هو الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الذي ساهم بجهده وأمواله في إقامة هذا المركز يجلس متواضعًا ومبتسمًا وهو يستمع للكلمات, ورغم أنه دارس جيد للتاريخ فقد كان مثلنا غير مصدق أنه يعيش هذه اللحظة التاريخية, ونهض ابنه محمد نيابة عنه وألقى كلمة بالإسبانية هو أيضًا.
وحانت اللحظة عندما أزيح الستار عن اللوحة التذكارية للمسجد, وتعالت فجأة أصوات التكبيرات عالية تشق عنان السماء, وتصل إلى ابهاء القصر الحمراء الراقد في سكونه, وإلى نهر حيدرة, ووادي شنيل, وقصبة البيازين, إلى كل المساجد التي طمرت وهدمت وشوّهت, وكل الذين ماتوا وهم يدافعون عن المدينة وكل الذين رفضوا التسليم, وقاوموا التنصير وعذبوا وشوهوا وطردوا, وتعالت أغاريد النساء المغربيات, واغرورقت عيون الفتيات الصغيرات بالدموع, وأخذ الجميع يعانقون بعضهم بعضا دون تعارف, يكفيهم أنهم عاشوا معا هذه اللحظة, اقتربت من الشيخ القاسمي وأنا أقول له: ما شعورك ياشيخ في هذه اللحظة? قال وهو يحاول أن يتمالك مشاعره: اسم الله يتردد في غرناطة, مَن كان يصدّق أن شمس الله ترتفع هنا من جديد?
كنا نعيش بالفعل لحظة إشراقة جديدة, لم تكن للتباكي على الأندلس الضائع, ولا الحلم بعودة زائفة له, ولكن من أجل فرصة جديدة للتعايش بين الأديان والحوار بين الحضارات, أن نعيد بعضا من تجربة التمازج التي كانت هذه الأرض شاهدة عليها, تجربة عمرت ما يقارب السبعمائة عام, ولم يعد هناك مجال للعداوة أو للثارات القديمة, كان هذا هو الشعور الذي يغمر الحاضرين جميعا, وهم يتجولون في أنحاء المجمع, ضيوف من تركيا وأساتذة من المغرب وسفراء الدول العربية, والكثير من المسلمين الأوربيين, من إنجلترا وفرنسا وغيرهما. بل إن العديد من الإسبان كانوا يوزعون بطاقات عن عناوين مساجدهم وتجماعتهم في مختلف المدن الإسبانية, وبدا واضحا أن خمسة قرون من محاولة تغريب الإسلام عن هذه الأرض لم تمنع إشراقته من جديد.
شاهد الحزن والأفول

Sir Mohammad Yousry
02-17-2010, 07:12 AM
على الجانب الآخر من التلال, يتطلع إلينا الشاهد الثاني, شاهد على غروب الأندلس, قصر الحمراء, واحد من أعظم ما خلفته الحضارة الإسلامية من آثار وأكثرها تعاسة, ورغم أنه كان عنوانا على الأبهة ونشوة الصعود فإنه كان أيضًا عنوانًا على الاستسلام والهزيمة, كنت أسعى إليه ونفسي تموج بالمشاعر المتضاربة, كان علينا أن نهبط من فوق كل التلال, وأن نخترق قلب المدينة الأوربية, وأن ندور على الطريق الطويل المؤدي إلى الحمراء مخترقين سفوح جبال سيرانيفادا. وزيارة الحمراء ليست عادية, فعليك أن تحجز مكانا لك قبلها بأيام طويلة, وقد حجزنا من أجل هذه الزيارة قبل أن نشرع للسفر من الكويت, ولم يتم تحديد اليوم فقط, ولكن تم تحديد ساعة الزيارة أيضا, لو تأخرنا عن هذا الموعد نصف ساعة فقط فسوف تلغى الزيارة بأكملها, ولم ندرك سبب هذا التشدد إلا ونحن على أبواب القصر بالفعل, نشاهد أمواج البشر من كل الأجناس وهي لا تكف عن صعود السلالم العتيقة, واجتياز حدائق جنة العريف وصولا إلى قصر بني نصر.
نصعد فوق الدرج المتآكل لقصر الحمراء أو كما يسمونه باللغة الإسبانية (الهامبرا), كان مازال صامدا وراسخا رغم الزلازل ومحاولات الهدم والحرائق والتفجيرات التي مرت عليه, دليل على محنة الحضارة الإسلامية على هذه الأرض, نخطو إلى أول الأبواب (باب الرمان), عقد حجري ضخم محفور عليه ثلاث رمانات, وهو ليس رمزًا للقصر بقدر ما يدل على غرناطة التي يعني اسمها (الرمانة) باللغة الأيبيرية, ويقودك هذا الباب إلى غابة وارفة الظلال رغم أن الصعود فيها مجهد من كثرة الدرج الذي عليك أن تواصل الصعود عليه. قبل أن تجتاز بابا آخر هو باب الشريعة, تلفك أجواء الحمراء شيئا فشيئا, وتكتشف أنك تدخل مكانا يرقد على حافة الحلم والواقع, إنه حلم الأماني الذي تخيله ملوك غرناطة, وهو العالم المتكامل الذي تحيط به الأسوار المنيعة, ورغم ذلك فهو المكان نفسه الذي وقعت فيه وثيقة الاستسلام.
ذات لحظة في القرن العاشر الميلادي, قرر زعيم البربر باديس بن حبوس أن يبني لنفسه قلعة فوق هذه القمة المرتفعة. التي ترتفع عن الأرض بأكثر من سبعمائة متر, خيّل إليه أن هذا كفيل بحمايته من الفتن التي تدور أسفل المدينة بين العرب والبربر والمولدين. بنى قصرا ودار حكومة وقلعة وأحاطها جميعا بسور محكم, كان هذا هو مولد قصر الحمراء, ثم ما لبثت أن ضاعت منه ودخلها محمد بن الأحمر النصري, وحاول أن يجعل منها حلم الأمان هو أيضا, ولكنها تنقلت من سلطان إلى آخر, كل واحد يزيد من مبانيها ويكثر من تحصينها, ولكنها لم تمنح الأمان لأحد, لم يكن هناك غالب إلا الله, ولم يكن باقيا إلا وجهه ذو الدوام بعد أن يتفتت كل البنيان..
على الجدران يتكرر النقش, بنفس الصيغة, (لا غالب إلا الله) كأنها رقيا وتعويذة, كان السلطان الذي كون مملكة غرناطة من فتات الممالك الهاوية قد دفع ثمن ذلك غاليا, خيانة وغدرا وتحالفا مع العدو, وحصارا لإشبيلية, لذلك كان يدفع بهذه الرقية كل هواجس الندم عن روحه المنهزما, ورغم ذلك ووسط هذا الحزن يوجد جمال بهي لا تتصوره عين بشر, نقف على حافة البركة الموجودة في فناء الريحان, تعبق أشجاره المكان وتحيط بنا الأعمدة الرخامية والأفاريز المحفور عليها العديد من أبيات متتالية من الشعر, نعبر منه إلى بهو السفراء عندما كان هذا المكان هو قلب الأندلس, وكانت القبة الشاهقة التى تزينها زخارف تشبه النجوم هي سماء أخرى, تقودنا أقدامنا إلى فناء الأسود, نافورة صغيرة تحيط بها مجموعة من الاسود الرخامية الصامتة, تلتف حولنا غابة من الأعمدة الرفيعة يبلغ عددها مائة وأربعة وعشرين عمودأ, رشيقة كقدود العذراوات, تتوالى الأفنية والأبهاء, ولا نكف عن الدهشة والدوران وقد وقعنا جميعا تحت هذا السحر الطاغي.
تقترب مني سائحة يابانية وتسألني بالإنجليزية إن كنت عربيا, وعندما أومئ بالإيجاب تطلب مني أن أقرأ لها بعضا من الأشعار المحفورة على الجدران, يشعرني الطلب ببعض من الغرور, فقد اكتشفت هذه السيدة وحدها أن جزءا من هذه الحضارة يخصني. وبدأت أقرأ لها أبياتا من الشعر (تبارك من ولاك أمر عباده, فأولى بك الإسلام فضلا وأنعما) كانت القصيدة طويلة, بجانبها قصائد أخرى, ممتدة على طول الجدران, ولكن معظمها ركيك ومتكلف ومليء بالأخطاء الإملائية, كيف يمكن ألا يهتم السلطان - أيّ سلطان - من الذين توالوا على إنشاء هذه التحفة المعمارية الجميلة بالتدقيق في الكلمات التي تحفر على جدران قصورهم خاصة وهي مديح خالص لهم, لم أعرف السبب إلا بعد أن قرأت تاريخ الحمراء بعد السقوط.
لقد تعرض قصر الحمراء للتشويه والمعاملة السيئة على مدى قرون طويلة بطريقة لم يتعرض لها مبنى في أوربا, ففور أن خرج عنه أبو عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة من أحد الأبواب, حاملا معه رفات أجداده, وتوسل إلى الفرنجة أن يغلقوه حتى لا يدخله أحد من بعده, اتخذ ملوك إسبانيا من القصر مقرًا لهم, ولكن كان من الصعب عليهم العيش تحت ظلال هذه العمارة الإسلامية بما فيها من زخارف وآيات قرآنية, لذك لم يكتفوا بهدم أجزاء كبيرة منه وبناء كنائس وقصور جديدة بدلا منها ولكنهم محوا كل الزخارف العربية الموجودة على الجدران واستبدلوابها زخارف إيطالية..
ثم كفّ الملوك الإسبان عن السكنى فيه عندما انتقلت العاصمة إلى مدريد, وتحوّل الحمراء إلى ثكنة عسكرية للجنود يمارسون فيه تدميرهم العشوائي, وكانت نتيجة ذلك انفجار مخزن للبارود أشعل في القصر حريقا ضخما, وهجر تماما ليتحول إلى مأوى للصوص وقطّاع الطرق والغجر والبغايا والحيوانات الضالة, وجاء الاحتلال الفرنسي مع جيوش نابليون بونابرت عام 1802 فاتخذه الفرنسيون حامية لهم, ولأنهم لم يكونوا متعصبين ضد الإسلام ولا ضد العرب الذين رحلوا, فقد اكتشفوا جمال هذه العمارة وسحرها وأخذوا يعتنون بها, إلا أنهم عند انسحابهم من غرناطة لم ينسوا أن ينسفوا برجين من أبراج القصر, كأن الحمراء كان يدفع خلال هذه الفترة الثمن تكفيرا عن كل الذين تخاذلوا وتخلوا عنه.
في جانب من القصر, توجد قطعة دخيلة عليه, جناح صغير أنشأه الملك شارل الخامس ولم يقم فيه إلا قليلا, ولكن من اقام فيه وكتب عن الحمراء واحد من أجمل الكتب هو المؤرخ الأمريكي (واشنطن أرفنج), فقد قام بزيارة القصر في عام 1829 ولم يكن شاهدا على خرائب القصر فقط, ولكنه دون في كتابه بعض الأساطير المرعبة التي تحيط به, فهو يقص حكاية عن النقش الذي رآه فوق أحد الحوائط, يد بشرية تحاول الإمساك بمفتاح بعيد عنها, تقول الحكاية إن الملك العربي الذي بنى الحمراء كان ساحرًا كبيرًا باع نفسه للشيطان, لذلك, وضع هذا القصر تحت تعويذة سحرية, وهي السبب الذي أبقى على الحمراء طوال هذه السنين رغم كل أنواء الطبيعة والزلازل, بينما تهدمت بيوت العرب هناك, وتذكر التعويذة أن اليد سوف تصل إلى المفتاح وتقبض عليه, وحين ذاك سيتداعى القصر كله إلى حطام, وتظهر الكنوز التي دفنها العرب تحته.
لم يكن واشنطن إرفنج ساذجًا وهو ينقل هذه الرؤية الإسبانية المتعصبة في ذلك الوقت, كان هذا الرجل بحدسه الواسع قد ألف قبل هذه الزيارة كتابا منصفا عن حياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم), وقام بهذه الرحلة خصيصا من أجل أن يعرف صدى الحضارة التي أيقظتها رسالة هذا الرجل.
وأدرك الإسبان أهمية هذا التراث الإنساني أخيرًا بعد أن اندثرت تمامًا الكثير من المعالم والآثار الإسلامية, ومع اليقظة الفكرية الجديدة التي بدأها تيار من المستشرقين الإسبان عادت الروح إلى هذه الآثار, وشمل التجديد قصر الحمراء الذي حاولوا أن يعيدوا إليه نقوشه وزخارفه القديمة, وصنع الأثريون الإسبان ما يشبه المعجزة وهم يحاولون استعادة هذا القصر من حطام الماضي وعاونهم في ذلك عدد من الصناع المهرة الذين حضروا من المغرب خصيصا لهذا الأمر, كان احفاد الاندلسيين القدامى, هم الذين أزالوا النقوش الإيطالية وأعادوا الآيات والأشعار ولكن مع الكثير من الأخطاء الإملائية والركاكة التعبيرية, والمدهش أن الحمراء بحالته هذه, مازال تحفة معمارية لا يوازيها أي أثر, فكيف كان بحالته الأصلية, وكم كان سيصلنا منه لو لم تطله كل هذه الأيدي المدمّرة?
ورغم كل هذا البهاء, لم أستطع أن أمنع نفسي وأنا أطل من فوق أسوار الحمراء من أن أتأمل المئذنة الصغيرة البيضاء لمسجد غرناطة وهي تطل علينا باستحياء من قمة التل المجاور, ولم أستطع أن أمنع نفسي من المقارنة بين نقطتي البداية والنهاية, بين لحظتي البزوغ والأفول. وهل يمكن أن نذكر قصة هذا الأندلسي الضائع دون سكب مزيد من العبرات التي لم نعد في حاجة إليها?
التاريخ..رؤية مختلفة
لعلنا نتذكر ذلك المشهد المهيب عندما وقف طارق بن زياد يخطب في جنده القلائل في مواجهة جموع القوط الذين كانوا يفوقونه عددا, وهو يخطب فيهم مستحثا: (البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم من مهرب إلا القتال). كان قد أحرق كل سفنه في حركة انتحارية لا يصدقها العقل ولم يبق أمامه إلا أن يخوض معركة فاصلة ينتصر فيها أو يموت, هذا المشهد الرومانسي الرائع لا يصدقه كثير من المؤرخين الإسبان الجدد.
إنهم لا يناوئون التاريخ الإسلامي للأندلس. ولا يحاولون استئصاله من مجمل التاريخ العام لإسبانيا, ولا يعتبرونه أيضا فترة احتلال طال أمدها, ولكنه جزء أساسي من هذا التاريخ ومن فتراته المزدهرة أيضا, كل ما في الأمر أنهم يلغون من حساباتهم واقعة الغزو برمتها. فليس من المنطقي في نظرهم أن يقوم طارق بن زياد وهو الزعيم الصحراوي البربري بنقل كل هذا العدد من الجنود بواسطة السفن البدائية التي كانت متوافرة في ذلك الوقت دون أن يفطن القوط لذلك ودون أن يبادروا بالقضاء على طلائع الجيش الإسلامي أولا فأولا, كما أنه من الصعب نقل الخيول التي كانت لازمة للهجوم والإبل التي كانت تستخدم في حمل المؤن والعتاد في سفينة واحدة لأن كلا منهما لا يطيق رائحة الآخر, وهذه أمثلة بسيطة من الحجج والأسانيد التي يسوقونها والتي يستبعدون بها هبوط مثل هذا الجيش الإسلامي الضخم الذي استطاع أن يستولي على إسبانيا والبرتغال في ظرف سبع سنوات فقط.
فما الذي حدث إذن?
كان علي أن أبحث عن الجواب في مكان آخر وسط مدينة غرناطة المزدحم بالمحلات التجارية وحركة البشر, في كلية الدراسات العربية, وهي واحدة من أقدم الكليات التي انشئت بجامعة غرناطة منذ القرن الثامن عشر. وتهتم بدراسة تاريخ الحضارة الإسبانية الإسلامية وبحوث اللغة العربية, كما كان من مهمتها تجهيز الموظفين الذين كانوا يعملون في الصحراء المغربية عندما كانت تحتلها إسبانيا. وربما مازالت تقوم بتجهيز الذين يعملون في مدينة سبتة ومليلة حتى الآن. لا أعرف شيئا عن نشاطها الاستعماري ولكنها كلية جادة. وتصدر منها مجلة تعنى بالدراسات الأندلسية. كان هناك موعد مع المؤرخة مرجريتا خوسيه المتخصصة في التاريخ الإسباني الإسلامي التي قالت مؤكدة: (ما حدث هو عملية طويلة من التفاعل الثقافي بين السكان الإسبان وطلائع الجيش العربي القليلة العدد التي استطاعت الوصول إلى الشاطئ. لقد كان الحكام القوط هم أيضا غرباء عن الإسبان يعاملونهم بقدر هائل من القوة والوحشية. وكانت الضرائب التي يفرضونها على الفلاحين باهظة, كانوا من الكاثوليك بينما كان معظم الناس هنا أقرب إلى الوثنية. لذلك فقد وجدوا في هذا الجيش الصغير فرصتهم للخلاص فانضموا إليه بكميات كبيرة, اعتنقوا الإسلام وتعلموا العربية أيضا وأصبحوا قوة حربية لا يستهان بها, وهم الذين طاردوا القوط في كل أنحاء الجزيرة الإيبيرية.
... أما الأندلس - أندلس الحضارة والفكر والعقل - فقد كانت ثمرة التمازج بين أعراق عدة استطاعت أن تتعايش معا على هذه الأرض. العرب والبربر والإسبان واليهود, كلهم صنعوا هذا المزيج واعتمدوا على اللغة العربية والفكر العربي حتى الذين لم يعتنقوا الإسلام)
اسألها مدهوشًا: (وماذا عن الصراعات التي غمرت الأندلس. ماذا عن حرب الاسترداد التي قام بها المسيحيون من ملوك قشتالة وهم يحاولون استعادة الأندلس?)
تقول: (كانت حروبا إسبانية في أساسها, بين الإسبان المسلمين.. والإسبان المسيحيين, تعبير العرب هنا كان المقصود به اللغة وليس العرق. كانت العرب تعني مزيجا عرقيا. لذلك ففي أثناء الحرب الطويلة هذه , لم يكن مدهشا أن يلجأ ملك مسيحي إلى ملك مسلم لحمايته من عدوان ملك مسيحي آخر. أو يتحالف ملك مسلم مع المسيحيين ضد رفاقه من العرب, وعلى سبيل المثال فقد شارك ابن الأحمر في حصار إشبيلية وعاون الملك الإسباني في الاستيلاء عليها من يد العرب. في النهاية كانوا جميعا إسبانا..).
ألا يبدو التاريخ أحيانا غريبا, يكون أشبه بحيوان رخو قابل دوما لإعادة التشكل?, إن علينا أن نعترف بأن كل شيء قابل للجدل حتى تلك الحقائق العظمى أو التي كنا نعتقد أنها حقائق عظمى, وربما تعطينا حالة غرناطة علامة على ما تعنيه السيدة مرجريتا, فالحروب التي دارت بين أهل غرناطة أنفسهم والفتن التي أضعفتها كانت أكبر بكثير من حروبهم مع الإسبان. وفي قصر جنة العريف الذي يجاور قصر الحمراء توجد صورة وحيدة لهذا السلطان المسكين الذي كتب عليه أن يتجرع الذل في حياته وأن يتحمل اللعنات بعد وفاته, أبو عبدالله الصغير آخر سلاطين غرناطة, الذي وقع بيده صك تسليم المدينة, فهذا الوجه الشاحب النحيل, وتلك اللحية الرفيعة توحي بشاب حالم ومتردد يغلب عليه الحزن والكآبة وليس سلطانا متآمرًا استطاع أن ينتهز فرصة الصراع بين أبيه وعمه وأن ينتزع العرش منهما معا. ثم يخوض معركة غريبة ضد الإسبان ويتلقى الهزيمة ويبقى أسيرًا عند الملكين فرناندو وإيزابيلا لمدة عامين يتولى فيهما عمه العرش. بعد ذلك يتعهد لهما بالخضوع وأنه سيحكم غرناطة باسمهما فيساعدانه على العودة ليزيح عمه ويصبح ملكا لغرناطة من جديد حتى يسلمها لهما. هل كانت كل هذه الحروب والمناوشات هي حروبا إسبانية - إسبانية?
المصير التعس
قاومت غرناطة وحدها زهاء المائة عام, وكان سلاطينها يعرفون أن المعركة لا تدور فقط تحت أسوارها, وإنما بعيدًا عند الثغور الإسبانية, جبل طارق ورندة والجزيرة الخضراء, هذه الأماكن التي يسيطر عليها بنومرين والتي يأتي منها مدد الجنود والسلاح من بلاد المغرب, تعود أهل الأندلس أن تأتي جيوش المرابطين والموحدين ليقدموا لهم العون قبل لحظة السقوط. وكان بقاء هذه الثغور في أيدي المسلمين تعني أن الأمل مازال موجودا, لذلك فقد حرص فرناندو وإيزابيلا على أن يخوضا معاركهما الضارية في الجنوب أولا وأن يسدا هذه الثغور. وسقطت غرناطة بالفعل عندما سقط جبل طارق وطريف والجزيرة الخضراء, لم يعد هناك منفذ للأمل, ودام الحصار الأخير للمدينة أكثر من عام نفدت فيه كل ما لديها من مؤن. وأخذت المدافع التي جلبها فرناندو من كل مكان في أوربا تدك أسوارها كل يوم قبل أن توقع معاهدة استسلامها. تجرع أهل غرناطة كأس السم كاملا بعد سقوط مدينتهم, فرغم كل الوعود الخلابة التي تضمنتها المعاهدة من الإبقاء على بيوتهم ومساجدهم ولغتهم ودينهم إلا أن شيئًا من هذا لم يحدث, أرغموا على ترك دينهم وإعلان تنصرهم. وعلى الذهاب إلى الكنيسة كل أحد. والويل لمن يتخلف, أو يرتدي ملابس نظيفة يوم الجمعة أو يقوم بختن أولاده أو حتى يتجه بوجهه شرقًا ويدعو أي نوع من الأدعية أو يمتنع عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير.. أو.. أو.. وكانت محاكم التفتيش تقف بالمرصاد لكل من تحوم حوله أي شبهة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك, ولكن صدرت الأوامر إليهم بمنع استخدام اللغة العربية وأن يسلموا كل ما لديهم من كتب. ثم صدرت الأوامر بمنع الأزياء العربية وأن تفتح بيوتهم على مصاريعها في أيام الجمع والأعياد حتى يستطيع مفتشو المحاكم من القساوسة الدخول في أي وقت لمعرفة إن كانوا يقومون بأي طقوس أو شعائر. بل وصل الأمر إلى منع استخدام الخضاب والاستحمام في الحمامات العامة, وهدمت كل الحمامات التي كانت موجودة. إزاء كل هذه المظالم قام الموريسيكيون بانتفاضتهم الأولى وامتدت إلى سائر مناطق غرناطة ولكن الإسبان أخمدوها في حمام من الدم وبدأت عملية ترحيلهم عن أراضيهم وبيوتهم.
لوركا.. ابن الخطيب
كان علي أن أنتزع نفسي من كوابيس التاريخ, أترك نفسي مع أحاسيس المدينة العصرية, لعلي أتنسم شيئا من روح المكان, أسفل التلال حيث تشتعل الحياة في أرجاء المدينة العصرية, وغرناطة لا تحمل وحدها عبء تاريخ المنطقة, ولكن يحيط بها عديد من شواهد التاريخ, . بجانبها توجد مدينة صغيرة هي (سانتافي). التي أسسها الملوك الكاثوليك كعاصمة لهم أثناء حصار غرناطة, وفيها وقع كريستوفر كولمبس اتفاقيته الشهيرة عام 1492 مع الملكة إيزابيلا التي فتنت بشاربه الرفيع, وقام بموجب هذه الاتفاقية بالرحلة للوصول إلى الهند بالاتجاه غربا وانتهى به الأمر باكتشاف قارة جديدة جعلت من إسبانيا سيدة العالم, كما تلتصق بغرناطة قرية صغيرة هي (فونتي فاكيروس) التي ولد فيها شاعر إسبانيا العظيم (لوركا) عام 1898; أدرك فجأة أن روح المدينة هنا لا تكمن في موقعها ولا في المباني التي تحويها بقدر ما تتجلى في البشر الذين عاشوا فيها وعشقوها, ولعل من أشهرهم هذين الاثنين, عاشق عربي مسلم هو لسان الدين بن الخطيب وعاشق إسباني مسيحي هو فريدريكو جارسيا لوركا.
في قلب غرناطة المزدحم يوجد المركزالثقافي الذي الذي يحمل اسم الشاعر لوركا. تتصدره صورة قديمة له بالأبيض والأسود ربما تعود إلى ما قبل مقتله بأيام قلائل, يبدو فيها زائغ النظرات, شارد الذهن كأنه كان يحس بدبيب القتلة وهم يدورون من حوله.ربما كانت المدينة تصيب كل عشاقها بلمسة من مصيرها. كان المركز كبيرًا متعدد الأنشطة, ولكن أهم ما فيه كانت المكتبة التي تضم عددًا من المخطوطات التي كتبها لوركا بخط يده. أخرجت لنا القيمة على المكتبة السيدة فاليسيا بلانيت مخطوطا قديما وهي تقول لنا: هذه مسرحية (بيت برنارد ألبا) إنها آخر مسرحية كاملة كتبها لوركا وكل الأدوار فيها للنساء فقط, وهي تدور حول الموت الذي كان يحوم بظله فوق مصير لوركا الفاجع, كان لوركا مسرحيا وشاعرا غجريا بالفطرة وموسيقى الكلمات, وقد كتب قصيدة للنهرين الصغيرين اللذين يمران بهما وهما حيدرة وشينيل يقول فيها:
نهرا غرناطة.. واحد من دمع وآخر من دم
آه من الحب الذي طارت به الريح
في مياه غرناطة لا مجاديف سوى الزفرات
آه من الحب الذي ذهب ولم يعد
يعود بي الزمن إلى عاشق غرناطة الأكبر, ابن الخطيب الوزير والشاعر والأديب صاحب الكتاب الشهير (الإحاطة في أخبار غرناطة) الذي حاول أن يحيط بروح غرناطة بما فيها من ناس وبيوت وطرقات. كان مثل لوركا - رغم بعد الشقة بينهما زمانيا وثقافيا - يشتركان في موهبة الشعر و في مقاساة ظروف العصر الذي عاشه كل منهما, عصر الفتن والاضطرابات. والعيش على حافة الاغتيال.
كانت موهبة لوركا أشبه بالزهور البرية, التي تتفتح سريعا وتبدي ألوانها الفاتنة قبل أن يغيبها الذبول السريع, كانت حياته لهاثا مستمرا كأنه يدرك أن عمره القصير لا يدع له مجالا للتروي. في الثامنة عشرة من عمره كتب أولى قصائده, ونشر أول كتبه في العشرين بعنوان (انطباعات ومشاهد) حيث عرضت له أول مسرحية على مسارح مدريد(شؤم الفراشة), وتوالت الدواوين والمسرحيات وجعلته مسرحية (عرس الدم) التي عرضت عام 1933, واحدا من أعمدة المسرح الإسباني, ولكن الزمن لم يكن مواتيا لتفتح المواهب, كانت إسبانيا تعيش على حافة الحرب الأهلية, والصراع بين الجمهوريين وقوات فرانكو قد أصبح محتدما. وفي يوم 20 أغسطس من عام 1936 اقتحمت جماعة مجهولة بيت الشاعر واقتادته إلى مكان خارج غرناطة وقتلته رميا بالرصاص ولم يبلغ عامه الثامن والثلاثين. ومازالت ظروف هذا القتل غامضة حتى الآن. لقد اتهم حزب الكتائب التابع لقوات فرانكو بقتله. خاصة أن النظام الموالي لفرانكو لم يسمح بإجراء تحقيق كاف في هذا الأمر. وقد تلقف مفكرو اليسار هذا الأمر وجعلوا من لوركا شهيدًا للحرية ولمقاومة الظلم والطغيان. وحتى الآن لا أحد يعرف الحقيقة وراء قتل هذا الشاعر.
لم تختلف عملية اغتيال ابن الخطيب كثيرا ولكن القتلة كانوا معروفين.
لقد كان وزيرًا لسلطان غرناطة الغني بالله, ولوالده من قبله. وكان قائما على شئون القصر ونافذ الكلمة, وفي تلك الفترة المضطربة من حياة الأندلس ومخاوف السقوط ظل يؤازر السلطان وينظم القصائد في دعمه وتعضيده, ولكن الوشاة نجحوا في إفساد العلاقة بينهما, واضطر ابن الخطيب للسفر بعيدا عن غرناطة, ولجأ إلى بلاد المغرب لعل هناك من يجيره, ولكن الوشاة واصلوا السعي خلفه, وأوقعوا به ولاحقوه في كل مكان. واستطاعوا أن يؤلبوا عليه كل الحكام, ونجحوا في أن يجعلوهم يحرقون كتبه أولا, ثم يقومون بسجنه وتعذيبه ثم قتله بدعوى أن كتبه تتضمن الإلحاد والخروج عن الدين.
موت فاجع وجريمة ليس لها مبررها جمعت بين هذين الرجلين اللذين أحبا المدينة نفسها واستظلا بالسماء نفسها.ولكن هأنذا أعود إلى بحر التاريخ وكوابيسه, كانت غرناطة تأبى إلا أن تسقينا من تاريخها المعتق. نقف على تلالها الأخيرة ونرى الشمس وهي تغرب خلف جبال سيرانيفادا وأتذكر مرثية الغروب الأخيرة لها وتساؤلها المرير:
غارت الشهب بنا
أم أثرت فينا عيون النرجس?

محمد المنسي قنديل

Sir Mohammad Yousry
02-20-2010, 04:31 PM
:evil::evil::evil::evil::evil:

هو فيه غباوه كده

طبعة ميرين لمجموعة عشاء برفقة عائشه
مفيش صفحه من غير اخطاء املائيه او ترقيميه
:-?:-?

حاجه تشل

المجموعه حلوه و الاحلي من الخلف للامام

و اكتر ما عجبني فيها مكان للمحبه

Us Palermo Lover
02-21-2010, 02:25 AM
انا خلصت يوم غائم في البر الغربي من ايام

رواية قمة في الشجن والتألم والتعاطف مع ابطالها

وبشكل عام فيها اللون الرمادي يجتاحها بشكل رهيب

ولكن أعجبتني الحبكة القوية جدا جدا والانتقال من زمن لآخر بدون الإحساس بذلك

أسلوب سردي مدهش لمنسي قنديل ورواية زي ما قال البعض عنها اقتربت من الاشباع الادبي

Sir Mohammad Yousry
02-21-2010, 03:08 AM
انا خلصت يوم غائم في البر الغربي من ايام

رواية قمة في الشجن والتألم والتعاطف مع ابطالها

وبشكل عام فيها اللون الرمادي يجتاحها بشكل رهيب

ولكن أعجبتني الحبكة القوية جدا جدا والانتقال من زمن لآخر بدون الإحساس بذلك

أسلوب سردي مدهش لمنسي قنديل ورواية زي ما قال البعض عنها اقتربت من الاشباع الادبي
:x:x:x:x:x:x
جامدا جدااااااااااااااااااااااااااااا
الراجل ده لو انتاجه غزير او حتي لو مش غزير يستاهل نوبل
الروايه روعه روعه روعه
انا قعدت عليها لحد ما خلصت و انا حتجنن من الاشخاص و الاحداث و الاسلوب و الحبكه و المصطلحات و الشجن و الالم اللي فيها
الا بالمناسبه
و انت بتقرأ فصل بني خلف يا حسين:-P
حسيت بايه ؟؟

Us Palermo Lover
02-22-2010, 03:59 AM
انا خلصت يوم غائم في البر الغربي من ايام

رواية قمة في الشجن والتألم والتعاطف مع ابطالها

وبشكل عام فيها اللون الرمادي يجتاحها بشكل رهيب

ولكن أعجبتني الحبكة القوية جدا جدا والانتقال من زمن لآخر بدون الإحساس بذلك

أسلوب سردي مدهش لمنسي قنديل ورواية زي ما قال البعض عنها اقتربت من الاشباع الادبي
:x:x:x:x:x:x
جامدا جدااااااااااااااااااااااااااااا
الراجل ده لو انتاجه غزير او حتي لو مش غزير يستاهل نوبل
الروايه روعه روعه روعه
انا قعدت عليها لحد ما خلصت و انا حتجنن من الاشخاص و الاحداث و الاسلوب و الحبكه و المصطلحات و الشجن و الالم اللي فيها
الا بالمناسبه
و انت بتقرأ فصل بني خلف يا حسين:-P
حسيت بايه ؟؟

أنا بداية كنت متعاطف مع عائشة من أول فصل أسيوط وكان التعاطف بيزيد فلما وصلت لنجع بني خلف أكيد كنت بشيط وأنا بقراه وكنت عاوز اتدخل واعمل حاجه:-)
فان منسي قنديل يوصل القاريء لتلك الحالة فده فده نجاح وعظمة منه طبعاُ

هو فعلا انتاجه مش غزير وان كان مش شرط لتكوين قيمة للأديب ما لم تقترن بالجودة

Sir Mohammad Yousry
02-22-2010, 04:26 AM
انا خلصت يوم غائم في البر الغربي من ايام

رواية قمة في الشجن والتألم والتعاطف مع ابطالها

وبشكل عام فيها اللون الرمادي يجتاحها بشكل رهيب

ولكن أعجبتني الحبكة القوية جدا جدا والانتقال من زمن لآخر بدون الإحساس بذلك

أسلوب سردي مدهش لمنسي قنديل ورواية زي ما قال البعض عنها اقتربت من الاشباع الادبي
:x:x:x:x:x:x
جامدا جدااااااااااااااااااااااااااااا
الراجل ده لو انتاجه غزير او حتي لو مش غزير يستاهل نوبل
الروايه روعه روعه روعه
انا قعدت عليها لحد ما خلصت و انا حتجنن من الاشخاص و الاحداث و الاسلوب و الحبكه و المصطلحات و الشجن و الالم اللي فيها
الا بالمناسبه
و انت بتقرأ فصل بني خلف يا حسين:-P
حسيت بايه ؟؟

أنا بداية كنت متعاطف مع عائشة من أول فصل أسيوط وكان التعاطف بيزيد فلما وصلت لنجع بني خلف أكيد كنت بشيط وأنا بقراه وكنت عاوز اتدخل واعمل حاجه:-)
فان منسي قنديل يوصل القاريء لتلك الحالة فده فده نجاح وعظمة منه طبعاُ

هو فعلا انتاجه مش غزير وان كان مش شرط لتكوين قيمة للأديب ما لم تقترن بالجودة
:lol::lol::lol:
انا في اول الفصل كنت زيك بالظبط
عاوز امد ايدي جوه الاحداث
لحد ما وصلت للتكيف مع الظروف المحيطه;)
ساعتها حسيت بكم تعاطف غير عادي و اشمئزاز غير مسبوق
و فعلا الديابه هما اللي ريحوني شويه لما كلوه:evil::evil:

Us Palermo Lover
02-22-2010, 04:34 AM
بس مخلصوش عليه حتي النهاية
حتي قنديل مجبش نهايته كان وضعها ايه بالظبط

على كل أنا شايف ان قنديل حاول يبأس القاريء في مرات كان ممكن ميحدثش فيها ده
زي المظاهره اللي قادتها عائشة - وهي شخصية حيادية مع كل الاحداث سواء لما كانت في بيت اللورد كرومر او بالجريدة- فليه هي تقود المظاهرة وليه يلمحها وهي بتدافع عن الجموع المسئوله عنها فيضرب قائد العسكر ويوقعه من الحصان ويبقي مصيره الاعتقالا والاهانة..وبالتالي يلغي فكرة الزواج وتعيش عائشة ضائعة مرة اخري.

هل كان من الصعب انها تعيش أي لحظة فرح؟ أو كانت رسالة الرواية هي الضياع المحتوم عليها من البداية مع الديب اللي بيطاردها

لا أنكر استماعي بالرواية وحبكة قنديل ..لكن ليه عائشة بهذا البؤس والا ترمز؟

Sir Mohammad Yousry
02-22-2010, 04:40 AM
بس مخلصوش عليه حتي النهاية
حتي قنديل مجبش نهايته كان وضعها ايه بالظبط

على كل أنا شايف ان قنديل حاول يبأس القاريء في مرات كان ممكن ميحدثش فيها ده
زي المظاهره اللي قادتها عائشة - وهي شخصية حيادية مع كل الاحداث سواء لما كانت في بيت اللورد كرومر او بالجريدة- فليه هي تقود المظاهرة وليه يلمحها وهي بتدافع عن الجموع المسئوله عنها فيضرب قائد العسكر ويوقعه من الحصان ويبقي مصيره الاعتقالا والاهانة..وبالتالي يلغي فكرة الزواج وتعيش عائشة ضائعة مرة اخري.

هل كان من الصعب انها تعيش أي لحظة فرح؟ أو كانت رسالة الرواية هي الضياع المحتوم عليها من البداية مع الديب اللي بيطاردها

لا أنكر استماعي بالرواية وحبكة قنديل ..لكن ليه عائشة بهذا البؤس والا ترمز؟
موضوع الرمز في الروايه هو اللي حيجنني جدا
كنت في حوار مع صديقه من عشاقه قالتلي انها عرفت انه كتب الروايه دي كاسقاط علي مشروع كان اسمه تقريبا بورتو الاقصر او اسوان كانو حيبيعو فيه الارض هناك لبناء مدينه الصفوه
يوتوبيا احمد خالد توفيق بشكل او باخر يعني
بس المشكله ان مش لاقي كلام كامل موثق و مش لاقي نقد للروايه او تعليق عليها
او يقال انها بترمز لمصر بشكل او باخر
و الله اعلم

Ultras.Ahlawy
02-24-2010, 05:54 PM
اوعه بس يكون فكره علماني ولا حاجه

بس شكله وطني
يعني مش حيبقه علماني ولا حاجه

Sir Mohammad Yousry
02-24-2010, 06:00 PM
اوعه بس يكون فكره علماني ولا حاجه

بس شكله وطني
يعني مش حيبقه علماني ولا حاجه
لا متخافش ده راجل طيب:lol::lol::lol:

Sir Mohammad Yousry
02-25-2010, 03:59 AM
http://photos-h.ak.fbcdn.net/photos-ak-snc1/v2609/204/48/543112816/n543112816_1666604_923345.jpg

Sir Mohammad Yousry
02-25-2010, 04:05 AM
الأثنين محمد المنسي قنديل في قمر علي سمرقند
بقلم‏:‏د‏.‏ صلاح فضل



http://www.ahram.org.eg/Archive/2005/6/20/SsalahFadl.jpgرواية فذة مركبة‏,‏ لكاتب استثنائي مدهش‏.‏ أمعن في خمسينيات عمره دون أن تزيد أعماله الإبداعية عن بضع روايات ومجموعات قصصية‏.‏ تتميز كلها بدرجة عالية من الإثارة الفكرية والإتقان الفني‏;‏ إذ تحفر بعمق في ذاكرة القراء مهما تطاول عليها الزمن‏,‏ وتسجل مواقف تاريخية معاصرة‏.‏ مثل روايتيه‏'‏ بيع نفس بشرية‏'‏ و‏'‏انكسار الروح‏'‏ حيث عبر بشجن نافذ‏,‏ عن مأساة جيل مغترب في وطنه وخارج حدوده‏,‏ فمزج الهم السياسي الممض بالشغف العاطفي والتوقد الحسي في سبيكة متوهجة‏,‏ تبرق في ثناياها لغة شعرية مصهورة‏,‏ ورؤية إنسانية باهرة‏.‏

غير أنه يقدم في هذه الرواية الجديدة العارمة‏'‏ قمر علي سمرقند‏'‏ تجربة مكثفة‏,‏ تجمع بين عوالم تبدو في الظاهر متباعدة‏,‏ لكنها في الواقع شديدة الامتزاج والتداخل‏.‏ فهي تتكون من ثلاث دوائر علي الأقل‏,‏ تقع كل منها في قلب الأخري‏,‏ مثل تلك العرائس الروسية الخشبية الملونة‏,‏ حيث تحتوي العروسة الكبري علي إخوتها المتدرجات في الصغر‏.‏ لكن الطريف في هذه الرواية أنه يبدأ من الإطار‏,‏ من رحلة الراوي المصري الطبيب‏'‏ علي‏'‏ إلي أرض الغرائب في آسيا الوسطي‏,‏ في الجمهوريات والمدن المسماة بالإسلامية‏,‏ من طشقند إلي بخاري وسمرقند‏.‏

يقوم بهذه الرحلة بصحبة شخصية أسطورية مذهلة‏,‏ هي‏'‏ نور الله‏'‏ الذي يلقاه بصفته سائقا لسيارة الأجرة المتهالكة التي تقله‏,‏ ثم يستأثر وحده بالقص لنصف الرواية تقريبا وهو يحكي تجربة الحلم الإسلامي المجهضة في آسيا الوسطي‏,‏ بينما يتوزع الباقي علي مشاهد الطريق ومغامراته المثيرة‏,‏ وأحداث مدينة سمرقند الليلية‏,‏ قبل أن تصبح قصة الراوي ذاته في مصر‏,‏ وبحثه عن الجنرال‏'‏ رشيدوف‏'‏ لاكتشاف سر أبيه هي محور العمل الفني وختام إطاره الكلي الشامل‏.‏

مشهد الغواية والغجر
ولأنها رواية ذات أسلوب سينمائي فهي تعتمد علي الصور البصرية في متتالية من المشاهد الخارقة‏,‏ وليت لدينا إمكانات تقنية لإخراجها علي الشاشة لكن ربما كان أول مشهد مثير جديرا بأن يرتطم بمقص الرقيب الذي لا يسمح بتجسيد الغواية في شكلها الملتبس ولا الصريح‏.‏ فالراوي يتم اختطافه تقريبا من قبل هذا السائق الذي يفرض نفسه عليه بطلاقته في اللغة العربية‏,‏ وعندما يتوقفان في مطعم صغير يشهدان عرسا قرويا صاخبا‏,‏ تروق أم العريس لنظرات نور الله فيختفيان معا في الأحراش المحيطة بالمطعم بعد نوبة رقص محمومة‏,‏ مما ينتهي بنوبة أخري من تكسير العظام لا تقتصر علي السائق بل تشمل الراوي أيضا‏.‏

وتكون النتيجة تركهما يلعقان كدماتهما أمام سيارة منزوعة الإطارات‏,‏ مما يجعلهما يستعيران عربة متعهد الخضروات التي يجرها حصان هزيل‏,‏ ويمضيان بها في مغامرة عجيبة إلي إحدي قري الغجر بحثا عن إطارات جديدة‏.‏ وهنا كان لابد أن تثور مشكلة علاقة الغجر تاريخيا بمصر‏,‏ فيتوجه شيخهم‏'‏ قارون‏'‏ إلي الراوي ليبسط رؤيته للموضوع قائلا‏:‏

‏'‏ لا يعرف أحد أصل الغجر سوي الغجر أنفسهم‏,‏ إنه سرهم الأعظم‏,‏ ولكن الأسطورة دائما أقوي من الحقيقة‏..‏ لقد هاجرنا إلي كل مكان تقريبا‏,‏ ودفعنا غاليا ثمن هذا التجوال‏.‏ ولكننا ذات مرة في لحظة زمنية غابرة اعتقدنا أن مصر‏,‏ تلك الأرض السوداء‏,‏ يمكن أن تكون وطنا لنا‏,‏ ذهبنا إليها وسرنا عبر النهر العظيم ونحن نحمل أعظم أسرار التاريخ القديم‏,‏ الطبابة والحدادة‏,‏ عشنا بين أهلها طويلا‏,‏ ولكنا كنا نكره الحرث والغرس‏,‏ نكره الانحناء لأي سبب ولأي كائن ما كان‏.‏ ولكن فلاحي الوادي لم يغفروا لنا كرهنا للزراعة‏.‏ كانوا يعتقدون أنها السر الأوحد للحياة وكنا نعتقد أنها نوع من العبودية‏,‏ فالأرض تربطك بذات المكان‏,‏ وتحرمك من فضاء التمرد وتجعلك صابرا وخانعا‏..‏ بدأ الفراعنة يتحرشون بنا‏,‏ سجنوا رجالنا وخطفوا نساءنا وقتلوا أطفالنا ثم جدوا في مطاردتنا حتي لم يعد هناك مفر من الخروج ثم يمضي شيخ الغجر في تصوير قصة هذا الخروج الأسطورية التي تلتبس بمطاردة فرعون لقوم موسي حتي البحر‏,‏ لكنها تختلف عنها في النهاية المأساوية حيث غرق الغجر جميعا في الماء‏,‏ باستثناء شاب وفتاة استطاعا النجاة بأعجوبة‏'‏ آدم وحواء غجريان يقطران من الماء
ويرتجفان من البرد والخوف‏,‏ ولكنهما قادران علي السير معا حتي نهاية العالم‏.‏ لم يتوقفا إلا في بلاد الهند والسند حيث لا يوجد فراعنة‏,‏ ليواصلا لعبة الحياة والترحال من جديد‏'.‏

الحرف العربي في بخاري
في ليلة مشهودة بجوار ضريح الإمام البخاري يقص نور الله علي رفيقه المصري علي المبهور بتقديس الناس له ملحمة حياته النادرة‏,‏ منذ صباه البعيد منتصف القرن الماضي في مدرسة‏'‏ ميرعرب‏'‏ الدينية بمدينة بخاري‏,‏ حيث كانت حياته تتراوح بين الإثم والتطهر من مغامرات شهوانية لم يكف عنها بالرغم من تناقضها مع سيرته الطاهرة‏.‏ لكنه يستحضر خلال هذه السيرة جزءا حميما من تاريخ الوجدان الإسلامي كله في آسيا الوسطي‏,‏ حيث كان يتعرض لقمع السلطات السوفيتية حينئذ‏.‏ فقد أدركوا خطورة استمرار هذه المدرسة التي تبقي علي جذوة الدين وحضور الحرف العربي في ذاكرة المسلمين‏,‏ فضيقوا الخناق عليها حتي أمر‏'‏ ستالين‏'‏ بإغلاقها‏,‏ وجاء‏'‏ قوميسيير‏'‏ المدينة كي ينذر شيوخها بأمر الإغلاق‏,‏ فأشاروا إلي طلابهم المصطفين في فناء المدرسة تحت زخات المطر أن يفتحوا مصاحفهم ويشرعوا في قراءة القرآن سلاحا للمقاومة‏:'‏ جلسوا جميعا علي الأرض المبللة‏,‏ وبدءوا يرتلون من سور مختلفة‏,‏ ثم ما لبثت أصواتهم أن تمازجت معا في هدير متصل‏,‏ وأخذوا يقرءون نفس السورة ويهتزون في نفس الإيقاع‏.‏ تشبعت ذرات الهواء بالأصوات وحملتها عبر الأروقة والنوافذ خارج أسوار المدرسة إلي بخ
اري المرتجفة تحت المطر‏..‏ نهض أهل بخاري وقد سرت رعدة في أبدانهم‏,‏ أحسوا جميعا أن هناك أمرا جللا علي وشك الحدوث‏,‏ وتحولت بخاري إلي نقطة تعبرها الروح إلي برزخ لا نهائي بين الرمال وزرقة السماء‏'.‏

لكن إغلاق المدرسة يتم‏,‏ ويتشرد طلابها في أنحاء البلاد حتي تدور الأيام وتهب ريح التحولات التي عصفت بالاتحاد السوفيتي كله في العقود الأخيرة‏,‏ فينهض الطلاب القدامي وقد أصبحوا كهولا لقيادة حركة البعث لاستعادة هويتهم الإسلامية لكن الموجع في قصة نور الله أن أجهزة الدولة الجديدة تعرف تاريخه ونقاط قوته وضعفه‏,‏ فتقوم بتجنيده ليكون من رجالات الدين فيها ويصل لمنصب مفتي الإسلام‏.‏

وعندما يثور زملاؤه القدامي بقيادة رفيق عمره‏'‏ لطف الله‏'‏ الذي كان قد نفي إلي سيبريا ويعتصمون بوادي فرغانه‏,‏ يوفدون إليه نور الله ليقنعه بالاستسلام وتفادي التضحية بزملائه في مذبحة عبثية‏,‏ عندئذ يقص عليه لطف الله رؤياه التي تجلت أمامه في أصقاع سيبريا إبان المنفي قائلا‏'‏ ذات يوم استيقظت بعد الفجر بقليل‏,‏ وأديت صلاتي علي حافة نهر الدانوب المتجمد‏.‏ كان هناك نور رمادي غامض يشع من بين أغصان الغابة السوداء القريبة منا كأنه شمس خجول قطعت رحلة طويلة من فوق هضاب الأوزبيك لتصل إلي هنا‏..‏ ظللت واقفا أحدق في النور وهو يتسع شيئا فشيئا‏,‏ كانت رؤية حقيقية لا أعتقد أن أحدا في هذا المكان التعس قد رآها غيري‏,‏ رؤية‏'‏ إسلام ستان‏'‏ التي لم تأت بعد‏,‏ ضوء بازغ في أفق من جليد‏'.‏

مهما كان مصير هذا المجاهد الحالم علي طريقته فإن احتدام النقاش بينه وبين رفيقه يظل محفورا في ذاكرة المتلقي ليلقي ضوءا غامرا علي خارطة البواعث الكامنة في أعماق هذه الشعوب من التحنان المضمر لاستعادة هويتهم‏,‏ والعوائق العملية في تحقيق مشروع لم يعد العصر ملائما له‏,‏ مما يفسر مصير إحباط هذه الحركات واحتراق أوراق وأدوار من قاموا بها من الحالمين ومن وظفتهم السلطات لإجهاضها من رجال الدين مثل صاحبنا نور الله الذي انتهي به المطاف لأن يكون سائق سيارة أجرة تطاردها الشرطة ويتبرك به معارفه الأقدمون في الوقت ذاته ممن لا يزال في وجدانهم الدين الذي يجعلهم يحومون حول المزارات والآثار الدينية‏,‏ ويمارسون حياة الليل والنهار بما تصطخب به من خير وشر متلازمين‏.‏

البحث عن القمر
تحتشد رواية‏'‏ قمر علي سمرقند‏'‏ بعوالم وحشية في واقعيتها وتباعدها فهي تجمع بين فلذات مقطرة من رحيق الحياة الآسيوية في عشقها الجارف للجسد البشري‏,‏ وتقديسها العنيد للمشاهد الأثرية الثاوية في مدن مضمخة بعطر التاريخ ورثاثة الحاضر‏,‏ وبين عالم الراوي الذي قدم من مصر ليفك طلاسم وطنه أولا ويستجلي سر مأساته الشخصية‏.‏ فقد رحل‏'‏ علي‏'‏ إلي طشقند ليبحث عن الجنرال‏'‏ رشيدوف‏'‏ صديق أبيه الأثير‏,‏ عندما كان يعمل مع الخبراء السوفيت في مصر‏,‏ وقد استغل أبوه وضعه المتميز في قمة أجهزة الاستخبارات العسكرية كي يبقيه في مصر عند طرد الخبراء بحجة عشقه للمخطوطات العربية‏,‏ ورغبته في الاعتزال بمنزله المتواضع علي بحيرة قارون ليقضي بقية عمره في الوطن الذي أخلص في حبه‏.‏ ولكن رياح السلم السموم تنتهي بطرده‏,‏ وتفضي إلي عزل الأب من منصبه ضمن صفقة ضخمة لتصفية القوي المتورطة في أتون الصراع بين أعداء الأمس وهم يتحولون إلي أصدقاء اليوم الجدد‏.‏ ومع أن تاريخ الراوي الشخصي وبحثه عن سر نكبة أبيه وغضب القيادة العليا عليه بعد أن ألح في ضرورة إطلاعهم علي خبايا الصراع الذي مازال مستمرا والعثور علي جثته في نهاية المطاف علي شاطئ النيل‏,‏ مع أن كل
ذلك لا يرد إلا في نهاية الرواية ليشرح عقدتها الأساسية‏,‏ غير أنه يلقي ضوءا غامرا علي لحظة انشقاق خطير في الضمير المصري بين عهدين فاصلين في الحرب والسلام‏,‏ حيث يسترد محمد المنسي قنديل عادته القديمة في الضغط علي الجراح الوطنية بقسوة الطبيب‏,‏ ويحيي في نفوس قرائه ذكري هذا الألم الموجع الذي صحبهم خلال سنوات التحول وما تركته من ندوب غائرة في الروح المصري‏,‏ وشأن الأعمال الأدبية الكبري فإن رموزه الحية تنغرس في جسد الزمن وتذوب في القلب لتترك في حلق القارئ مرارة حلوة لعمل فني فذ لا يمكن نسيانه‏.‏

Sir Mohammad Yousry
02-25-2010, 04:11 AM
اكتر قصة حبتها في مجموعة عشاء برفقة عائشه


مكان للمحبة

أتأمل حروف ورقة (الفاكس) دون أن أستطيع قراءتها بوضوح, خط صديقي (سعيد الكفراوي) الذي أحفظه جيدا يبدو غامضا, وصل (الفاكس) بعد أن انصرف الجميع عن العمل, وظل موجودا على الماكينة الباردة لمدة يومين دون أن يقرأه أحد, كان في انتظاري عندما وصلت مبكرا إلى العمل في اليوم الثالث, تقول كلماته الأولى (مات والدنا جميعا), يعني والدي أنا وحدي, أنهار جالسا إلى مكتبي دون أن أجرؤ على إكمال بقية الكلمات, لا دموع في عيني ولكن لا أستطع الرؤية بوضوح, مكتبي مفتوح على بقية مكاتب المجلة, ومن السخف البكاء في مكتب مفتوح, يحضر لي زميلي (محمد المخزنجي) كوبا من الماء, فآخذ منه بضع رشفات, ولكن غصة حلقي تظل باقية, أسمع صوته وهو يقول لي:
ـ يمكنك أن تنصرف الآن وسوف أقـوم عنك بالعمل.
كيف يمكنني الانصراف وأنا لم أكمل قراءة بقية (الفاكس) ? أقرأ سطراً آخر, (كان يوما عنيف المطر, وظللنا نخوض في الأوحال ونحن في طريقنا إلى المقبرة), أليس من المدهش أن يموت مثل ذلك الرجل السهل وسط ذلك الجو الصعب, تحت وطأة طبيعة غاضبة وهو الذي لم يترك للغضب سبيلا إلى نفسه, يواصل المخزنجي القول:
ـ سأقوم ببقية الإجراءات الضرورية, اذهب الآن لتستعد للسفر .
يبدأ بقية الزملاء في التجمع حولي فأدرك أنني لن أستطيع إخفاء صوت بكاء الطفل النائم في داخلي طويلا, أنهض منصرفا متمتما ببعض الكلمات التي لا معنى لها وأظل أتعثر في الدرج حتى أصبح في الخارج.
أقود سيارتي بمحض غريزة التعود, تأخذني الطرق المتداخلة في متاهة الإسفلت الأسود, أركز عيني على الخطوط البيضاء المتقطعة وهي تتتابع بلا نهاية, على المقعد المجاور يرقد (الفاكس) الذي لم أستكمل سطوره بعد, أتوقف بالسيارة على جانب من الطريق لأعاود القراءة, ولكن العادم المتطاير من السيارات يملأ عيني بالدموع, في هذه اللحظة كرهت خط (سعيد), كرهت معاودة قراءة تلك الحروف الكبيرة الحادة الزوايا, أكتشف أنني متوقف منذ فترة, أمامي بناية عالية أشبه بالبرج, مكتوب عليها بحروف مضيئة أرقاما توضح الوقت ودرجة الحرارة, تتوالى أرقام الوقت وأمامي الكثير مما يتوجب فعله, كل شئ قد تأخر إلى حد مروع, حجز التذكرة, السفر, مجرد تعبير عن ندم زائف, أقول ذلك لزوجتي (أماني) حين أمر عليها وآخذها من العمل فتقول لي :
ـ ولكنك يجب أن تسافر يا محمد, أنت خائف وتحس بالذنب لأنك لم تره قبل موته, مع علمك أنه سيموت, ولكن هذا لم يكن ليؤخر موته, كانت هذه الرؤية ستريحك فقط بعض الشيء, سافر الآن, افعل أي شئ حتى ولو جاء ذلك متأخرا, هذا أفضل من أن لا تفعل شيئا على الإطلاق .
حادّة وصادقة كالعهد بها, اكتشفت خوفي من العيون التي ستتهمني بالتواطؤ على موته, من الأماكن التي مازالت تحمل رائحته, من سماء بلدتنا الرمادية المثيرة للأسى في هذا الشتاء, من طرقات الذكريات الموحلة, من المدى الضيق الذي وضعني فيه موته, تناولت (أماني) الفاكس وأخذت تقرأ لي كل التفاصيل بلا تمهل, أتذكر شهقة أمي بالبكاء, إحساسها الفاجع بالوحدة بعد أن تخلى عنها الرجلان الوحيدان التي عرفتهما طوال عمرها, أنا وأبي, قالت (أماني), وهي تضع الفاكس في حجرها:
ـ أنت خائف منها, ومن لومها لك, مهما كان الأمر فحاجتها إليك أكبر من اللوم, إذا جاء الغد سافر إليها .
في الغد كانت حقيبة سفري صغيرة, وحيدا في مطار خال, أرتدي ثيابي الكاملة وتوشك ربطة العنق أن تخنقني, الطائرة أيضا شبه خالية, أرفض الشراب الذي عرضته علي المضيفة فلم يعد أحد يأبه بي, فور أن تصعد الطائرة تختفي الأرض فجأة وأجد نفسي بين السحب, أمواج رمادية متكاثفة لا تنقطع, ولا تخف كثافتها, كأنها تقف في انتظارنا دون أن تدفعها الريح أو تمزقها الرعود, صحراء قاحلة من السحب, قمم من تلال معتمة ووديان غائرة, تحتوي الطائرة في قبضة واحدة فيبدو كأن لا شئ يتحرك, ننقطع عن كل ما هو واقعي وصلب, ينخلع قلبي وأنا أشاهد طائرا رماديا متدثرا بالضباب يمرق كومضة قدرية داخلا إلى جوف محرك الطائرة دون عودة, يتم ذلك في صمت الأضاحي القديمة وبلا تراتيل, يتواصل اللون الرمادي الأشهب دون أن تتناثر فيه ولو قطرات ضئيلة من الدم, أدخل أنا وأبي في متاهة من جبال القطن المنتوف, كانت هذه هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى عمله الجديد في عنبر (حلج الأقطان), تحيط بنا سحب أرضية هشة, يمسك أبي بيدي الصغيرة وهو خائف علي من التوهان, أرى الدواليب الضخمة وهي تشرع أسنتها الحديدية اللامعة ثم تغوص بها في أنسجة القطن المستكينة, تفصلها عن البذور الداكنة, تحول نسيج القطن المتماسك إلى كتل هشة شديدة الشفافية والشحوب, أسمع صوت سعال العاملات قبل أن ألمح أشكالهن, لا يتوقفن عن الحركة وهن يحملن أكوام القطن الخام ويلقين بها في جوف الدواليب التي لا تشبع, بنات صغيرات و عذارى لم يمسسهن الرجال, هذا هو الشرط حتى يظل القطن نقيا دون دنس, يشبعن رغبة الأنصال اللامعة التي لا تتوقف عن التهام القطن, وأحيانا تغافلهن هذه الأنصال وتبتر شيئا من أطرافهن, إصبعا أو ذراعاً. قربان غامض آخر, أسمع صوت أبي وهو يقول :
ـ لا يخدعنك مشهد القطن يا محمد, فخلف هذا النسيج الرقيق توجد دائما قسوة
فماذا تخبئ لنا تلك السحب التي أسري فيها وحيدا, وكيف أعرف طريقي في يوم غائم يليق بالموت كهذا اليـوم ?
تهبط الطائرة دون أن أرى شيئا من معالم الأرض, لا يلتفت أحد إلي وأنا أسير في الطرقة الطويلة حاملا حقيبتي, أتوقف أمام ضابط الجوازات الذي يبحث بلا اهتمام عن سجلي داخل جهاز الكومبيوتر, ألمح بطرف عيني الحروف الخضراء على الشاشة (لا شئ), كأن السحب مازالت تحيط بي وتحولني إلى لاشيء, أواصل عبور الحواجز كلها دون كلمة ترحيب أو تعزية أو تعاطف دون أن أكون مرئيا من أحد, كل من حولي يتعانقون, تطفر الدموع من أعينهم فلا تطفـر من عيني دمعة واحدة, يجب ألا أرثي نفسي أكثر من ذلك, فالمدينة التي غادرتها وأنا شاب يجب أن تستقبلني شيخا صلب العود, أقول لسائق سيارة الأجرة :
ـ أريد الذهاب إلى موقف الحافلات الذاهبة إلى (المحلة).
يقول لي : وما حاجتك إلى الحافلة, أستطيع أن أقودك إلى بلدتك مباشرة, كن سخيا وأرح نفسك .
عبثا أن أقول له إنني حزين لدرجة لا أحتمل فيها السفر وحيدا, أصرخ فيه أن يأخذني إلى الموقف وإلا سعيت إلى غيره, يقودني بروح من العداء طوال الطريق, أطلب منه أن يطفئ سيجارته فيرفض, أكتشف أن زجاج النافذة مقفول ومعطل, أصبحت بلا سند في هذا الكون الواسع, فهل كان من المحتم عليه الرحيل ?
تتحرك بي الحافلة مع غروب الشمس, بعد أن تصبح المدينة أكثر ازدحاما وحزنا, تمتلئ الحافلة بوجوه متعبة وصامتة أنهكها تجوال اليوم الطويل, يشبهون أناسا أعرفهم ولكني لا أعرفهم, أرى مياه النيل وقد تلونت باللون الأحمر فيرتجف قلبي في حنين آسيان, أخرج من المدينة ومازالت بقايا الشمس خلف الأشجار, لا أرتاح إلا عندما يغرق كل شئ في الظلام, أغمض عيني دون نوم .
أضواء (المحلة) الذائبة في الماء ترسل الرعدة في نفسي, أحاول عبثا أن أقنع إحدى سيارات الأجرة حتى تحملني إلي بيتنا القديم , كل الطرقات التي تؤدي إليه كانت متكسرة وموحلة في هذا الوقت من العام, يوافق أحد السائقين مقابل ثلاثة أضعاف الأجر, ما أن تبدأ السيارة في السير حتى يرتد الزمن بي, تستيقظ الأصوات وتصعد الروائح القديمة مشبعة بالطين والمطر, تضيق حولنا الطرقات حتى توشك السيارة أن تحف بالجدران المتشققة, ننفذ أخيرا إلى الشارع الطويل المؤدي لبيتنا .
أهبط وسط برد الليل, المسجد مغلق, وكذلك المقهى, ولا أحد في الطريق, لا أحد من الناس الذين كانوا في دخولي وخروجي يقولون لي : طالت غيبتك يا محمد, كأنني كنت موجودا ولم أكن في حالة دائمة من الغياب, بعدت حتى تناءيت, تكاثرت مشاكل وجودي في هذا العالم حتى أصبحت أضيق بهذا الوجود, أحمل حقيبتي الصغيرة وأخطو وسط الأوحال, أخشى الانزلاق ولا أستطيع أن أرى ما حولي بوضوح, يزحف الوحل من حذائي حتى أطراف بنطلوني, وأصل إلى باب البيت في صعوبة, أقف أمام عتبات السلم المظلم وأنا غير مصدق, المرة الأولى التي أجد فيها مصباح السلم غير مضاء, كان أبي يحرص على إضاءتها كل يوم من السادسة إلى الثانية عشرة ويبقيها طوال الليل إذا كنت موجودا فقد كان يعرف أنني أهوى التجوال ليلا, أنادي بصوت عـال:
ـ يا أمي أنا هنا, فليشعل لي أحد المصباح .
لا أحد يرد علي, لا أحد يتوقع قدومي, أنادي على أختي (نادية)التي تسكن في الدور العلوي دون جدوى, العتمة مخيفة, أصعد الدرج وأنا استند إلي الحائط, أحس بالنشع البارد يتسلل إلى عروقي, أخاف أن أتعثر أو أن أدوس على قطة ضالة, أصل إلى باب الشقة وأبدأ في الدق عليه, يا أمي أنا متعب وبردان, لا أحد يرد, سافرت من الصباح البارد وهأنذا أقترب من منتصف الليل دون مأوى, أعرف أن العزاء قد انتهى, ولكن ثمة مكاناً لي, فليس هذا هو العقاب الأخير, مازال هناك المزيد من الأخطاء التي سوف ترتكب, ومازال هناك مزيد من العقوبات في انتظارنا .
ينفتح الباب تحت إلحاح دقي المتوالي, ذهب الحرص بعد ذهابه, كيف يمكن لأمي العجوز أن تواصل حياتها دون الحماية التي كان يوفرها لها, أدخل إلى الصالة المظلمة, يشع ضوء شاحب من الغرفة التي تعود على الجلوس بها , أقترب في بط ء دون أن أجرؤ على إصدار أي صوت, أراه جالسا على السرير كما تعودت أن أراه, يدير رأسه نحوي ويقول بهدوء من طال انتظاره :
ـ جئت أخيرا يا محمد ?
بلا تذمر ولا بنبرة من لوم أو عتاب, نفس الاستقبال الهادئ المليء بالمؤانسة, أتقدم منه وأنا أكتم عبراتي واعتذاراتي, وأهتف :
ـ يا لله يا أبي, قالوا لي إنك قد .. رحلت .
يبتسم ابتسامة شاحبة تحت الضوء الشاحب :
ـ وهل كان يمكن أن أرحل قبل أن أراك .
أجلس أمامه على حافة الفراش, أتأمل بريق عينيه الخابيتين, وجنتيه البارزتين وأرقب ابتسامته الواهنة لعلها تسطع على وجهه, يحاول هو أيضا أن يرى خلف ملامحي ذلك الطفل الذي حمله على ذراعيه ذات يوم قبل أن يتساقط شعره وتصفر أسنانه وتملأ البثور وجهه, يفاجئني بالسؤال:
ـ ما الذي يؤلمك يا محمد ?
ببساطة ينفذ إلي أعماقي, يطيح بأسئلتي عن لحظات الغياب ويختصر كل العتابات والاعتذارات, ومن المستحيل أن أقنعه بإجابة عائمة, أوشك أن أجهش بالبكاء حزنا على نفسي هذه المرة, أقول له مندفعا وغير قادر على إخفاء مشاعري :
ـ متعب يا أبي, ولا أدري لماذا تلح علي فكرة الانتحار, أحاول أن أبعدها عن ذهني باستمرار ولكنها لا تكف عن معاودتي .
يقول في إشفاق :
ـ أستغفرك ربي وأتوب إليك إني كنت من الظالمين, اهدأ يا محمد, ما يؤلمك هي نفسك المنقسمة يا محمد, والأكثر إيلاما أنها مستعصية عن الالتئام, كبرت وكبرت همومك .
ومن قال يا أبي إن الكون حين عشنا لحظة تكوينه كان قابلا للعطب, وأن تلك النفس الواحدة تتسع لكل هذه المرارات, أتعرف السبب يا أبي, أتعرف السبب يا محمد, لقد تباعدنا, فقدنا ذلك النجم الهادي الذي كان يقودنا عبر شوارع (المحلة) حتى في أيام الرزق الضيقة ولحظات الفرح القليلة, أحيانا أسير بجانبه, أحيانا أسير خلفه دون أن يراني, يحدث هذا في اللحظات التي يكون فيها متضايقا ويرفض فيها أن يصحبني معه, أقف بعيدا وأنا أشاهده جالسا في المقهى يضحك مع أصحابه وهو يشرب فنجان (القهوة المضبوط), كنت أحب أن أراه وهو يضحك ولكني أصاب بالملل حين يبدأ في لعب (الدومينو) معهم, أحاول أن أعود وحدي إلى المنزل, ولكن دون نجم هاد آخذ في التخبط في حواري بلدتنا الضيقة, أبكي من شدة التعب فيسألونني (ابن من ?) فأعطيهم إجابات خاطئة, ثم أنام بجانب حائط, أو على باب مسجد, حتى يأتي هو, الوحيد الذي له القدرة على معرفة مكاني, أستيقظ ثم أتظاهر بالنوم لأظل على كتفه حتى نعود إلى المنزل, أقول له : كيف كنت تعرف مكاني ? فيقول لي : كنت أشم رائحتك .

Sir Mohammad Yousry
02-25-2010, 04:12 AM
نتبادل ضحكة هادئة, يسر لأنني تخلصت من هذه البداية الكئيبة, كان يسعد دائما عندما أسترد جزءا من طفولتي, ويعود هو أبي الذي ضيع علي (شقا) عمره, يقول :
ـ خذ راحتك, تمدد على الفراش, ولكن اخلع حذاءك أولا, فأنت كالعادة قد لطخته بالطين .
معا وسط الطين, نجتاز الشارع الضيق الذي يقع منزلنا في آخره, بعد ليلة طويلة ممطرة لا يوجد أي مكان جاف, يقول لي : دعني أخطُ أنا أولا ثم اتبعني, كنت أرتعد, دائما ما يأتي الشتاء وأنا لا أملك الثياب الملائمة لمواجهته, كان أشد الفصول كراهية إلى نفسي لأنه يكشف كل ما حاولت أن أخفيه طوال العام, يقول أبي : هانت يا محمد خذ بالك وسوف نصل نظيفين إن شاء الله. المارة الذين رأوا ثيابي النظيفة نسبيا وحرص أبي الزائد الـتصقوا بالجدران وتركونا نمر دون رذاذ, نصل أخيرا إلى نهاية الشارع, نستند إلي جدران المسجد, ويقدم لي أبي الحذاء النظيف الذي كان يحمله طوال الوقت وهو يقول : اخلع حذاءك المتسخ والبس هذا الحذاء, الآن تستطيع الذهاب إلى الكلية دون مشاكل, مع السلامة يا محمد .
يقول مبتسما وهو يفسح لي مكانا في السرير مقابله:
ـ ألم أقل لك, كنا دائما معا, في الصحو والغيم كما يقولون, لعن الله المسافات التي تفرق بين القلوب المتحابة وجزى الله الحنين .
أريد أن أقول له إنني أكثر من يعاني من اتساع المسافات, وأن العالم قد تباعد من حولي بطريقة تثير الأسى, تباعدت الأشجار التي كنت أعرفها والبيوت التي كنت أزورها والأشخاص الذين أحن إليهم, فكيف تريد مني يا أبي أن أعيش بنفس غير منقسمة ? يقول أبي :
ـ أنت مخطئ يا محمد, الأرواح تحتل فراغ هذا العالم من حولنا إنها قريبة منا وإن كنا لا نراها, لولاها لكنا متنا من الوحشة والافتقاد .
يصمت قليلا ثم يتأمل حقيبة سفري الصغيرة جدا, تم يقول وعلى وجهه ابتسامة معابثة :
ـ ماذا أحضرت لنا معك .
أقول معتذرا :
ـ كنت مفاجأ ومتعجلا فلم أحضر شيئا.
يقول : على الأقل أحضرت كتابا نقرأه معا.
معا في ظلمة القاعة الرطبة التي تحتوي على الأنوال الخشبية التي ينسج عليها خيوط الحرير, سوف يظل إيقاع هذه الأنوال وهي تدق اللحمة في السداة في وجيب قلبي حتى أموت, أجلس بجانبه وهو منكفئ على النول يقذف (المكوك) خلال مجرى خيوط الحرير ليلقفه باليد الأخرى, أرقبه مخلوب اللب وهو يحركه في براعة لا تعرف الكلل, أنتهز فرصة ابتعاده عن النول فأحاول تقليده ولكن المكوك يقع مني والخيوط الحريرية تتمزق, أراه بعد ذلك وهو منكب عليها يعيد عقدها من جديد, تسرح يده الضخمة الخشنة بنعومة بين الخيوط الرقيقة بينما تتمزق عند أي لمسة من يدي الصغيرة, ويقول هو ضاحكا : الحرير كالنساء يا محمد لا يحسن التعامل معهن إلا من يفهمهن, ولم أفهم ولم أحسن التعامل لا مع الحرير ولا مع النساء, يقول أبي : لأنك تجلس وحيدا وتقضي ساعات طويلة في القراءة, ما رأيك لو جئت بكتبك إلى القاعة وتجلس لتقرأ معي, وهكذا بدأنا رحلتنا معا بين الصفحات القديمة لكتاب الجيب والمسامرات والقصص العالمية, أمتع الرحلات التي سافرنا فيها معا, ضحكنا لأيام متوالية على المقالب التي يقوم بها (أرسين لوبين) ليقع فيها المفتش (تيل), وساعدنا (روكامبول) على الاختباء في قاعتنا الباردة هربا من الشرطة, وارتدى (الصنايعية) من أصحاب أبي شارات الثورة الفرنسية المثلثة الألوان ورفعوا مع (دارتنيان) الملفات الخشبية التي يلفون عليها الحرير وهم يهتفون الكل للواحد, تحولت كل الحصر الملونة إلى سجاجيد سحرية طارت بنا إلى مدن النحاس والسحرة, بكينا معا و (فيرتر) يبعث برسائله ويموت محسورا دون جدوى, و(غادة الكاميليا) تضحي بحبها وتبصق نفثات صدرها, ورحلت سفينة القبطان (إيهاب) فوق بحر من خيوط الحرير, فشربنا كئوس الروم وطاردنا الحوت الأبيض دون جدوى, يعلق أبي قائلا إنه أيضا قد أضاع كل الفرص وأن حيتان البحر لا تختلف كثيرا عن حيتان البر, تراكمت الرمال على آثار (قطر الندي حتى فقدت دروب العودة, خرج الجني من قمقمه وسألنا عما نتمنى فهتفنا معا:) قاعة أقل رطوبة وحرير أقل تلفا, شربنا حساء (الكرنب) في ليالي الشتاء وانفتحت الحارة الضيقة عن سهوب شاسعة من الثلج الأبيض تجري عليها عربات تجرها ثلاثة من الخيول الروسية, أصاب أنا وأبي بالفزع ونحن نشاهد صراع الإخوة (كرامازوف) تباغتنا مشاعرهم العنيفة عشقا وبغضا وهم يشربون حتى الثما لة ويتبارزون حتى الموت, ازدحمت القاعة بخيول الفرسان والملوك وقطاع الطرق والمطالبين بالعرش والقراصنة والغواني ذوات التيه والشعراء المطاردين, خيوط من الكلمات والنزوات تربط بين الأب المنكفئ على نول الحرير وذلك الابن الذي يمسك كتابا ممزق الأوراق, يضحكان معا ويتأوهان في نفس الوقت, ذات لحظة نادرة لم نعد وحيدين ولم نعد في حاجة إلى الكون المشعث البائس في الخارج, وفي النهاية عندما أفعمت صدورنا بكل أنواع الكلمات كنا نجلس متجاورين صامتين تماما نفكر تقريبا في نفس الشيء, يقول لي أبي مبتسما :
ـ فيما تفكر يا محمد
فأقول له دعابتنا الشهيرة : في الشيء نفسه,
أنهض من مكاني على حافة السرير وأحتضن جسده الذي أصبح شديد النحافة والوهن, أعتذر له عن التباعد بسبب كثرة الأسفار فيقول لي :
ـ كم أخشى عليك من تلك الطائرات, الأرواح فقط هي التي تقدر على الابتعاد عن الأرض, لا بد لكل واحد من أرض يلامسها وإلا ضاع الأمان .
يغمض عينيه ويرجع بظهره إلى الوراء, أشعر بالخوف وبالوحدة من أن يتم الرحيل بغتة, أستحضر في داخلي صمت قاعة الأنوال ورطوبتها, أصبح ذلك الطفل الصغير الممسك بكتاب ممزق, أحاول أن أقول له شيئا مسليا كما كنت أفعل في السابق, شيئا يعيد ربطه بلحمة الحياة وسداها فأقول له :
ـ افتح عينيك يا أبي وأستمع إلى ما أقوله عن سفرتي الأخيرة, في مدينة أصفهان التي يقولون عليها إنها (نصف جيهان) أي نصف العالم, هناك قصر بناه شاه قديم من خشب الورد, كان مليئا بالغرف والقاعات, وأهم ما فيه أنه جعل هناك فراغاً أجوف بين كل جدار وآخر, بحيث أصبح القصر كله أشبه بصندوق رنان, وكان الشاه يجلس مع زوجاته ومحظياته في إحدى الغرف بينما تجلس الفرقة الموسيقية للعزف في غرفة أخرى, وتنساب الموسيقى من خلال الجدران الجوفاء إلى كل مكان في القصر, وحتى بعد أن تتوقف الفرقة الموسيقية عن العزف يظل خشب الورد يشع بالموسيقى, إن تجاويف الجدران التي امتلأت بالموسيقى تجعلها تسري بنعومة ثم تخفت تدريجيا ولا تنتهي إلا بعد ساعات طويلة .
أفرح لأنني قد جذبته بعيدا عن بوابة الغياب, يفتح عينيه ويحدق في طويلا كأنه يحاول أن يحفظ آخر ما بقي من ملامحي ثم يقول :
ـ إنها روح الموسيقى, الأرواح هي التي تبقى ولا تتبدد, ألم أقل لك, دون الأرواح كان يمكن للعالم أن يكون على شاكلة قصـرك, غرف خالية وجدران جوفاء.
أتوسل إليه : بالله عليك يا أبي لا تكثر من الحديث عن الأرواح, فهذا يشعرني بالوحدة والخوف .
يقول وقد بدا الإرهاق في صوته :
ـ أنت الذي اخترت أن تكون وحيدا متفردا يا محمد.
ثم يبدأ المطر في الهطول, يشتد صوت الريح تعلن عن مقدمه, ثم تدق قطراته فوق السقف والأبواب الخشبية كأنها عشرات الأرواح المرتجفة تطلب الدخول, يغمض عينيه مرة أخرى وترتخي ملامحه ويبدو عليه الراحة, كان قد صارع الدنيا كثيرا وتلقى سهامها ببدن لا يعرف الكلل ونفس لم تذق المتعة, أصيح باسمه في رهبة وخشية فلا يرد علي,ّ, تزداد دقات المطر, وتدوي دقات أخرى على الباب, لابد أنها أمي وقد عادت, أو أختي وقد أحست بوجودي, عادتا في الوقت المناسب بعد أن استنفدت كل طاقتي في محاولة إبقائه متيقظا .
افتح الباب فلا أجد أيا منهما, يقف أمامي ثلاثة من الرجال, وجوههم غير حليقة, وعلى رءوسهم عمائم متسخة تتساقط منها قطرات الماء المتسخ, ويفوح منهم رائحة من العطن الخفي, أحدق في وجوههم ويحدقون في وجهي, كأن أحداً منا لم يكن يتوقع وجود الآخر في هذا المكان, يصيح أحدهم في وجهي : وحدوووه, فأتراجع مذعورا, أنظر عاجزا إلى أبي الراقد على الفراش خائفاً من أن يزعجه وجودهم, ولكنهم لا يبالون, يدخل أحدهم ويرفع المزلاج حتى يفتح الباب على مصراعيه, ويتقدم الثاني وهو يحمل طاولة خشبية بينما يحمل الثالث صندوق الموتى, يشعلون كل أضواء الصالة فيصبح المكان ساطعا ومثيرا للرعب, أتراجع حتى أجلس منهارا على أحد المقاعد, ويبدؤون هم في التحرك في كل مكان بلا شفقة ولامبالاة, يحضرون الماء والصابون والأواني والمناشف ومساحيق الأعشاب العطرية, يعملون بدقة كأنهم قد تدربوا على تأدية هذا المشهد في هذا المكان عشرات المرات, لا يرونني, لا يطلبون مني شيئا, ولا حتى التحرك من مكاني, يدخل أحدهم الغرفة ويحمل أبي من الفراش فينخلع قلبي, أكتشف أن جسده قد أعد نفسه لهذه اللحظة منذ زمن فنحف وشف وجفت منه مادة الحياة, أراه وهو يسجى فوق المنضدة الخشبية وهم ينزعون ثيابه فيبدو جسده شاحبا مائلا للزرقة, فمه مفتوح وفاغر كأنه مندهش مثلي من حضورهم المباغت, يعدل أحد الرجال من وضع يديه ويغلق فمه ويتأكد من إسدال جفنيه, ثم ترتفع أصواتهم فجأة بالأدعية وهم يرشون الماء على جسده :
( وتطهر يا عبدالله فإن الجنة لا يدخلها غير المطهرين, وقل لهم يا عبدالله إنك شربت شرابا طهورا وأكلت طعـاما طهورا وعشت عيشا طهورا وكان الإسلام دينك ومحمد نبيك والله الحي الواحد القيوم ربك الذي لا إله إلا هو ..).
تنساب قطرات الماء من على جسده الشاحب فتأخذ شيئا من شحوبه, وصوت المطر مازال متواصلا, ووجه أبي متجه إلى أعلى بحيث لا يراني, تخلى عني أخيرا, لم يعد يبالي بإكمال حديثنا الذي مازال ناقصا, مستسلم لتدفق الماء والصابون والأدعية المتواصلة كتواصل المطر :
( وأخبرهم يا عبدالله أنك قد أقمت الليل عابدا وقضيت النهار ساعيا وعشت العمر قانتا واستقبلت الموت راضيا, وسوف يكون مثواك الجنة مع العابدين والصديقين).
يخرجون الأثواب البيضاء ويبدأون في لفه بها, تفوح رائحة الشيح والزعفران التي ينثرونها بين طيات القماش, تتوقف الأدعية وتتحول كلماتهم إلى تعليمات موجزة, (أطو هذه), (خذ بالك من أطراف الأصابع), (ارخ قليلا), يبدأ في الاختفاء التدريجي عن ناظري وعن عالمي, عن كل الأشياء التي ربطتنا معا, يتحول إلى لفة بيضاء ضئيلة الحجم وغير واضحة المعالم, ينتمي إلى عالم لست فيه, يحملونه ويضعونه في الصندوق ثم يغطون كل شيء برداء أخضر, أنهض واقفا, لو أن المطر يتوقف قليلا لتكون رحلته سهلة, يحملونه على أكتافهم, لا يدعونني للمشاركة في حمله, ولكن أحدهم يلتفت إليّ, يحدق في وجهـي كأـنه يراني للمرة الأولى ثم يهتف بي:
ـ تشهد يا ولد.
أحدق في المرآة فأجد جسمي قد تضاءل وملامحي قد صغرت, ذهبت التجاعيد والبثور والشعيرات البيضاء فأهتف في حرقة من لا يقدر على استعادة ما ضاع :
ـ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله و إنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد المنسي قنديل

Sir Mohammad Yousry
02-25-2010, 04:18 AM
جزء من عصير الكتب
الخال يتحدث عن روايه محمد المنسي قنديل
يوم غائم في البر الغربي

<object width="425" height="344"><param name="movie" value="http://www.youtube.com/v/yKz696duvMI&hl=en_US&fs=1&"></param><param name="allowFullScreen" value="true"></param><param name="allowscriptaccess" value="always"></param><embed src="http://www.youtube.com/v/yKz696duvMI&hl=en_US&fs=1&" type="application/x-shockwave-flash" allowscriptaccess="always" allowfullscreen="true" width="425" height="344"></embed></object>

Sir Mohammad Yousry
03-01-2010, 07:46 PM
المنسي قنديل ومنصورة عز الدين

كما يحتضن معرض أبو ظبي للكتاب بالإمارات العربية المتحدة ندوة خاصة تضمّ المرشحين لنيل جائزة البوكر هذا العام؛ حيث تتضمن الندوة الروائي المصري الكبير الدكتور محمد المنسي قنديل، إضافة إلى الكاتبة الروائية منصورة عز الدين.

الندوة تقام الخميس 4 مارس في تمام الساعة الخامسة عصراً بتوقيت الإمارات العربية المتحدة (الثالثة ظهراً بتوقيت القاهرة)، وتضم إلى جانب المنسي قنديل وعز الدين كلاً من: الكاتب الأردني جمال ناجي، والكاتب الفلسطيني ربعي المدهون، والكاتب اللبناني ربيع جابر.

وكان الأديب الكبير محمد المنسي قنديل قد ترشّح للجائزة العالمية عن روايته "يوم غائم في البر الغربي"، بينما ترشّحت الأستاذة منصورة عز الدين عن روايتها "وراء الفردوس".

Sir Mohammad Yousry
03-07-2010, 07:55 PM
ال review للصديقه تسنيم فهيد
تفاصيل الشجن في وقائع الزمن (http://apps.facebook.com/good_reads/book/show/6216385)
غاص بي الكتاب في دهاليز الزمن .. و فتح لي الأقبية المتربة المهجورة و أضاءها لي بمصباحه القديم علّني أرى الأشباح التي حاولت الهرب من قهر السلاطين على مر السنين و قد تكومت فوق بعضها البعض في تلك الدهاليز الموحشة النتنة الرائحة..

كيف لم نتعلم , و كيف خضعنا قرون طويلة _ و ما زلنا نخضع_ لمثل هؤلاء الحكام و الولاة و السلاطنة و الأغات و الباشوات .. و هم في الأصل ليسوا إلا لصوص .. قاتلوا لإعتلاء العرش كي يستطيعوا أن يمصوا دماء الشعوب و يزيدون في فرض الضرائب و المكوس ,, و مازالوا حتى يومنا هذا يفعلون!! و نحن في صمتنا نستكين..!!

يستحق الكتاب 5 نجــوم و عن غير تردد و لكني و إن كنتُ منحته هذه النجوم ال 4 فقط فهي عن عيب بي لا به .. فأنا من ضاعت منها بعض الخيوط و التبس عليها أسماء السلاطين _ و ما أكثرهم_ و أوقعت الحقب الزمنية فلم أعرف هل سبق قلاوون السيد .. أم هل جاء قلاوون بعد الكامل..؟

ففصلني جهلي هذا عن صوت الرواي و أضاع علي الاستمتاع/ الاستوجاع بما يحكيه

يا الله.. كيف يداعب حلم الخلود على الأرض البشر حتى يومنـا هذا .. !!! ألم يكن لهم في لقمان بن عـاد المغرور ببقاء النسور عبرة و عظة.؟

أما رحلة الخراساني إلى الموت و كلمته الشهرية التي حيرت العلماء " استبقني لعدوك يا أميـر المؤمنين" فكان أدعى بها أن تكون نصب عيون من يسعـون للتقرب من الحكام .. ليعلموا أن لا شيء مأمون الجانب و أن لا أحد باقٍ على العهد.

يا الله .. كيف لأب أن يقتل ابنه من أجل المُلك و السلطان..؟

و كيف لأولاد السيد أن يتصارعوا على أرض و ملك و بلاد فيضيعوها بعد أن أفنى عمره في استرجاعها..؟

أما سقوط عكا و وقوع دمشق في يد التتار .. فأنا آمنت أن الله اتخذ من تيمورلنك و رجاله غضباً يسلطه في الأرض على من يشاء .. كما كان يردد تيمورلنك
و لا أظن أن أحدا غيرنـا نحن رعايا هؤلاء السلاطنة و الولاة الذين صمتنا على ظلمهم و مجونهم و أكلهم أموالنا سحتا بدعوى المكوس و الضرائب .. كان يستحق غضب الله أكثر منـا.

مثل هذا الكتاب تتمنى و أنت تقرؤه ألا ينتهي .. على أمل أن يظهر من بين السطور .. قصة نصر أو فارس حقيقي كـالسيد نتباهى به أمام باقي الفصول المذلة

انتهى الكتاب بنهاية مُريحة .. بعد صفحات مريرة من تصوير القهر و الصبر على الذل أمام الباشا و الامتثال لأوامره و السكوت عن مذابحه.. و الحيلولة لإخضاع البشر و المكان لهوى ابنته اللأميرة الخجولة على حد قوله.. يجيء الزمان و بالتحديد يوم 13 طوبة ليعلن أن لا أحد يستطيع مهما علا شأنه أن يُخضعه لهــواه.. و لا أن يسوقه و يسيسه وفق ما يريد.


لا فرق بين تركي أو مملوكي أو فرنسي أو انجليزي أو سلاجقي أو أغا أو أرنؤطي أو يهودي. فكلهم مهما اختلفت الأسماء .. متشابهين في الطباع و هدفهم واحد..

و كلهم يشبهون هذه الشعوب التي حكموها.. فالله لا يولّي على قوم ,, إلا من هو على شاكلتهم.

Sir Mohammad Yousry
06-27-2010, 02:35 AM
فريد أبو سعدة يكتب: عن الساحر أو المنسى قنديل

الأحد، 27 يونيو 2010 - 00:43
http://www.youm7.com/images/NewsPics/large/s2201027104242.jpg

محمد المنسى قنديل زهرة كتاب المحلة، وبهجة الزمن الجميل، التقيت به فى أوائل الستينات (فى سنة ثانية ثانوى) ومن يومها لم نفترق، هذا الفتى النحيف كان "ندِّى ونديمى"، قدمنى إلى صديق صباه الباكر جار النبى الحلو وأصبحنا معا نذاكر فى بيت جار، حيث نور الكهرباء الذى لم يكن دخل بيوتنا بعد، كان جار ولايزال مجنوناً بالكرة وكنا أنا والمنسى مجنونين بالشطرنج، وقتها كنت أكتب الشعر وكانا يكتبان القصص القصيرة ولم نلبث مع الالتصاق الدائم أن كتبت القصة إلى جانب الشعر وكتبا الشعر إلى جانب القصة واستمر هذا حتى سألنى جار ذات مرة: قل لى بجد هل أستمر فى كتابة الشعر؟ فقلت له بحسم: لا
كنت أنقل لهما ما تعلمته من الأوزان العروضية وكنا على سبيل الدعابة ننادى الجرسون بالنقر على طاولة المقهى نقرات تساوى الحركة والسكون فى تفعيلة من تفاعيل الخليل، أنا مثلا -0 -0 - - 0 (مستفعلن) وجار - - 0 – 0 (فعولن) وهكذا.

كان المقهى لوالد صيقنا يحيى بستان، عملنا بها مكتبة صغيرة، ومجلة حائط نكتب فيها أشعارنا وقصصنا، ثم نلعب الشطرنج ولا نكف عن الكلام.

كنا نقرأ الكتب نفسها ونشاهد معا مسرحيات الستينات، كنا نتحاور فى كل شىء، فى ما نكتب وفى ما نقرأ، بل وصرنا نكتب خطابات نسميها (خطابات منتصف الليل) نواصل فيها الحوار، ونقوِّى حججنا بهدوء، ونسلمها لبعضنا البعض فى اليوم التالى! وعندما ضاقت المحلة عن أحلامنا فى استيعاب اللحظة الثقافية، كنا نذهب إلى القاهرة، فعلنا ذلك لنرى مسرحية (ليلة مصرع جيفار)، وأخذنا نتحايل أنا والمنسى للذهاب إلى القاهرة، مرة بكرنيهات طلبة ليست لنا نركب بها القطار، ومرات بـ(التسطيح) على القطار لنرى مسرحية (الفتى مهران) و(سليمان الحلبى) ونقضى ما تبقى من الليل مع عم المنسى (المناضل العمالى) فى شقته بشبرا الخيمة.

كان المنسى مولعا بالمسرح وكنت مولعا بالفلسفة وعلم النفس، وكنا - بعد المذاكرة فى بيت جار- نتجول فى شوارع المحلة فى الليل، أحدثه عن قراءاتى ويحدثنى عن قراءاته.

كان ولعه بالمسرح مبكرا جدا ، يقول جار النبى (وكان زميله فى مدرسة الأقباط الأعدادية) ان المنسى كان يمسرح القصة المقررة ( زهرة من الجزائر) ويحولها إلى حوار، يقوم هو وجار وبعض التلاميذ بتمثيلها صباح كل يوم- فى الاذاعة المدرسية- قبل دخول طوابير المشاهدين إلى الفصول!

كما أنشأ (مجلتى) مع جار أيضا، ونشر فيها القصص التى كانوا يؤلفونها، ونقل إليها (بطريقة الشف) الرسوم والكاريكاتير من صباح الخير، كما زودها بالأخبار والقصص المصورة (الاستريبس) التى كان يرسمها بنفسه، أما التوزيع فكان مضموناً، فالمجلة كشكول يتكون من مجموع صفحات (الدبل باج) المنزوعة من كراريس التلامذة المساهمين فى المجلة! كان قارئاً نهماً، وبارعا فى الحصول على الكتب، فبالإضافة إلى تردده على مكتبة البلدية- العامرة وقتها - استطاع هذا الفتى النحيف أن يمتّن علاقاته بباعة الكتب فى المحلة: محمد ابو العلا وطلعت قنديل، وكان مثلى يؤجر الكتب بثمن زهيد إذا التزم بعدم فتح ملازمها، وبثمن اكبر إذا اضطر إلى فتحها!.

أطلعنى مرة على أحد كنوزه، فتح أمامى صندوقاً هائلاً ممتلئاً بمجلات روزاليوسف وصباح الخير و"كتابى"، ومنحنى الفرصة لقراءة القصص والروايات المسلسلة لإحسان عبد القدوس ومصطفى محمود وفتحى غانم وصبرى موسى و محمود السعدنى وغيرهم.

لا شك أن مدرسة روزاليوسف كانت المؤثر الأول فى كتابة المنسى قنديل، الرشاقة، وبساطة التركيب النحوى، والميل إلى الشياكة والشاعرية، وهى السمات التى ظلت تطبع أسلوبه ولغته منذ التقيته فى مقتبل الستينات وحتى الآن.

يكتب بخط أنثوى منمنم، وبجرأة يحسد عليها، بلا شطب أوتعديل إلا فى النادر، وكأنه إنما ينقل ماكتبه سلفا فى رأسه!
كان أكثرنا ولعا بالتجريب، ويطوع فى كتاباته ما يروق له من تقنيات الرواية الجديدة -آن ذاك- عند آلان روب جرييه ونتالى ساروت وفرانسواز ساجان وغيرهم.

كان ليبرالياً عندما كنا ميالين لليسار، وهو ما جعله بمنأى من غواية الواقعية الاشتراكية المقررة وقتها، والتى حدّت من تحليقنا جميعا، وإن بدرجات مختلفة، ظل وفيا لرؤيته الانسانية، منطلقا من عالمه الفقير، راغبا فى نقده وتجاوزه إلى أفق رحب ورحيم، دون الوقوع فى الصراخ أو المباشرة، أوالرضوخ للطقوس الأيديولوجية.

فى عام 1965ذهبنا إلى إلى نادى الأدب بقصرالثقافة، كان يرأسه أحمد عصر و يضم الجيل السابق علينا : رمضان جميل، سعيد الكفراوى، محمد صالح، أحمد الحوتى، نصر أبو زيد، جابر عصفور، بكر الحلو، محمد الشطوى، سعد السياجى
كانت نقلة هامة فى حياتنا ، كانت المناقشات امتحانا حقيقيا للتجربة، مجموعة من الصقور تتعاور النصوص، لكنها كانت فرصة للوعى بما ننجزه وما نطمح إليه ، وفرالنادى امكانية لقاء كتّاب من المنصورة ودمياط، ودعوة كتّاب وشعراء ونقاد من القاهرة، الأمرالذى جعلنا نتماس مع اللحظة الراهنة فى الكتابة خارجنا، بل وخارج المحلة.

خارج النادى نواصل التجمع - كمجموعة من الصقور- فى بيت سعيد الكفراوى ورمضان جميل ونصر أبو زيد، ومعظم الوقت فى حجرة جار النبى الشهيرة، التى كنا أنا والمنسى شهوداً على بنائها فوق السطح.

المنسى طاقة هائلة فى الكتابة، يجرب ويكتب فى كل شىء تاركا عالمه يتنفس تحت سموات مختلفة: القصة، والرواية، والسيناريو، والتاريخ، وأدب الطفل، وأدب الرحلات كتابته للتاريخ تشى بقراءة خاصة، واسعة وعميقة للتراث العربى، كتابة أعادت إلى الوقائع القديمة روحا جديدة، ونبضا هرب من صفرة الأوراق، واتاحت تأويل الشخصيات كسؤال وجودى مؤرق، مشروط بالزمان والمكان، فعل هذا فى كتبه البديعة "شخصيا ت حيّة من الأغانى" و"وقائع عربية" و "تفاصيل الشجن فى وقائع الزمن" والمنسى أول من كتب للأطفال فى المحلة، واتاح الامكانية للجيل التالى لسلوك نفس السبيل.

الغريب أن ولع المنسى بالمسرح لم يتأدى به إلى كتابة المسرح وإن ظل بتقنياته كامنا تحت كل مايكتبه ، كامنا فى باطن النصوص، يقودها، وينفّضها من الثرثرة، ويعكس عليها من حيويته الدرامية الدافقة.

كان لا يزال طالبا عندما حصلت قصته " أغنية المشرحة الخالية" على المركز الأول فى مسابقة نادى القصة عام 1969، فرحنا، وشعرنا بالفخر، وعلقنا صورته وهو يستلم الجائزة فى مقهى "اللوفر" المقهى الذى نجتمع فيه، علقها حمودة صاحب المقهى بنفسه ووزع المشروبات على الجميع مجانا.

وفى العام نفسه فازت مجموعة من كتّاب "نادى الأدب" بقصر ثقافة المحلة فى المسابقة التى نظمتها الثقافة الجماهيرية ، فاز المنسى بالجائزة عن قصته "سعفان مات" وفزت أنا بجائزة شعر الفصحى، وفاز نصر أبو زيد( المفكرالإسلامى الآن) بجائزة شعر العامية!

كان اعتداد المنسى بالكتابة هائلاً، مؤمنا بمصداقيتها إيمان الشيخ العارف، فهذا الشاب الفقيرعندما أدخله المجموع كلية المعلمين لم يرض بنصيبه، كان يعرف أن الخلاص من الفقر مرهون بالتخرج من كليات القمة، وقبل التحدى، أعاد السنة، وبالفعل دخل كلية الطب وصار طبيباً، أصبح المستقبل واعداً أمام الطبيب الشاب، ولكن ما أن عمل سنتين فى المنيا والقاهرة حتى فاجأ الجميع بترك المهنة والتفرغ للكتابة!
http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=246222&

Sir Mohammad Yousry
07-02-2010, 03:22 AM
الأديب الرائع د.محمد المنسي قنديل في مكتبة ألف فرع الزمالك 2 شارع طه حسين يوم الأحد القادم 4 يوليو في السابعة مساء بإذن الله في لقاء مفتوح مع قرائه يعقبه حفل توقيع لمؤلفاته المتميزة
:x:x:x:x:x:x:x:x:x
انا راااااااااااااااااااااااااااااااايح :?:?
عقبال ما تحصل مع الخال ربنا يشفيه ويقومه بالسلامه يا رب:ff:

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 02:46 AM
http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc4/hs045.snc4/34597_405343764122_621029122_4458629_1850638_n.jpg

يا ابو يسري يا جااااااااااااااامد
و لسه بقية الصور و التوقيعات بكره او بعده بالكتير ان شاء الله
و فيدو لجزء من الندوه و نصها
:-)
:c010:

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 07:15 PM
http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc4/hs071.snc4/34915_405580124122_621029122_4465444_6677590_n.jpg

:x:x:x:x:x
محمد المنسي قنديل و العبد لله :ff::ff::ff:

Sheryne Meteb ツ
07-05-2010, 09:02 PM
يا سلام يا ولاد العلام حلو والله
بس شبهك ازاى سبحان الله
يخلق من الشبة
70
بس انت لما عملت التوبيك دة مش قولتلى ادخل اشوفو لية مش عايزنى ابقى مسقفة
سيناريو



* فيلم أيس كريم في جليم

Lelouch
07-05-2010, 09:07 PM
انا افتكرته والدك علي الفيس
يا ريت توضح بقي

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 09:07 PM
يا سلام يا ولاد العلام حلو والله
بس شبهك ازاى سبحان الله
يخلق من الشبة
70
بس انت لما عملت التوبيك دة مش قولتلى ادخل اشوفو لية مش عايزنى ابقى مسقفة
سيناريو



* فيلم أيس كريم في جليم


:b020::b020::b020:
لا يا حاجه التوبيك بينش اساسا و محدش بيدخله غيري باين
بس الواحد بيعمل واجبه عشان الناس تعرف الراجل ده
لانه يستاهل و مش واخد حقه اعلاميا

Princess Dedy
07-05-2010, 09:08 PM
انا برضه افتكرته باباه :-P

مفيش لينكات لتحميل اى حاجه ليه لسه هروح اشترى بقى :sad2:

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 09:09 PM
انا افتكرته والدك علي الفيس
يا ريت توضح بقي
يعني لو مكونتش بكتب تحت الصور وصف الصوره كان حصل ايه عالفيس :evil::lol:
علي الطلاج مكتوب تحتها محمد المنسي قنديل و انا
:D

Sheryne Meteb ツ
07-05-2010, 09:12 PM
before & after


http://www.youm7.com/images/NewsPics/large/s2201027104242.jpg

بس مالة كان منزل شعرة على عينو كدة
http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc4/hs071.snc4/34915_405580124122_621029122_4465444_6677590_n.jpg

بس صبغ هنا و كلف ;)

Lelouch
07-05-2010, 09:15 PM
انا افتكرته والدك علي الفيس
يا ريت توضح بقي
يعني لو مكونتش بكتب تحت الصور وصف الصوره كان حصل ايه عالفيس :evil::lol:
علي الطلاج مكتوب تحتها محمد المنسي قنديل و انا
:D

معلش يبني
انا فاصل وزهقان
انا دماغي راحت انك هتكتب كتابك ولا حاجة

BryanAdams
07-05-2010, 09:15 PM
مين اللى قاعد جنب محمد بسرى ده؟؟؟

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 09:20 PM
before & after


http://www.youm7.com/images/NewsPics/large/s2201027104242.jpg

بس مالة كان منزل شعرة على عينو كدة
http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc4/hs071.snc4/34915_405580124122_621029122_4465444_6677590_n.jpg

بس صبغ هنا و كلف ;)
اللي فوق الاصفر ده فريد ابو سعده اللي كان كاتب المقال عن الاستاذ

Lelouch
07-05-2010, 09:24 PM
مين اللى قاعد جنب محمد بسرى ده؟؟؟

الحاج يسري

Lelouch
07-05-2010, 09:26 PM
انتشنا بكتب علي ذوقك ولينكات
زهقاااااااااان

BryanAdams
07-05-2010, 09:27 PM
مش ده المنسى؟

Sheryne Meteb ツ
07-05-2010, 09:33 PM
اللي فوق الاصفر ده فريد ابو سعده اللي كان كاتب المقال عن الاستاذ
هى الناس كلها بقت شبة بعض لية و انت شبة المنيسى
:b020:

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 09:42 PM
انا برضه افتكرته باباه :-P

مفيش لينكات لتحميل اى حاجه ليه لسه هروح اشترى بقى :sad2:
بصي يا حاجه
الحاجات المتوافره ليه في السوق زي انكسار الروح الرائعه الحزينه و زي قمر علي سمرقند ( نسخة الهلال المبتوره بمقص الرقابه السياسيه )
و زي يوم غائم في البر الغربي و زي وقائع عربيه و تفاصيل الشجن في وقائع الزمن مش متوافره عالنت دلوقتي
ممكن اشوفها عند حد من معرفي علي اخر الليل
المتوافر دلوقتي الاتي

احتضار قط عجوز (http://www.mediafire.com/?zknvzuzxm2t)

شخصيات حية من الأغانى (http://www.mediafire.com/?ixm2onz21zx)

محمد المنسى قنديل..آدم من طين..وقصص اخرى (http://www.mediafire.com/?zhroohlhmmc)

عظماء فى طفولتهم (http://www.mediafire.com/?mfzdzj1jz3m)

مكان للمحبة (http://forum.el-ahly.com/showpost.php?p=1222029&postcount=56)
و هي قصة من مجموعة عشاء برفقة عائشه كنت نقلتها قبل كده :???::???::???:

انا افتكرته والدك علي الفيس
يا ريت توضح بقي
يعني لو مكونتش بكتب تحت الصور وصف الصوره كان حصل ايه عالفيس :evil::lol:
علي الطلاج مكتوب تحتها محمد المنسي قنديل و انا
:D

معلش يبني
انا فاصل وزهقان
انا دماغي راحت انك هتكتب كتابك ولا حاجة
:b020::b020::b020:
يا رب يا اخويا يا رب

مين اللى قاعد جنب محمد بسرى ده؟؟؟
:lol::lol::lol::lol::c010:
يا فرحتك بيا يا امه

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 09:43 PM
مين اللى قاعد جنب محمد بسرى ده؟؟؟

الحاج يسري
بطل اشاعات حتبوظ التوبيك اشاعات :twisted:

انتشنا بكتب علي ذوقك ولينكات
زهقاااااااااان
راجع البوست السابق :c010:

مش ده المنسى؟
:b020::b020::b020:
و انا عامله نفسي نايمه :-P


اللي فوق الاصفر ده فريد ابو سعده اللي كان كاتب المقال عن الاستاذ
هى الناس كلها بقت شبة بعض لية و انت شبة المنيسى
:b020:
مساء التهييس
خشي نامي يا شيرين

Sheryne Meteb ツ
07-05-2010, 09:45 PM
مساء التهييس
خشي نامي يا شيرين
انام اية انا صاحية من 3 ساعات :b020:

Sir Mohammad Yousry
07-05-2010, 09:48 PM
مساء التهييس
خشي نامي يا شيرين
انام اية انا صاحية من 3 ساعات :b020:
يبقي بطلي تهييس و اشربي سيجاره و حتبقي زي الفل :-P

BryanAdams
07-05-2010, 09:52 PM
اللي فوق الاصفر ده فريد ابو سعده اللي كان كاتب المقال عن الاستاذ
هى الناس كلها بقت شبة بعض لية و انت شبة المنيسى
:b020:

و شفت ديك كان شايل فيل... و شفت نمله ديلها طويل
وقابلنى قطر يا عم البيه .... غصب عنى انا دوست عليه
و الله و أشتغلت
:ff::ff::ff:

Sheryne Meteb ツ
07-05-2010, 10:31 PM
اللي فوق الاصفر ده فريد ابو سعده اللي كان كاتب المقال عن الاستاذ
هى الناس كلها بقت شبة بعض لية و انت شبة المنيسى
:b020:

و شفت ديك كان شايل فيل... و شفت نمله ديلها طويل
وقابلنى قطر يا عم البيه .... غصب عنى انا دوست عليه
و الله و أشتغلت
:ff::ff::ff:
:b020::b020::b020::b020::b020:
انا شفت نموسة بتجر جاموسة من تحت الباب

BryanAdams
07-05-2010, 10:47 PM
اللي فوق الاصفر ده فريد ابو سعده اللي كان كاتب المقال عن الاستاذ
هى الناس كلها بقت شبة بعض لية و انت شبة المنيسى
:b020:

و شفت ديك كان شايل فيل... و شفت نمله ديلها طويل
وقابلنى قطر يا عم البيه .... غصب عنى انا دوست عليه
و الله و أشتغلت
:ff::ff::ff:
:b020::b020::b020::b020::b020:
انا شفت نموسة بتجر جاموسة من تحت الباب
ويانى يانى يانى .... من الحجر الاولانى
ويانى يانى يانى .... ولعت الحجر التانى
:ff::ff::ff:

Sheryne Meteb ツ
07-05-2010, 10:57 PM
اللي فوق الاصفر ده فريد ابو سعده اللي كان كاتب المقال عن الاستاذ
هى الناس كلها بقت شبة بعض لية و انت شبة المنيسى
:b020:

و شفت ديك كان شايل فيل... و شفت نمله ديلها طويل
وقابلنى قطر يا عم البيه .... غصب عنى انا دوست عليه
و الله و أشتغلت
:ff::ff::ff:
:b020::b020::b020::b020::b020:
انا شفت نموسة بتجر جاموسة من تحت الباب
ويانى يانى يانى .... من الحجر الاولانى
ويانى يانى يانى .... ولعت الحجر التانى
:ff::ff::ff:
اوعو تقولو دماغى مش فيا .... دى الوراق جنب المنوفيه
واروح ادور .... اروح ادور .... اروح ادور .... على نفسى
ويانى يانى يانى .... مش هعمل كده تانى
:?

Sir Mohammad Yousry
07-06-2010, 01:31 AM
احيه عالتوبيك
حييجي استاذ ماجد يحطه في الفكاهه كمان شويه :evil:

Sir Mohammad Yousry
07-06-2010, 04:09 PM
http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc4/hs117.snc4/36224_405880054122_621029122_4473209_3890880_n.jpg

http://sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-snc4/hs019.snc4/34318_410276341975_695376975_5115146_5059363_n.jpg

Sir Mohammad Yousry
07-09-2010, 04:09 AM
المنسي قنديل: أشهر رواياتي سببها مقبرة .. والنكسة علمتني


محيط – سميرة سليمان

http://moheet.com/image/70/225-300/703797.jpg
المنسي قنديل

القاهرة : استضافت مكتبة "ألف" بالزمالك الكاتب المصري الكبير "المنسي قنديل" والذي كادت روايته "يوم غائم في البر الغربي" أن تفوز بجائزة البوكر العربية لهذا العام، وروى قنديل خلال الأمسية سيرة حياته منذ أن قرر ترك ممارسة الطب والتفرغ للكتابة وكذلك حينما قرر الرحيل للكويت، وقال خلال الأمسية أن مصر لم تعرف غير حكام مستبدين وأن تراث العرب منقوص وأن الإنترنت لا ينبغي منع تداول المعرفة عليه بدعاوى الملكية الفكرية.
سؤل قنديل عن رأيه في نشر الأعمال الإبداعية للأدباء العرب على الإنترنت والذي يحدث عادة دون النظر لحقوق الملكية الفكرية، ورأى أن المواطن العربي يصارع من أجل البقاء ومن أجل الحصول على المعرفة ولذلك لا يشغله كثيرا تلك الدعاوى التي تجرم هذا العمل؛ فالإنترنت أعاد الثقة مرة أخرى إلى الكلمة المكتوبة فأصبحنا نمتلك كتبا لم نحلم يوما باقتنائها منها كتب التراث العربي، وكذلك العالمي ومنها موسوعة "قصة الحضارة" لـ ويل ديورانت.
ويشيد قنديل بتجربة الهند في إعادة طبع روائع كتب العالم بأسعار زهيدة جدا، وهو ما تفعله هذه الدولة أيضا مع الأدوية غالية السعر، وهكذا برأيه ينبغي أن تنهج التي تعيش بها شعوب فقيرة.
وعن سفره لنحو 12 بلدا في آسيا و أفريقيا وأوروبا، رأى قنديل أنها كانت تجربة غنية ساعدته في التعرف إلى البشر عن قرب، وأن يرى أماكن كثيرة متناقضة ففي العام الذي زار فيه الفاتيكان والكاتدرائية الكبيرة في روما، ذهب إلى إيران في مشهد الإمام الرضا!، وتجربة السفر أكدت له أن المصريين بعيدون كثيرا عن إيقاع العالم من حولهم وينقصهم الكثير للإندماج فيه.
هارب من التجنيد

http://moheet.com/image/70/225-300/703796.jpg
جانب من الأمسية

وصف قنديل نفسه بأنه "كاتب مقل وكسول إلى حد مزعج"، بل ويفقد رغبته في الكتابة كثيرا، وهو الأمر الذي يحاول التغلب عليه عبر التنوع في الكتابات فهو مرة يكتب للطفل، ثم يعود للرواية، ثم يكتب في التاريخ أو السينما.
ولكنه يرى أن الإبداع يجلب مزيدا منه وهكذا الكتابة أيضا ؛ فالكتابة ليست قرينة الراحة أو الرفاهية أو الحياة المنظمة، ولذلك كانت حياته حسبما يرى في الكويت قاتلة لإبداعه، شعر خلالها أنه " هارب من التجنيد" لأنه يعيش مرفها في حين أن أبناء بلده في مصر يعيشون حياة مليئة بالصعوبات، متابعا: " كنت أشعر دائما أنني هارب من وطأة الحياة اليومية في مصر التي تحفز النفس وتدفعها للكتابة، وأرى أن إنتاجي كان سيتزايد الضعف إذا كنت في مصر التي بها روح التحدي والمواجهة والتجدد والصراع على البقاء".
تحدث الكاتب الكبير عن نشأته في مدينة المحلة الكبرى التي وصفها بأنها مدينة عمالية مضطربة، كانت ولا تزال تعج بالمظاهرات والشغب والعنف الأمني المقابل، وهذا الجو المشحون أنتج جيلا ساخطا على الأوضاع.
ثم يتذكر مرحلة التحاقه بكلية الطب جامعة المنصورة ، وهي الفترة التي يراها جميلة عرف فيها الحب الأول، وانتقل بعدها إلى محافظة المنيا شاغلا عدة وظائف حتى قرر أن يترك الطب ويتفرغ للكتابة، ثم سافر بعدها إلى الكويت والتحق بمجلة "العربي" لفترة طويلة استسلم فيها للكسل، وأخيرا هو الآن يعيش مع نجله في كندا، قائلا أنه بصدد إصدار رواية جديدة يحكي عبرها تجربته كطبيب في الأرياف.
المصريون والمقبرة

http://moheet.com/image/fileimages/2010/file391458/1_75_1833_4.jpg



تطرق الحوار إلى رواية قنديل الأخيرة "يوم غائم في البر الغربي" التي رشحت لجائزة البوكر وعنها يقول: فكرة الرواية عموما لدي تبدأ غامضة غير مكتملة، وأحيانا تكون في ذهني البدايات والنهايات فحسب، وهو ما جرى في أول رواياتي "انكسار الروح" التي ظللت أعدل فيها حتى اكتملت، وكذا الحال حينما كتبت "يوم غائم" التي بدأت بخبر اكتشاف مقبرة "توت عنخ آمون" الذي لفت أنظار العالم لحياة مصر القديمة وطرازها الخاص في الفن والحياة.
بدأ العلماء يبحثون في تاريخ مصر وحضارتها منذ ذلك الكشف، وعلى المستوى القومي ساهم اكتشاف المقبرة في أن يكتشف المصريون أنفسهم حضارتهم ، وروى قنديل واقعة حقيقية حدثت لم يذكرها في الرواية حين اختلف مكتشف مقبرة توت عنخ آمون هوارد كارتر مع الحكومة المصرية، وقال أنه لن يفتح المقبرة حينها تظاهر المصريين وثاروا وهددوا بفتحها عنوة، لإحساسهم بالانتماء العضوي إليها، وحينما حاول الكتابة عن ذلك توالدت التساؤلات داخله عن الهوية وأحوال المصريين في القرن التاسع عشر وما بعده.
فقبل القرن التاسع عشر كان المصريون مجرد أرقام مهملة يموتون بالآلاف لا يشعر بهم أحد ، وبعدها بدأت مرحلة استعادة الوعي التي نحن بحاجة إليها الآن، لأننا عدنا أرقاما مهملة من جديد، نموت في حوادث القطارات والعبارات، وتتساقط علينا الصخور، تحترق الأشياء الهامة حولنا وكأننا نعيش في "الأرض المحروقة"، كما أصبحنا نهرب من هوياتنا التي يسعى الغير لانتزاعها منا!
ولذا فرواية "يوم غائم" - يواصل قنديل- تطالب بضرورة استعادة وجودنا ، والبطلان الرئيسيان فيها ؛ عائشة ومكتشف المقبرة الإنجليزي هوارد كارتر يقومان بذلك، وكان من الضروري التحدث عن توت عنخ آمون وربطه باخناتون الذي مثّل أعظم فترة روحية في الحضارة المصرية القديمة، وهو من أعطى الدعم الروحي لمصر لتتقبل سائر الديانات، وأصبحنا شعب يغلب عليه طابع التدين لأننا وصلنا بفكرنا إلى جوهر العلاقة التي تربط بين المخلوق والخالق.
قوة التاريخ

http://moheet.com/image/70/225-300/700277.jpg
حرب الأيام الستة - نكسة يونيو

تطرق الحديث خلال الأمسية لعلاقة الأدب بالتاريخ، وفي رأي قنديل فإن الأدب يؤرخ بشكل أكثر صدقا من التاريخ نفسه؛ فالأديب يعيد صياغة التاريخ وفقا لرؤيته نافيا فكرة قدسية التاريخ. وقد لجأ للإبحار في التاريخ بعد هزيمة 67 التي كانت قاسية ومروعة على جيل بأكمله، قائلا: كنا جيل الأحلام العظيمة والقومية العربية وفي لحظات تبدد الحلم، ووجدنا أنفسنا نعيش في أكذوبة، حاولت أن أعثر بالتاريخ على جذوري الحقيقية لأوجه الدعاوى القائلة أننا مجرد هنود حمر وسوف نباد من على هذه الأرض يوما ما بفعل قوة ضئيلة اسمها إسرائيل، ومن هنا فالتاريخ سلاح هام بمعركتنا.
أما التراث العربي فيرى أننا لم نكتشفه بعض، فهو يضم جانبا فلسفيا لم نسبر أغواره بعد، وبه أيضا جانب علمي لم نستفد منه، بالإضافة إلى أنه تراث ناقص ومشوه إلى حد كبير، لأن الحرية بالنسبة للمواطن العربي لم تكتمل وطوال تاريخه يعاني من الحكام الطغاة، والمستبدين الذين يحسبون أنفسهم ظل الله على الأرض، وبالتالي فتراثنا مكبل بالاستبداد، كما أنه تراث محاصر ومغدور به أول بأول.
وحول كيفية الخلاص من الأزمات العربية الراهنة يرى صاحب "انكسار الروح" أن حلم واحد كبير يجمعنا قادر على أن يجدد الأمل بداخلنا من جديد، ومشكلتنا تكمن في أن حكام مصر أقل من قدرها بكثير ولذلك يخرجون أسوأ ما فينا، متذكرا حقبة الرئيس عبد الناصر التي أثبتت له أن الرضا والخنوع كان نابعا من أساليب بوليسية مورست بحق المصريين.
مضيفا: يكفي أن ننظر للشباب اليوم لنزداد أملا؛ فهم مثقفون واعون ويبدعون كتابات جيدة لا تخنقها المحظورات التي كانت تقيدنا في السابق، وكأن مصر تجدد جلدها من جديد.

http://moheet.com/image/70/225-300/703797.jpg
المنسي قنديل

حديث في الأدب
سؤل قنديل عن علاقته بالمسرح فقال أنه كان مولعا به بصغره وكتب له، لكنه اكتشف أنه فن صعب له ضوابطه الصارمة كأن تدور أحداثه في مكان واحد والاعتماد على الحوار وغيره من التقنيات التي تحتاج إلى كتّاب مهرة، وفن المسرح برأيه اختفى من العالم كله الآن بينما تعد الرواية منفذا للهروب من كل هذه القيود.
فالعالم الآن أصبح مركبا جدا وخليط من الحب والسياسة والاقتصاد والاجتماع ومن ثم الرواية هي الفن الأنسب للتعبير عن عصرنا الحالي، في حين ان المسرح يصلح لتتبع خيط واحد فقط.
أما السينما فيرى أنها ابتعدت كثيرا عن الأدب وأصبحت تعتمد على النسخ المشوهة من الأفلام الأجنبية، بالإضافة إلى طغيان الطابع التجاري عليها.
الكتابة للطفل تحدث عنها قنديل قائلا: هي محاولة لإحداث التوازن المفقود في حياتنا التي يضغط عليها صراع دائم نعيشه في حياة الكبار، وكأني أهرب إلى عالم الأطفال الساحر، وقد بدأت كتابتي للأطفال بعد إنجاب طفلتي "مريم" التي كنت أروي لها يوميا حكاية جديدة قبل النوم ولذلك رغبت في تسجيلها في كتاب.
وأخيرا دار حديث حول روايته التي لم تنل جائزة البوكر رغم اقترابها منها، حتى شكك كثيرون في نزاهة لجنة تحكيمها، وعن ذلك يقول قنديل: حين جئت إلى مصر ووجدت أن الرواية لها صدى كبير في نفوس قرائي، شعرت أن حزني تبدد لخسارتي البوكر التي أرى أن حدث بها خلل كبير بعد انسحاب شيرين أبو النجا من لجنة التحكيم الذي أعلن رئيسها طالب الرفاعي بعد إعلان الفائز بها أنها كانت محاولة لإلقاء الضوء على الأدب الخليجي لأن الأدب المصري كما يقول ليس في حاجة إلى أضواء!

barby
07-09-2010, 12:19 PM
انا مقريتش حاجة ليه قبل كده لكن حاسة انه اوفرريتيد

Sir Mohammad Yousry
07-09-2010, 07:06 PM
انا مقريتش حاجة ليه قبل كده لكن حاسة انه اوفرريتيد
خالص علي فكره
بل بالعكس
هو مش واخد حقه لا اعلاميا و لا جوائز
اعتقد كمان ان المهم الكيف مش الانتشار
لو عاوزه تدخلي عالم المنسي صح يبقي قمر علي سمرقند
و لو لقيتيها طبعة ميريت يبقي فل لانها مقصوصه في الهلال لكن رغم القص تبقي ابداع

Sir Mohammad Yousry
12-30-2010, 11:58 PM
لحظات من الزمن العربي
عرب ما بعد السقوط
نحن جميعا عرب ما بعد السقوط. منذ أن تهاوت آخر معاقلنا في غرناطة وفي كل يوم تنفتح في جلودنا ثغرة جديدة. تسقط مدننا من الداخ قبل أن تنطلق المدافع. وقبل أن يفكر العدو في أقتحامها. كنا نأخذ الجزية فأصبحنا ندفعها. وكنا نشحذ السيوف فتركناها صدئة على الجدران. وكنا نملك ناصية الخيل فهبطنا نسوسها. استباح الجميع أسوارنا فأصبحنا نعيش في مدن آيلة للسقوط.
سمع محمد بن الغافل الأذان وهو يجتاز الأسوار، يسري في هداة الليل مختلطا بتأوهات الطيور. فيه شيء من الانكسار. الأسوار ترتعش ، والمدافع متأهبة. ورغم ذلك لم ير أحد الباب الصغير وهو يفتح وآخر ملوك غرناطة يخرج منه. كان ابن الغافل - عين عيون الملك - هو الذي يعرف سر وجود هذا الباب هو الذي يحمل حلقة مفاتيحه الصدئة.
كان الباب صغيراً حتى أن الملك وحاشيته اضطروا للترجل ومروا أولا ثم مرت الجياد خلفهم وعلى مدى الأفق كانت جيوش " قشتالة" التي حاصرت المدينة طويلا كتلة من الظلام الرمادي. كانوا معهم على نفس الأرض دون أسوار. توقف الملك أبو محمد الصغير وتوقف خلفه أمه وزوجته وهما تتبادلان نظرات الكراهية كأنما لم يكفهما ما حدث. التفت الملك إلى المدينة التي تخلى عنها وبدأ يبكي. كان نشيجه هو الصوت الوحيد الذي يخدش صمت الفجر المهيب. وقالت الأم في صوت حانق:
- ابك كالنساء، على ملك لم تصنه كالرجال.
وأحس أبن الغافل فجأة أنه يجب ألا أن يتبع هذا الملك. كانت المفاتيح في يده والمدينة خلف ظهره، ومهما فعلت بها المدافع الإيطالية فلن يتبع هذا الملك. ملك مهزوم، قاد المدينة إلى الموت ولم يكف عن البكاء عليها. استدار ابن الغافل بجواده. لم يلتفت خلفه، ولم يعرف إن كانوا قد فطنوا إلى تراجعه أم لا.
لم يعترض الباب الضيق على عودته ، واستقبلته غرناطة بنفس الصمت المرتجف. ترجل من على جواده ونزع خوذته وألقى سيفه. محا من على جسده كل شارات الملك السابقة ، وداعا يا بني الأحمر، هذه أيام الإسبان، ملوك قشتالة بسيوفهم وصلبانهم ، لن يفعل شيئا، كل ما في الأمر أنه لن يغادر غرناطة أبداً، ولن يوقن بشيء بعد اليوم.
الناس يخرجون من صلاة الفجر منكسي الرءوس، والقناديل داخل المساجد تشع مثل شموس صغيرة مختبئة. فكر أن يدخل ويؤدي هذه الصلاة الأخيرة يودع بها كل الأيام الماضية ولكنه لم يجرؤ على مواجهة القبلة والمحراب ونظرات الشيخ الزبيري. لم يكن أمامه إلا أن يذهب إلى منزله ويجلس منزويا في أحد الأركان حتى يتقرر مصيره في ضوء النهار.
وجاء الصباح يعري لحم المدينة الخانقة. فتحت غرناطة أبوابها ولم يكن أمامها إلا أن تفتحها. انهارت الأسوار التي صمدت على مدى 22 شهراً تحملت فيها الحصار والجوع ودوي المدافع. كانت المدافع الإيطالية الضخمة من طراز " لومباردو" قد جاءت عبر عشرات الطرق والجسور والموانع الجبلية. قادها المرتزقة من فرنسا وألمانيا وإسبانيا، وقام بتمويل رحلتها كل يهود أوربا. كانت غرناطة تبدو كأنها لن تسقط أبداً. تدفق إليها عشرات الآلاف من سكان الأندلس يحاولون إنقاذ آخر المدن من السقوط والتمسك بآخر أهداب الحلم، ولكن الحلم الأندلسي تحول إلى كابوس. عجزت مدافع المدينة التي جاءت من دمشق عن رد المهاجمين، كانت واسعة الفوهات، تتقيأ البارود أكثر مما تقذف به. كانت معركة غرناطة محسومة مهما طالت المدة، فقد تساقطت كل المدن الأخرى وكفت جيوش المغرب عن عبور "العدوة" وأصاب الصمم آذان مماليك مصر. وبدت غرناطة بعيدة كأنها لم تكن.
أصدرت مفاصل أبواب غرناطة وهي تفتح صوتا كالأنين، واندفع جنود قشتالة مثل الجراد. اقتحموا المدينة بدروعهم البراقة وأعلامهم الملونة ورائحتهم الثقيلة التي تشبه العطن. ثم اندفع القساوسة يرفعون الصلبان ويرددون الصلوات. ثم أقبلت الملكة إيزابيلا وبجوارها الملك فرناندو. كانت نحيفة وطويلة وشاحبة. عيناها لا تكفان عن الدوران في محجريهما، تحاولان تقدير قيمة الغنيمة التي حصلت عليها، والملك بجانبها ينؤ تحت ثقل الدروع التي يرتديها. أسد حبيس لن يرتاح حتى يفلت منها ويهدم المدينة على رءوس أهلها. التراتيل تعلو وشوارع المدينة خالية من سكانها. أغلقوا الأبواب وحاولوا ألا يروا وألا يسمعوا كأنهم ينفون عن أنفسهم وصمة السقوط. وصل الملك والملكة إلى قصر الحمراء. كان خاليا، فيه بهاء حزين. مازال يحمل شعار بني الأحمر الذين فروا هاربين "ولاغالب إلا الله..". كان القصر مغلوبا على أمره، وحمل القساوسة صليبا كبيراً من الفضة وصعدوا به إلى أعلى وثبتوه في مقدمة القصر حتى يراه أهل المدينة أجمعون، ويعلموا أن آخر الاحلام الأندلسية قد ماتت.
في حضرة الكاردينال
اقتحموا بيت ابن الغافل مع اقتحام المدينة. كان متأهبا، خبأ كل شيء ولم يعد هناك ما يدل على هويته. التف الجنود حوله وحاصروه برماحهم. وجوه غاضبة ولحى حمراء تتوهج وسط العتمة. كانت أسنة الرماح على وشك أن تنغرس في لحمه. تقدم أحد القساوسة وحدق فيه باشمئزاز قائلاً:
- أنت مسلم نتن.. أليس كذلك..؟
قال ابن الغافل: أجل، ولكن جدي الأول كان مسيحيا طيبا، ولابد أن جدي الثاني كان كذلك، ولا أعرف شيئا عن جدي الثالث.
انفرجت أسارير الراهب عن ابتسامة متشككة وقال:
فماذا أنت في أعماق قلبك؟
قال ابن الغافل: إنني لا أؤمن بشيء، ولكن ربما استيقظت داخلي خلايا الإيمان التي ورثتها عن أجدادي.
ظل القس ينظر إليه غير مصدق، ثم أشار له أن يتبعهم فتبعهم. ضوء الشمس قوي والهواء راكد والمدينة عفنة كأن بيوتها قد امتلأت بالقتلى. كان هناك من هم مثله، يتبعون الجند والقساوسة. لا بد أنهم رددوا نفس الكلمات وكذبوا ذات الكذبة. ساروا إلى ساحة المسجد الكبير وابن الغافل منكس الرأس، لايريد أن يتعرف على أحد ولا يريد لأحد أن يتعرف عليه. أوقفهم القس صفا واحداً وهو يهتف بهم:
- سوف تنتظرون قدوم نيافة الكاردينال "خمينث".
رفع ابن الغافل رأسه فرأى معاول الهدم وهى تهوي على مئذنة المسجد، ورأى عمالا آخرين يشدون حبلا يرفعون به جرساً ثقيلاً فوق قبة المسجد، وآخرين يواصلون محو الآيات المحفورة على الملاط. ثم خيم صمت مفاجئ، وخرج من باب المسجد قس آخر، بالغ الطول والنحافة يمتاز عن بقية القساوسة بعباءته الحمراء في لون الدم. سار ببطء يتبعه رتل من الرهبان. فكر ابن الغافل، لاشك أن هذا هو الكاردينال. نظراته ثاقبة كالصقر يسلطها عليهم يبحث في داخلهم عن ذلك المسيحي القديم أو المسلم المرتد.
أشار الكاردينال فاندفعت من داخل المسجد مجموعة من الجنود يحملون أكواماً من الصحاف، ذخيرة مكتبة المسجد الكبير، نسخ القرآن والأحاديث والفقه والسير. ألقوا بها على الأرض وظلوا يوالون إخراجها من المسجد حتى صنعوا منها كومة عالية، ثم تقدم الكاردينال بنفسه وتناول شعلة من أحد الجنود وأضرم النيران في الكومة. ارتجف ابن الغافل. تلوت الأوراق وتصاعدت رائحة المداد المختلطة بالزعفران وخشب الصندل. تذكر آخر صلاة للجمعة، والمصلين بملابسهم البيضاء، والصحاف مفرودة أمامهم، وهم يتمتمون بالآيات في همس خافت فيتكون من جماع هذا الهمس ما يشبه حفيف أجنحة الطيور وهى تنطلق للسموات البعيدة. ألسنة اللهب تزداد اتقاداً والدخان تحرق خلاياهم والسناج يسود وجوههم، وهم جميعاً واقفون عاجزين عن الحركة، والكاردينال يحدق فيهم أكثر مما يحدق في النار التي تبدو كأنها لن تخمد أبداً.
وأخيراً، بعد أن تحول كل شيءإلى سناج التفت الكاردينال إليهم. كانت النار قد عمدتهم وطمس السناج ملامحهم القديمة وقال:
- ستنقلون من بيوتكم القديمة إلى بيوت أفضل، بعيداً عن أحياء المسلمين القذرة. سوف نساعدكم حتى تكونوا مسيحيين طيبين.
ثم توقف أمام ابن الغافل، كأنه يحفظ ملامحه، ثم قال له في اهتمام:
- ماذا كنت تعمل من قبل؟.
كأن الكاردينال كان ينفذ داخل طويته. لم يقدر على الكذب، قال:
- كنت عين عيون الملك.
اتسعت ابتسامة الكاردينال:
- سوف أتذكر هذا بالتأكيد.
ورفع الصليب الفضي الذي كان يحمله في يده، وقربه من وجه ابن الغافل الذي أرخى عينيه حتى لا يقابل نظرات الكاردينال، ثم مد شفتيه ولمس الصليب البارد.
راكب الأسد
قال له الكاردينال:
- آن لك أن تتزوج يا ألفونس. زواجك من إسبانية نبيلة سوف يحميك من خطر الردة.
ووضع يده على رأسه يباركه فارتجف ابن الغافل. هذا هو اسمه الجديد. ومع ذلك فإن العالم مليء بالحمقى الذين لم يغيروا أسماءهم ولم يكفوا عن التمرد. صودرت بيوتهم ونقلوا إلى الأحياء الفقيرة وخطفت أولادهم ليتحولوا إلى شمامسة، وانتزعت الارض التي يملكونها والثروة التي يتاجرون فيها، ومع ذلك ظلوا يرفضون الانصياع والدخول في دين السادة الجدد. كان الكاردينال قد حرم عليهم أشياء كثيرة، حول مساجدهم إلى كنائس، وأغلق الحمامات، ومنع لبسهم للون الإليض وألغى كل بنود المعاهدة التي وقعها الملك الصغير- آخر الحمقى- مع الملكة المجيدة إيزابيلا، كان الكاردينال يبسط ظله على المدينة وابن الغافل يمشي في ظله. عبر المسافة الصغيرة من أن يكون عين الملك إلى عين الكاردينال. كانت المدينة مليئة بالكفار، والكاردينال كان صبوراً عليهم أكثر مما ينبغي. استدعى الفقهاء وأغراهم وناقشهم طويلا. حاول أن يقنعهم أن الله يقف دائما بجانب المنتصر، وما دامت المسيحية قد انتصرت فهي الحق. ولكنهم أخذوا يناقشونه ويفندون حججه، وهتف الكاردينال في حنق:
- هؤلاء الأغبياء، إنني أتمالك نفسي في صعوبة ويجب أن ألجأ معهم إلى العنف. قال ابن الغافل: فلتناقش شيخهم " الزبيري " لو اقتنع فسوف يقتنع الجميع.
كان ابن الغافل يتوق لأن يعلن الزبيري تنصره. لو فعل ذلك فسوف ينعدل ميزان الكون ويكتسب كل شيء شرعيته. أسرع الجنود فأحضروا الشيخ العجوز وبدأوا يناقشونه. كانت المسافة قصيرة جدا، خطوة يكفي أن يخطوها الشيخ فيصبح كاردينالا بدلا من أن يكون فقيها، ولكنه رفض. هبطوا به من بهو المسجد الذي أصبح كنيسة إلى القبو الواسع الذي بني تحتها منع عنه الطعام والماء. ثم بدأت عمليات التعذيب. رأى ابن الغافل أضلاع الشيخ وهي تعتصر، وجلده وهو يكوى بالحديد المحمي. كان العذاب أليما. لماذا لا يستسلم؟ لماذا ينتفض جسده هكذا ثم يسكن تماما؟.
كان أهالي المدينة قد تجمعوا يطالبون بعودة شيخهم. أخذوا يصيحون في غضب، ولكن الكاردينال خرج إليهم وهو يقول: بشراكم. لقد رأى الزبيري حلما يدعوه للدخول في النصرانية، ورفع إلى السماء كما رفع المسيح.
وصاح الناس في غضب جارف. تفجرت في داخلهم كل المرارات وكل قسوة الحصار. أخرجوا السيوف الصدئة والبنادق القديمة والسكاكين المثلومة واجتمعوا في حي "البيازين". أقاموا المتاريس واشتبكوا مع الجنود، ورأى ابن الغافل وجه الكاردينال ممتقعا وهو يطلب منه أن يعرف من هم رءوس هذه الثورة. كانت طاقة الغضب تعم المدينة كلها. حاصروا قصر الحمراء وطالبوا برأس الكاردينال في مقابل رأس الشيخ الزبيري. وظل الكاردينال مختبئاً في القبو حتى أرسلت إيزابيلا المزيد من جنود قشتالة.
كان الرد رهيبا. تحول حي "البيازين" إلى بحر من الدماء، وقتل جنود قشتالة كل من وجدوه أمامهم دون تمييز. اختلطت جثث الشيوخ والأطفال والنساء. كل الذين عجزوا عن الهرب دهستهم الخيل، وأعلنت إيزابيلا أنه يجب تقديم كل رءوس الثورة إلى محاكم التفتيش. وازدادت سلطة الكاردينال، أصبح هو المفتش الأعظم الذي أنيط به أن يحمي حق المسيح على الأرض، وانتشر قساوسته في كل أرجاء المدينة يقبضون على أي أحد لمجرد الشبهة.
صاحب السلطان كراكب الأسد، الناس تهابه وهو أدرى بما به. لا يذكر ابن الغافل من قال هذه الكلمات، ولكنها كانت تامة الانطباق عليه. لذا فقد قبل الزواج على الفور. كانت زوجته سمينة، كريهة الرائحة، بالغة العنوسة، ولكنها كانت تمت بصلة قرابة إلى المفتش الأعظم. قشتاليه أصيلة، لا تستحم إلا فيما ندر، وتأكل اللحوم نصف نيئة، وتكره الخضراوات والفاكهة وسماع أي كلمة بالعربية، فهل يمنحه هذا بعضاً من الأمان؟.
كان ابن الغافل يعيش كابوسه اليومي الخاص وهو يخوض في أقبية محاكم التفتيش. كانت قد استطالت وتلوت كالثعابين تحت سطح المدينة. وفي كل يوم تبتلع أجساد العاجزين عن التواؤم الروحي ولا تلفظهم إلا موتى. كان مفتشه الأعظم يجد متعة خفية في عمليات القتل البطيء وهو يستمع إلى التأوهات والصوت الخافت لتكسر العظام أو يشم رائحة اللحم المحترق. كان ابن الغافل خائفا من أن يكون مصيره يوما ما على آلة من مثل هذه الآلات التي تفنن المفتش في ابتكارها.
كان خائفا، ولكنهم لم يكونوا خائفين. هدأت الثورة داخل المدينة كي تبدأ في الجبال المحيطة بها. ثار أهالي جبل البشرة والجبل الأحمر، اعتصموا بمساكنهم وسط الصخور الوعرة. لم تكن مدافع "لومباردو" التي هزمت غرناطة قادرة على التعامل معهم. توجه إليهم جيش بقيادة أهم قواد قشتالة "الونثو دي إجيلار" الذي أثبت صلابته على مدى أربعين عاما في محاربة الأندلسيين. ولكن الصخور كانت في انتظاره، سلاح الأهالي الوحيد الذي وهبته لهم الطبيعة. انهالت على جيش "الونثو" ودفن هو تحتها. كانت ضربة هائلة لم تصدقها إيزابيلا فأرسلت زوجها فرناندو على رأس جيش أكثر قوة ولكنه لم يكن ليجرؤ على صعود الجبال أو مواجهة الصنخور، ولجأ إلى الأسلوب الذي يجيده: الحصار الشامل والطويل. كان يعرف أنهم يعيشون في هضاب وعرة، ماؤهم نادر وطعامهم قليل، وكان الزمن في صالحه. مات كل مالدى أهل الجبال من حيوانات، وجفت المياه الشحيحة ويبست الخضرة، كان الخيار أمامهم محدداً إما التنصير، أو عبور البحر إلى بلاد الإسلام البعيدة.
وبعد شهور طويلة لم يكن أمامهم إلا أن يستسلموا. بدأت صفوفهم الطويلة تهبط من بين فجاج الصخور، نسور ذابلة تعاني من شظف الجوع، رفضوا التنصير وفضلوا السير إلى مصيرهم المجهول. وكان المفتش الأعظم سعيداً، وكان ابن الغافل مازال يسأل نفسه: وماذا لو تطامنوا ورضوا؟ هل كانوا سيتركونهم أم سيبحثون لهم عن حجة أخرى ينتزعونهم بها من ديارهم.
نوع من التطهر
ثم حانت لحظة الميلاد. خرج الطفل من رحم المرأة الإسبانية كالزهور تخرج من أرض سبخة. تولدت حياة غريبة من أجساد متنافرة. انحنى ابن الغافل ورفعه بين يديه ورغما عنه تمتم ببعض الآيات القرآنية، ثم فطن إلى أن زوجته تراقبه بعينين متفحصتين تحاول أن تقرأ حركة شفتيه. رسم علامة الصليب على صدره في ارتباك ثم خرج يعدو. أخفض رأسه إلى الأرض خوفاً من أن يقابله أحد قساوسة محاكم التفتيش فيقرأ أفكاره. شاهد نجوم السماء بعيدة، متألقة وغير خائفة. يا إلهى، كيف تخلقت هذه الحياة الجميلة، وكيف نبض بها جسد المرأة، وما هذه الغمغمات الخفية التي تدور حوله في الفضاء. ذكرى ضائعة، شيء ما تبدد واستعصى على الموت. نام على حافة النهر ثم استيقظ فجأة. تذكر التقويم القديم الذي رآه ذات مرة أمام الكاردينال قبل أن يحرق. اكتشف أنه قد حفظ منه معارج القمر وغرات الشهور. عرف يومها أنه في شهر رمضان فتعمد أن يأكل ويشرب أمام الجميع. كانت الخمر تقلص معدته ولكنه شربها، ولحم الخنزير يثير غثيانه ولكنه التهمه. ولم تغادر أيام التقويم مخيلته. نظر إلى السماء يبحث عن أثر القمر، ثم بدأ يعد على أصابعه كل الأيام التي توالت والأسابيع التي انصرمت. أيكون هذا هو فجر أول يوم من أيام العيد، وهذه الأصوات التائهة هي بقايا التكبيرات القديمة. كيف استطاعت هذه الأصوات الضائعة أن تقاوم الاندثار بعد أن انهار كل شيء.
تسلل عائداً إلى بيته. كانت نائمة والطفل هاجع بجوارها وهو يبتسم. أي حلم يدور في رأسه الصغير، أتراه هو أيضا سمع نفس الأصوات. مد يده وحمله إلى صدره. سار به عبر الشوارع والساحات إلى الحارات الضيقة والأحياء القديمة. سار إلى حي "البيازين". انحدرت به الدروب، احتوته بيوت الحي المتلاصقة، أدخلته في رحمها. سمع نبض الأدعية وهي تسري في عروقه. نثار من الكلمات العربية البديعة المحرم النطق بها. رائحة الميلاد ودفء الأفراح القديمة. ثم سمع صوت التكبيرات. كان موقنا أنها موجودة وحقيقية، آتية من خلف جدران صخرية سميكة، خافتة وعذبة ومتواصلة. دار حول الجدران حتى رآهم أمامه جالسين- رجالا ونساء- في ثياب بيضاء، كما كانوا دائما وكأن الإسبان لم يوجدوا "الله أكبر كبيراً.. والحمد لله كثيراً.. وسبحان الله بكرة وأصيلاً " جلس وسطهم وهو يردد الكلمات دون وعي حتى فرغوا.
التفتوا إليه. لم يتعرفوا على وجهه، أو ربما تجاهلوا هويته القديمة. قدموا له أطباق اللبن والعسل. وبدأ الطفل يبكي فهرعت إليه بعض النسوة وحملنه بين أيديهن وبدأن يهدهدنه. وصاحت إحدى النساء:
- هذا الطفل المسكين لم يختن بعد.
وقال شيخ عجوز يشبه الشيخ الزبيري تماما:
- اليوم نقوم بختانه ونحتفل به.
كان الطفل يصرخ والجميع يهللون في فرح وهم يرددون التكبيرات وكان ابن الغافل سعيداً. احتضن الطفل المرتجف وقد تطهر تماما، تطهرا معا، جديدان تماما. لم يدخلا هذا العالم الملوث ولم يسقطا خلف الأسوار، ولكن الوقت كان يمضي، ولحظات العيد تفر من بين أصابعهم. كان عليهم جميعا أن يخلعوا ثيابهم البيضاء وأن يكفوا عن الحديث بالعربية. وأن يعودوا إلى حياة الخوف في شوارع المدينة. انتهى الطقس كالحلم. وكان على ابن الغافل أن يحمل ابنه ويعود به.
شوارع خالية. لا صوت إلا صوت قدميه وهما تتثاقلان فوق الأحجار البيضاء. كان الطفل نائما. ذهب الألم وحلت عليه السكينة. دخل البيت فوجدها متيقظة في أنتظاره. كان المفتش الأعظم بذاته يقف خلفها. حدقا فيه بنظرات وباردة. مدت يدها فأعطاها الطفل. اقترب المفتش ومد أصابعه الشبيهة بالمخالب وكشف عن جسده. تأمل آثار الختان وقال في صوت بارد:
- كنت أعرف منذ البداية أن في أعماقك مسلما لا يستحق سوى الموت.

Mohammad Yousry
06-04-2011, 09:46 PM
:lol::lol:
صدر طبعه جديده من قمر علي سمرقند في الشروق
النسخه ب 50 جنيه
:lol::lol: طبعا فيها كل اللي حذف من طبعه الهلال
الروايه حلوه جدا بس فيها قباحه كتير
http://a7.sphotos.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-ash4/252983_10150194273082493_703767492_7356109_4026157 _n.jpg

Mohammad Yousry
06-04-2011, 09:47 PM
تعليق الدكتور علي الغلاف
Mohamed Kandeel (http://www.facebook.com/profile.php?id=100002245613471) الغلاف جميل فعلا، وهذه هي المرة الاولي التي اراه فيها، من المؤكد أن هذا شغل عمرو الكفراوي، المكان هو الرانجستان، واحد من اعظم الآثار الإسلامية، بس شغل الفنان تدخل وحول الصورة الفوتوغرافيه إلى لوحة

Mohammad Yousry
02-08-2012, 07:31 PM
اصدر الدكتور رواية جديده عن دار الشروق اسمها انا عشقت
سعرها 40 جنيه

Mohammad Yousry
02-08-2012, 07:33 PM
رسالة من د المنسي لشباب الثورة في بداية العام
بعثها لي عالفيس :-)

هل أصبح من حقنا أن نحلم أن يأتي عام جديد؟
حزينة كانت أعوامنا القديمة ومتشابهة، نشيخ فيها بلا أمل، ونهرم دون خلاص..
نقتات على خبز الزمن اليابس دون شبع.. ونتجرع صبار القهر..
ولكن هناك شموع متوهجة قد أضيئت من حولنا.. من دموع ودم.. من حلم وأمل
من شباب ضحوا بأعمارهم التي لم تكتمل.. ليمدوا شيخوختنا بدفء البعث
طوبى لهم.. لأرواحهم النضرة، لقلوبهم الغضة، لاستشهادهم النبيل
واللعنة على قتلتهم
عام جديد يبدأ فاستبشروا.. الأمل مازال حيا

محمد المنسي قنديل